أهل دمشق أدرى بشعابها

الخميس 2016/01/28

جنيف1.. جنيف 2.. وحتى جنيف3 الذي من المتوقع أن يعقد الجمعة المقبل، جلها لقاءات ومباحثات في الشأن السوري لم تتعدّ حدود الكلام، سياسيون احترفوا بيع الأوهام والأحلام لشعب سوري نصفه مهجّر ومشرّد، ونصفه الآخر يعاني ويلات الحرب ويعيش حصارا مطبقا.

لا يمر يوم منذ خمس سنوات مضت إلا ونسمع فظاعات جديدة ترتكب في حق شعب أعزل على مرأى ومسمع مجتمع دولي، الشيء الوحيد الذي قدمه للأزمة السورية مجرد قرارات خاوية بقيت حبرا على ورق، فتدخل بعض الأطراف الدولية في ملف الأزمة لم يساهم إلا في مزيد تعقيد الوضع وتشتيت الجهود وتكريس الخلافات.

الساحة السورية اليوم باتت ساحة معركة نفوذ على أشدها بين إيران وروسيا من جهة، والغرب من جهة أخرى. ويبقى الشعب السوري وقود هذا الصراع المحموم، فجل اللقاءات التي جمعت هذه الأطراف لم تكن من أجل إيجاد مخرج لهذه الأزمة المزمنة، وإنما من أجل تقاسم النفوذ على اعتبار أن سوريا سلعة تباع في أسواقهم السياسية.

فجنيف 3 لن يكون سوى لقاء من أجل اللقاء وأشبه بما سبقه من اجتماعات، ولن نأخذ منه سوى بيانات تنديد وقرارات قديمة من رفّ جنيف1 وجنيف 2 لا تخدم إلا مصلحة النظام السوري فهي فرصة جديدة له لمزيد القتل والتنكيل ليخرج لنا بعد ذلك المجتمع الدولي بجنيف 4.

تردّد واشنطن حيال ملف الأزمة وسياسة النأي بالنفس التي انتهجها باراك أوباما تركا المجال مفتوحا لدخول لاعبين دوليين جدد إلى الساحة، مما كرس انقسام المعارضة السورية وتشتت جهود الإطاحة بنظام الأسد وإطالة أمد الأزمة التي باتت تهدد أمن المنطقة برمتها.

فروسيا تدخلت بكل ثقلها وأنعشت النظام السوري اقتصاديا واجتماعيا وعسكريا، ليس حبا في الرئيس بشار الأسد وإنما لكي يثبت فلاديمير بوتين أن موسكو باتت لاعبا دوليا مؤثرا على الساحة لا يقل أهمية عن واشنطن أملا في إعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي على أشلاء السوريين.

وإيران من جهة ثانية تكافح من أجل تثبيت أقدام الأسد بالحديد والنار باعتباره النظام الوحيد الحليف لطهران وهمزة وصله بحزب الله في لبنان، خصوصا وأن عزلة دولة الولي الفقيه باتت تتضح معالمها في المنطقة.

ووسط هذا الصراع المحموم على النفوذ والمصالح، يقف المواطن السوري بأحلام مبعثرة وخوف من غد غير واضح المعالم بعد أن هجّر من بلده وشردت عائلته وباتت مآسيه تتصدر عناوين الصحف ونشرات الأخبار.

سوريا دولة عربية والحل لن يأتي إلا من محيطها العربي بعيدا عن الحسابات الضيقة، فحضور دول المنطقة في مجريات الأزمة كان محتشما نوعا ما، وقد تُرك المجال مفتوحا لاستغلال الأرض السورية كساحة صراع على النفوذ واستعراض للعضلات بين القوى الدولية وساحة تجارب للأسلحة الأميركية والروسية ومركز لتفريخ الجهاديين وتصدير التطرف لبقية بلدان المنطقة.

فرغم التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه البلدان العربية، إلا أنها مطالبة بالوقوف وقفة حاسمة لإيجاد مخرج سلمي للأزمة يضمن أرواح السوريين ويحقن دماءهم.

السعودية ومصر باعتبارهما من القوى الفاعلة في الساحة العربية معنيتان اليوم بقول كلمتيهما وفرض وجهات نظرهما التي تتماشى مع مصلحة السوريين بدرجة أولى والمنطقة بدرجة ثانية، فنحن ننتظر من السعودية ذات الدور الذي اضطلعت به في اليمن.

التحديات التي يقف أمامها المجتمع العربي كتعاظم نفوذ الجماعات الجهادية والأوضاع الاقتصادية المتدهورة، تستوجب وقوف بلدان المنطقة وقفة رجل واحد تحت مظلة الجامعة العربية التي بعثت، أساسا، من أجل أن تلعب دورها كما يجب في مثل هذه الأيام الحالكة التي تمر بها المنطقة.

يجب أن تكون هناك إرادة عربية مدركة أن مخرج الأزمة السورية وغيرها من الملفات العربية الحارقة لن يكون إلا من بين أروقة الجامعة العربية، لأن “أهل مكة أدرى بشعابها”.

صحفي تونسي

8