أهل النوبة يشكون من التهميش ويقفون سدا منيعا ضد خطط فصلهم عن مصر

السبت 2014/04/19
ينفرد المجتمع النوبي بخصوصية ثقافية وتراثية وجمالية

القاهرة - فتحت أحداث الفتنة القبلية في أسوان، جنوب مصر، وسقوط عشرات القتلى والجرحى في اشتباكات دامية بين عائلتين، من جديد ملف أهل النوبة الذين يقولون إنهم يعانون من الإهمال والتهميش وأن تاريخهم العريق أصبح منسيّا وحضارتهم الذهبية تحتاج إلى منقّبين جدد ينقذونها من التهميش والتنميط.

النوبة، أرض الذهب التي أغرقها طوفان السدّ العالي وهجّر أهلها. يقول عنها علماء الحضارات والأنثروبولوجيا إن التاريخ ظلمها بسبب التداخل بين الحضارة النوبية والحضارة الفرعونية، فيما يفضّل علماء آخرون اعتبارها الوجه الآخر لمجد المصريين القدامى الذين تفطّنوا إلى بلاد النوبة باعتبارها هدفا حيويا لمصر.

أرض الذهب، التي ظلت آلاف السنين المدخل لقارة أفريقيا، غرقت تحت مياه بحيرة ناصر نتيجة لبناء السد العالي. وبذلت، ولاتزال، جهودا مضنية لإنقاذ فنونها وحضارتها من قبل اليونسكو بالتعاون مع السلطات المصرية.

تمتد أرض "النوبة" ما بين مصر والسودان، وتنقسم إلى قسمين، النوبة السفلى (داخل الأراضي المصرية) والنوبة العليا (داخل الأراضي السودانية). وورد اسم النوبة لأول مرة في النصوص القديمة في كتاب "الجغرافيا" للرحالة اليوناني "إسترابون" والذي زار مصر القديمة في حدود عام 29 قبل الميلاد.

وقد تميزت النوبة بتاريخ حضاري طويل واتسم تراثها الشعبي بالعراقة والثراء والتنوع، والخصوصية التي تميزه عما عداه في بقية أرجاء الوادي، ونتجت هذه الخصوصية عن جماعات ثلاث يتألف منها النوبيون وهم الكنوز الذين يتكلمون اللغة الماتوكية، والفديجة ويتحدثون اللغة الفاديجية، وأخيرا عرب العليقات الذين وفدوا على النوبة من شبه جزيرة سيناء خلال القرن الثامن عشر، وقد تباينت أشكال التراث الشعبي النوبي وتعبيراته وظهر ذلك في المباني والأثاث والصناعات والفنون والحليّ والأزياء. فضلاعن أشكال التعبير الفني كالموسيقى والرقص، وألوان التعبير الأدبي كالقصص والروايات والأشعار، ومنها كذلك العادات والأعراف الاجتماعية وغيرها.

ويعكس الفن النوبي الخصوصيات الثقافية النوبية، ويتضمن رموزا تعكس دلالاتها معتقدات شعبية وسحرية ويظهر ذلك في الوشم والرسوم الجدارية التي تزين واجهات المنازل ومداخلها، وكذلك مشغولات الخرز وزخارف مشغولات السعف والخوص من سلال وأطباق وحصير وخلافه، وكثيراً ما تحمل العناصر الزخرفية دلالات معنوية وسحرية. فالسيف يرمز للبطولة والشجاعة، ويوحي الهلال والنجمة وهما رمزان إسلاميان ، بالتفاؤل، وكذلك توحي القطة السوداء بالتفاؤل، أما الغراب والبومة فهما رمزان شؤم وخراب، في حين ترمز الزهور للصداقة والمحبة، والتفاحة لإغراء الأنوثة، والحرباء للتلون والتقلب والسلحفاة للكسل، أما الإبريق وسجادة الصلاة فيرمزان للطهارة والنقاء.

واعتبر الصحفي طارق حسين أن عبقرية الإنسان تكمن النوبي في استخدام الموارد الفقيرة من حوله في الاستمرار في الحياة و المحافظة على معيشته حيث استخدم النخل في الطعام و الشراب و استخدم الطين في صنع الفخار و الأعشاب أيضا مما ضمن له البقاء آلاف السنين.

حمزة علاءالدين 2006-1929
فنان عالمي وعازف على العود وآلة التار النوبية؛ شهرته العالمية للأسف لم تصل إلى بلده مصر، فقليلون جدا يعرفون حمزة علاء الدين، صاحب موسيقى التصويرية للفيلم الأميركي «الحصان الأسود» للمخرج فرانسيس فوردكوبولا

أيضا الإنسان النوبي كان معروف بالأمانة و النظافة مما جعل بشوات وبكوات الأزمنة الماضية يعتمدون عليه في كثير من أمور الحياة وبطبيعة الحال تسبب ذلك في تجمع العديد من آهالي النوبة في مناطق معينة حتى تحولت تلك التجمعات إلى جمعيات نوبية اجتماعية.وحول الفن والعناء أشار طارق حسين أن التراث النوبي مليء بالأسماء النوبية التي تمثل علامات في تاريخ وتراث النوبة مثل أحمد منيب، شيخ المطربين النوبيين، ومحمد منير الذى أستطاع أن يصل بالأغنية النوبية إلى مكانة عالية حيث يؤخذ من التراث النوبي ويقوم بتلميعه فيما يتوافق مع الألحان الحديثة و التوزيع باستخدام الآلات الموسيقية العصرية.


أرض حملة الأقواس


"تاستي" هو الاسم الفرعوني القديم الذي كان يطلق على بلاد النوبة ويعنى "الرماة" أو "أرض حملة الأقواس"، حيث عرف أهلها بمهارتهم في الرماية قبل اكتشاف مناجم الذهب بوفرة. وأطلق عليها هيروغليفيا "نوب" بمعنى الذهب ومنها تحول اسم الإقليم باللغة العربية إلى النوبة.

وطَّن النوبيون أنفسهم منذ قديم الأزل على الزراعة؛ فاستغلوا جانبي النهر العظيم وأنشأوا طقوسا وعادات راسخة تناقلها الأبناء عن الآباء والأجداد، ورغم زوال معظم الممالك القديمة ومن بينها مملكة "النوبة" إلا أن أهلها ظلوا محتفظين بخصائص كثيرة لم تندثر إلى اليوم، خصوصا اللغة النوبية الخاصة وطقوس الزواج والعادات الاجتماعية، وزخرفة البيوت واللباس.

وعني النوبيون بتربية قطعان كبيرة من الماشية والأغنام. وعن طريق نهر النيل أصبحت النوبة ممرا يوصل ما بين شمال أفريقيا وجنوبها، إما بالملاحة النهرية أو بالطرق البرية إذا تعذّر إبحار السفن بسبب الجنادل والشلالات.

وكغيرهم من المصريين والشعوب المجاورة تأثّر النوبيون بمختلف الحضارات التي تعاقبت على البلاد، من فراعنة ورموان وبيزنطيين ومسلمين وعثمانيين، فتنوّعت عاداتهم وتغيّرت دياناتهم. وقد ظلّت العبادات في النوبة وثنية إلى أن أعلن الإمبراطور "ثيودوسيس" المسيحية دينا للدولة عام 380 م، وحرّم الديانات الوثنية. ورويدا رويدا أخذت العقيدة المسيحية تنشر في النوبة عن طريق التجار أو المسيحيين الفارين من الاضطهاد المذهبي للحكم البيزنطي.

وقد عثر على بعض الآثار التي تؤرخ لبداية دخول المسيحية إلى النوبة، ووجد الباحثون عددا من الصلبان نقشت على قطع فخارية في بلانة وقسطل، كما انتشرت الكنائس والأديرة في أنحاء النوبة والتي شُيد بعضها على النمط البيزنطي (البازيليكا) كما كانت أبريم مقرا لبطريركية النوبة.ومع بداية القرن الثامن الميلادي زينت جدران الكنائس بمناطق مصوّرة تجلّى فيها انصهار التأثير القبطي والبيزنطي والسوري، وتعد الرسوم الملونة على جدران كنيسة فرس، خير مثال على ذلك، ومن بين 169 منظرا مصورا ظهر المسيح والعذراء مريم وملائكة وقديسين إلى جوار ملوك نوبيين بشكل شديد الرقي والإبداع.


معاهدة البقط والإسلام


اهتم عمرو بن العاص بعد فتحه مصر سنه 641 ببلاد النوبة وأرسل حملة بقيادة عبدالله بن أبي السرح لفتح النوبة إلا أن الحملة لم يكتب لها النجاح ولاقت مقاومة عنيدة. وفي عهد عثمان بن عفان توجه والي مصر عبدالله بن سعد إلى النوبة مرة أخرى ووصل إلى دنقلة في الجنوب، وتوقف عندها وبعد مقاومة شديدة، عقد الطرفان هدنة عرفت باسم "البقط" نصت على عدم الاعتداء فضلا عن مقايضة عدد من الدقيق بالغلال المصرية وبفضل هذه المعاهدة فتحت الأبواب بين الشمال والجنوب أمام التجارة ما مهّد لانتشار الإسلام وتوطنت بعض الأسر العربية في النوبة خاصة في مديس أو وادي حلفا الحالية.

للمرأة النوبية ملامح خاصة تميزها عن بقية نساء مصر

أما تاريخ النوبة الحديث فيبدأ مع دخول العثمانيين مصر سنة 1517 على يد سليم الأول الذي أنهى حكم المماليك فخضعت مصر والنوبة للحكم العثماني، وأقام حكام النوبة العثمانيون حصولهم في أبريم وأسوان وجزيرة صالي، كما وضعت حاميات من جنود البوسنة الذين تزاوجوا مع النوبيين ولا يزال أبناؤهم يحملون الملامح النوبية مع بشرة شديدة البياض، وقد عادت الاضطرابات إلى النوبة عندما ضعف الحكم العثماني في القرن 18. وتطلع سناجق المماليك إلى نفوذهم القديم فتصارع المماليك فيما بينهم كما تصارعوا مع السلطة العثمانية واستمرت هذه الاضطرابات في زمن إبراهيم بك ومراد بك (1798 1775-) حتى جاءت الحملة الفرنسية واحتلت مصر.

ولما جاءت الحملة الفرنسية، بقيادة نابليون بونابرت، غيرت كثيرا من أوجه الحياة في مصر والنوبة.

وعمد علماء الحملة الفرنسية إلى دراسة آثار وتاريخ البلاد وزاروا مصر العليا وبلاد النوبة. وقد تضمن كتاب "وصف مصر 1822" دراسات دقيقة عن النوبيين وتحدث كوستاز عن مملكة النوبة وحدد موقعها بين مصر ومملكة سنار، كما ميز سكانها عن سكان مصر في الشمال، وزنوج سنار في الجنوب، وفرق بينهم علميا وبين القبائل الرحالة في الصحارى المتاخمة للنيل شرقا وغربا، كما وصف كوستاز وسائل مواصلات النوبيين وأنواع تجارتهم مع مصر والتي ظلت تعتمد على المقايضة ولاحظ العالم الفرنسي أن النوبيين يشترون من قوافل سنار التمور والدقيق لدفعها كضريبة للسلطان العثماني كما لاحظ أمانتهم وإخلاصهم وتشبّثهم بالإسلام.

أحد تماثيل لرماة نوبيين في الجيش الفرعوني معروضة في المتحف المصري في القاهرة، وقد سرقت مع تحف فرعونية أخرى خلال ثورة 25 يناير 2011 ونجحت السلطات المصرية في استعادتها

وتعد دراسة كوستاز أول دراسة أوروبية عن بلاد النوبة خاصة وقد وصف فيها الملابس والعادات النوبية وقارن بين لغة النوبيين واللغة العربية بعد الحملة الفرنسية وقراءة أوروبا لكتاب وصف مصر، وتتابع المستكشفون الأوروبيون على بلاد النوبة. وكتب الرحالة السويسري بوخارت دراسته المهمة بعنوان "رحلة إلى النوبة" نشرها في لندن سنة 1918 وتحدثت هذه الدراسة عن أصول النوبيين وسبل معيشتهم وكشفت كثيراً من تاريخ النوبة.


السد والتهجير


صراع طويل خاضه النوبيون مع حكومات مصر قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير وبعدها، منذ ما يقرب من قرن مع بداية عملية التهجير مع بناء خزان أسوان سنة 1907، وصولا إلى المرحلة الأخطر في تاريخ بلاد النوبة، والتي يعتبرها النوبيون الطوفان الذي أغرق بلادهم، وهي مرحلة بناء السدّ العالي في الستينات من القرن الماضي والتي تسبّبت في تهجير الكثيرين.

ومنذ ذلك الوقت كثيرا ما سعى أهالي تلك المنطقة إلى المطالبة للاعتراف بحقوقهم وتعويضهم عن الخسائر التي تكبدوها لكن دون جدوى، حتى جاءت أحداث 30 يونيو وتم تعديل الدستور، ووضعت مادة لأول مرة في تاريخ الدساتير المصرية، حملت رقم 236 ونصت على إعادة توطين النوبيين وتنمية المنطقة خلال 10 سنوات من الآن.

لكن، قبل ذلك، ولم يكد أهالي بلاد النوبة يهنؤون بثورة 25 يناير، حتى دخلوا في صراع جديد مع حكومة الإخوان ووصل الأمر إلى حدّ تصريح أسامة فاروق، الرئيس التنفيذي لحركة كتالة النوبية، بـ"أن العدو الحقيقي للنوبيين ليس مصر، وإنما الإخوان المسلمون الذين يرفضون الاعتراف بهذه الأقلية المصرية". وذلك ردّا على وصف قيادي إخواني للنوبيين بـ"البربر والهكسوس".

وقد دفعت سياسة الإقصاء والاحتقار التي مارستها حكومة الإخوان المسلمين، التي سقطت إثر ثورة 30 يونيو، إلى تأسيس "حركة كتالة" للتصدي لهذه السياسات ضد قبائل النوبة وأقليات أخرى والتي تعتبر مكوّنا أساسيا من مكوّنات المجتمع المصري المتجانس. ووصل الأمر العام الماضي، خلال حكم محمد مرسي، إلى تهديد "حركة كتالة "النوبية بإعلان المنطقة من مدينة إسنا جنوب الأقصر وحتى حلفا جنوب أسوان منطقة نوبية مستقلة عن مصر.

وذهبت الحركة إلى حد إشهار علم النوبة بألوان ثلاثة "الأزرق الذي يمثل النيل، والأصفر يمثل الصحراء الغربية، والأخضر ويمثل الخضرة في النوبة" واعتباره علما لتلك المنطقة.


فتنة أسوان


مؤخّرا، سلّطت الأضواء على قضية أهالي النوبة بشكل لافت بعد أن تحوّل خلاف، عادي، بين قبيلتين في مدينة أسوان إلى أزمة سياسية كبرى كشفت عن عمق هذا الملف وضرورة الاهتمام به، حتى لا يتم استغلاله من قبل جهات خارجية تبحث عن نشر الفتنة في مصر وتحويل أرض الذهب إلى أرض دماء وحريق.

أصل الحكاية أن مشاجرة وقعت بين طلبة ينتمون إلى قبيلة "الدابودية" وآخرين من قبيلة "الهلايل" بسبب معاكسة إحدى الفتيات. المشاجرة تطوّرت إلى صراع خلّف جرحى وقتلى، وهو أمر يكاد يكون عاديا، في المجتمعات القبلية في مصر. لكن ما هو مثير للاهتمام هو سرعة التحول في الموضوع من قضية ثأر إلى أزمة أمن قومي. الأمر الذي جعل بعض المراقبين يتحدّثون عن أياد خارجية، من خارج النوبيين، عمدت إلى تصعيد الصراع وإثارة الفتنة القبلية حتى تحوّل فجأة خلاف الأخوة من أبناء "بنى هلال" وأبناء "الدابودية"، أبناء قبائل (الكنوز) ضد أبناء (فاديجة)، ولأسباب تافهة، إلى فتن عميقة.

الطبق الـنوبي الشهير (الشــور.. الكرج) المصنوع من سعف الــنخيل

وأشار المحلّلون المتابعون لهذه الأزمة إلى أن خطورة الحادث الذي هزّ أسوان ومصر، تنبع من زاويتين، الأولى أنه يقع في محافظة نائية معروفة بالهدوء والأمن والاستقرار، بل إن عادة الثأر عندها تكاد تكون غير موجودة مقارنة بجهات وقبائل مصرية أخرى، الأمر الذي يشير إلى جود عناصر خارجية تعمل على بثّ روح الثأر والعنف في صفوف أبناء القبائل في المنطقة.والزاوية الثانية، أن هناك من قرأ تاريخ المنطقة جيّدا ويعرف مطالب النوبيين واحساسهم بالغبن والتهميش فعمد إلى إشعال الحريق عن طريق حشد أحد طرفي النزاع وهو قبيلة الدابودية التي تنتمي إلى النوبة، وهي جماعة كانت تعيش في جنوب أسوان، وجرى ترحيل أفرادها إلى مناطق أخرى بالمحافظة عندما تم تشييد السد العالي.

تباينت وجهات نظر مراقبين حول طبيعة الحادثة حيث يرى البعض أنها مؤامرة، ومن أصحاب هذه النظرية جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، الذي لم يستبعد تورط جماعة الإخوان المسلمين في الكارثة الدموية التي وقعت بين قبيلتي الدابوديةوالهلايل. وألمح زهران إلى أن الفتنة التي اشتعلت في أسوان تحقق للإخوان أهدافا سياسية أبرزها، عقاب النوبيين على تأييدهم المطلق للمشير عبدالفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ومبادرتهم للقائه وتعليقهم لصوره على بيوتهم، بالإضافة إلى أن الإخوان المسلمين جذورهم راسخة داخل المجتمع المصري في الأقاليم والأرياف والصعيد، ويعرفون جيدا ما معنى النزاعات القبلية خاصة التي تتعلّق بالشرف والعرض، فنفخوا في نار الفتنة.

وأشار إلى أنه رغم أن الدولة نجحت في وأد الفتنة من خلال اجتماع بين زعماء القبائل، والاتفاق على التهدئة وتسوية النزاع، إلا أن الإخوان استطاعوا إشعال نار الأزمة مرة أخرى، حيث كانت هنالك أياد تعبث بالتهدئة، وأسلحة تسرّب وكتابات مسيئة تُكتب على الحوائط، وكان هناك من يطلق النار على الطرفين ليؤجج الفتنة ويسيل الدم، وأوضح أن المسألة أكبر من "شجار صبيان"، تحول إلى حرب أهلية وعرقية بين قبيلتين، فالإخوان يريدون نشر الفوضى.

وكان الجيش المصري وجّه أصابع الاتهام إلى جماعة الإخوان المسلمين في استغلال الحادث وتحويله إلى صراع محتدم بين النوبة والقبائل العربية الأخرى، خاصة أن هناك محاولات سابقة لاستغلال عملية التهجير التي تمت في ستينات القرن الماضي، حتى تتحول القضية إلى "مسألة نوبية" دولية، ما يدفع إلى ترجيح كفّة نظرية المؤامرة، وهو ما أكّده عماد شاهين، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، بأن مناطق النوبة، منذ قدم التاريخ، لم تعرف لغة السلاح ولم يكن من سلوكيات أبنائها.

وقال شاهين إن النوبي يحمل السلاح عند الضرورة القصوى للدفاع عن أسرته وأرضه من هجوم مطاريد الجبل.

وأشار إلى أن النوبي عندما يحمل السلاح سيكون مواطنا مختلفا وسيفقد أهم ما يملكه من صفات مثل حُسن الخلق وطيبة القلب، والبديل سيكون مثل ما حدث بين قبليتي الدابودية والهلايل.

ونبه إلى أن أسوان تم اختيارها بخبث لتنفيذ مخطط يهدف لضرب أحد أهم مكونات الدولة المصرية في هذه المنطقة، ففيها الاختلافات والصراعات العرقية بين القبائل العربية والنوبية، كما أنها بعيدة عن دائرة اهتمام الدولة، مما يسهل اللعب فيها في ظل انشغال الدولة بالانتخابات الرئاسية وعنف الجامعات وما يجري في القاهرة وجنوب سيناء.

في ذات الملفّ، أشار طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إلى أن أسوان تحولت بين لحظة وأخرى إلى بيئة يعيش فيها الجهل والتعصب والولاء للقبيلة، مما يكرس للعصبية والنزعة العشائرية.

وقال إن التحليل العميق والقراءة الصحيحة لهذه الأزمة تؤكد أن النفوس معبأة بأشياء كثيرة، وشاءت الظروف أن تخرج هذه الطاقات المكبوتة بهذا الشكل الكارثي.

وشدد فهمي على ضرورة إعادة النظر في مطالب النوبيين والاهتمام بأبناء بهذه الفئة المهمشة في تاريخ الدولة المصرية، ويشير إلى أن الحل لابد أن يأتي من الدولة من خلال تنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة من التوزيع العادل للثروة، ومنها الصعيد وسيناء ومناطق النوبة، بشرط مشاركة أهلها في مشاريع التنمية المقترحة، مع مراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع، ودعا المسؤولين في الدولة إلى تنفيذ مشروعات تعيد أهل النوبة إلى مناطقهم الأصلية.


إقرأ أيضا:


كاتب نوبي: 'فتنة أسوان' احتقان 112 عاما انفجر في 2014

6