أهمية إقليمية للسلام بين الجبهة الثورية والحكومة السودانية

تقدم المفاوضات بين الأطراف السودانية ينعش آمال السلام في بعض الدول المجاورة التي تعاني من أزمة سياسية قريبة من التي تعيشها الخرطوم.
الأحد 2019/10/20
هل تطال عدوى السلام جنوب السودان

استؤنفت محادثات السلام بين الحكومة السودانية وحركتين مسلّحتين رئيسيتين الجمعة، بعدما تعثّرت إثر تلويح الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بالانسحاب من المفاوضات، واتّهامها القوات الحكومية بقصف مناطقها، ما يوحي بأن إعلان عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة بوقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد، قد نزع فتيل الأزمة ما يسمح بطي صفحة الخلافات، ويؤسس لخارطة طريق تتيح استئناف محادثات السلام في السودان كما تحييها في الدول المجاورة.

لم يتوقع كثيرون أن تسير المفاوضات الجارية في جوبا بين الجبهة الثورية والحكومة السودانية بطريقة سلسة ودون مطبات، فمشكلات سنوات طويلة من الحرب يصعب طيها في جلسة أو اثنتين، أو إعلان مبادئ يتضمن رؤى عامة، لكن وجود قوى إقليمية ودولية تسعى لتقريب الرؤى السياسية للوصول إلى سلام شامل ومستقر، قد يزيل الكثير من الرواسب قبل انتهاء مدة الستة أشهر التي حددتها الوثيقة الدستورية من تسلم السلطة الانتقالية الحكم في السودان.

وكان التعثر الذي شهدته الحوارات بين الحكومة والحركة الشعبية- قطاع الشمال، جناح عبدالعزيز نور، يومي الأربعاء والخميس، متوقعا وأكثر منه، لأن الرجل لا يزال غير منخرط رسميا في جسم الجبهة الثورية التي تضم حركات مسلحة وقوى سياسية عدة، ويريد الحصول على مزايا أمنية واقتصادية وسياسية تتناسب مع قوته العسكرية الكبيرة في جبال النوبة.

نزع الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة، فتيل أول أزمة- اختبار في وجه المفاوضات بين الجانبين، عندما أصدر الخميس مرسوما يقضي بوقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد، لتحاشي تكرار احتكاك عسكري حدث بين قوات الدعم السريع وعناصر تنتمي إلى جناح الحلو في ولاية جنوب كردفان الأسبوع الماضي، وتأكيد رغبة الخرطوم أنها تدعم مشروع الوقف الدائم للعدائيات في أي من أقاليم السودان.

التحركات التي يقوم بها كل جانب تعزز من تحقيق سلام لا يهم السودان وحده، بل سوف يكون راشدا لما يطرأ في بعض الدول المجاورة التي تعاني من أزمة سياسية قريبة من التي تعيشها الخرطوم

أنهى استئناف الحوار، بعد تجميده لنحو يوم، بين الحلو والوفد التفاوضي الحكومي ما تراكم من غيوم في سماء جوبا، وأثبت كل طرف أن طريق السلام خيار إستراتيجي ولا عودة عنه، كما أنه أصبح تحت المجهر من جانب دوائر متباينة تراقب الموقف وتطوراته يوميا، ويرتهن التقدم أو التأخر بمدى ما ينتظر السودان من هدوء واستقرار ونجاح تجربته الديمقراطية التي لفتت أنظار العالم.

تدرك الحكومة المعاني التي تحملها هذه القضية، وكشفت تصرفاتها عن حسن نوايا في محكات كثيرة، أبرزها إبداء الاستعداد لإدخال تعديلات على الوثيقة الدستورية وتشكيلتها الوزارية، إذا لزم الأمر، لطمأنة جميع الحركات المسلحة، والانفتاح على الفصائل الممانعة للمسار السياسي الحالي.

لعل لقاء عبداللـه حمدوك رئيس الحكومة مع عبدالواحد محمد نور، رئيس أحد أجنحة حركة تحرير السودان، في باريس مؤخرا، يعزز القناعة بالرغبة في التسوية العاجلة لهذا الملف، على الرغم من تمسك نور بممانعته السابقة، ناهيك عن تصريحات إيجابية مختلفة جاءت من قادة في مجلس السيادة وتسير في الاتجاه نفسه، ما يجعل الطرف المقابل يلتقطه ويتعامل معه بالطريقة المناسبة.

شرعت الجبهة الثورية في التجاوب مع الرسائل التي تلقتها من الحكومة، أملا في الالتفاف حول صيغة عادلة لتحقيق السلام، تنهي سنوات طويلة من المحن تسببت فيها الحرب الأهلية لسكان أقاليم دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وحققت تقدما في مجال إعادة هيكلة صفوفها، من حيث تراتبية القيادة والقواعد والفصائل.

سنوات طويلة من المحن
سنوات طويلة من المحن

بعد إعادة الهيكلة التي تمت وفقا لأدبيات مرنة، توسعت أطر الجبهة الثورية وضمت في عضويتها خمس حركات مسلحة بدلا من ثلاث، وهي: الحركة الشعبية لتحرير السودان برئاسة مالك عقار، وحركة جيش تحرير السودان برئاسة مني أركو مناوي، وحركة جيش تحرير السودان- المجلس الانتقالي برئاسة الهادي إدريس يحيى، وحركة العدل والمساواة برئاسة جبريل إبراهيم، وتجمع قوى تحرير السودان برئاسة الطاهر حجر.

وأبدت انفتاحا على القوى السياسية استعدادا لمرحلة السلام وتبعاته، وضمت قوى أربعا غير مسلحة، هي: حزب الاتحادي الديمقراطي– فصيل الجبهة الثورية برئاسة التوم هجو، ومؤتمر البجا المعارض برئاسة أسامة سعيد، وحركة تحرير كوش برئاسة محمد داوود، والجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة برئاسة الأمين داوود.

تعزز التحركات التي يقوم بها كل جانب من اقتراب تحقيق سلام لا يهم السودان وحده، بل سوف يكون راشدا لما يطرأ في بعض الدول المجاورة التي تعاني من أزمة سياسية قريبة من التي تعيشها الخرطوم والحركات المسلحة، فخارطة الإقليم عامرة بالمعارك المباشرة وغير المباشرة، الظاهرة والكامنة، وباتت بوصلة الحرب والسلام مرتبطة بما يدور في السودان.

تحركت الأزمة قليلا في دولة جنوب السودان بين الرئيس سلفا كير ميارديت وعدوه المعارض اللدود رياك مشار، بعد أن شهدت حوارات الفصائل المسلحة انفراجا ملموسا في السودان، يمكن الحذو حذوه.

عاد مشار إلى جوبا السبت، بعد ضغوط إقليمية مورست عليه وغريمه سلفا كير، وتهديد بعقوبات دولية عليهما، تمهيدا للشروع في تشكيل حكومة انتقالية مع حلول 12 نوفمبر المقبل، اتساقا مع تفاهمات سابقة وبموجب اتفاق أديس أبابا لإحلال السلام بين الطرفين، وبعد دخول مجلس الأمن بقوة لأجل إنهاء المأساة في جنوب السودان، حيث يجتمع اليوم الأحد في جوبا لإيجاد حل مناسب لعدم خرق اتفاق السلام.

تكمل التحركات على هذين المستويين الاتجاه العام الذي يسود المنطقة حاليا لإنعاش فكرة نشر السلام على نطاق واسع، ومده بأوكسجين سياسي لا ينضب، ولا يدخل السلام غرفة العناية الفائقة وتنهار الكثير من الترتيبات الرامية إلى جلب الاستقرار في منطقة تشتاق إليه، حيث عانت لعقود طويلة بسبب غياب الأمن.

خرجت عملية السلام من مكوناتها السودانية إلى فضاء إقليمي أرحب، يرى ضرورة أن تنتهي المفاوضات بين الحكومة والقوى المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية أو خارجها إلى نتيجة عملية قريبا، وتعتقد دول فاعلة في المنطقة أن هذه الخطوة لم تعد تحتمل التأجيل أو التجريب، ومن الضروري أن تقطف ثمرتها، فالسودان سوف يتحول إلى رمانة ميزان للإقليم، بحكم نجاحه في تقديم نموذج جيد للتحول الديمقراطي، لن يكتمل دون سلام يعم بلادا تشرذمت على وقع حروب متتالية وجدت فيها جهات محلية وإقليمية ودولية مصالح معينة.

ينتهز السودان لحظات يُعاد فيها ترسيم بعض الخرائط في المنطقة، ليصل إلى مرحلة السلام الشامل، خوفا من بديل يؤدي إلى الانهيار، الأمر الذي تعيه الحكومة والجبهة الثورية وتعملان على تحاشي أي سيناريوهات قاتمة لن يستفيد منها الطرفان، وتحرض بعض دول الإقليم على تسهيل المفاوضات، حتى لو استلزمت دفع تكاليف باهظة للوصول إلى سلام مستقر.

تأتي الأهمية الإقليمية ليس فقط من الريادة التي تحملها تجربة السودان، بل أيضا من الاختبار الذي تدخله القوى الساعية للانخراط في السلام، وقدرتها على تقديم تنازلات متبادلة، وهي النقطة الدقيقة التي ستواجهها الحكومة والجبهة الثورية عندما تدخل المفاوضات مرحلة الحديث عن التفاصيل اللازمة لإنزاله على الأرض.

بدأت مؤشرات الخلاف تتكشف من تلميحات بشأن إعادة النظر في إعلان المبادئ الموقع بينهما في جوبا 11 سبتمبر الماضي، والدولة التي يمكن أن تستضيف الحوارات المتعددة، والمسارات التي تدخلها كل أزمة وزمانها ومكانها، ومتابعة النتائج التي يحرزها كل مسار، والجهة أو الجهات الداعمة ماديا لإصلاح ما أفسدته الحرب، والأقاليم التي شهدت توترات وحروبا من دون أن تشملها قرارات دولية.

تخشى بعض الدوائر أن يكون الانبهار بالثورة السودانية خفت وجاءت فكرة المفاوضات ودهاليزها المعقدة لترخي بظلالها على آليات التسوية الشاملة، وهو ما يفرض أن تكون الدولة الراعية (أو الدول الراعية) على بينة من أن هناك جهودا يجب أن تبذل وتضحيات واستحقاقات يجب دفعها لتحقيق سلام سوف يصطحب معه تداعيات إيجابية تتجاوز حدود السودان.

خطوات نحو تحقيق سلام
خطوات نحو تحقيق سلام 

 

2