أهمية عامل المقدسات الدينية في الأزمة العراقية

الجمعة 2014/07/11

في محاولتنا لدراسة جذور ومسببات الصراعات العربية، عادة ما نكتفي بالعوامل البديهية على غرار أعداد القتلى، وندرة الموارد والحدود الوطنية، متجاهلين أهمية العامل الديني في نزاعات المنطقة.

باستحواذها على الأراضي العراقية وبتنفيذها لعمليات إعدام جماعية للطائفة الشيعية، منحت الدولة الإسلامية في العراق والشام حتما للمعارضة الحافز الأساسي لتجنيد مقاتليها داخل العراق. لكن إثر استيلائها على مدينتي الموصل وتكريت، بثّت المنظمة رسالة، على لسان المتحدث باسمها -أبو محمد العدناني-، أبرزت مدى أهمية عامل الدين كقوة تعبئة في هذا الصراع المسلح.

في الرسالة الصوتية، يخاطب العدناني رئيس الوزراء نوري المالكي ناعتا إياه بـ"الرافضي"، وهو مصطلح ازدرائي للشيعة الذين يطلق عليهم ” الروافض”. وتعهد بأن “تصفية الحسابات لن تتمّ في سامراء أو بغداد، بل في كربلاء المنجسة والنجف الأشرك".

استخدامه لعبارتي "المنجسة" و"أشرك" هو لعب طائفي على الكلمات في إشارة إلى المدينتين اللتين تعتبرهما الشيعة أهم المدن الإسلامية، بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة. فكربلاء تُعرف بكربلاء المقدسة، وتحتوي على ضريح الأمام الشيعي الثالث، الحسين بن علي. ويُشار إلى النجف بالنجف الأشرف، وهو يحتوي على ضريح الأمام الشيعي الأول وخليفة المسلمين الرابع، علي بن أبي طالب.

لذلك فقد أدّت التهديدات التي وجهها العدناني لمدينتي النجف وكربلاء إلى رد فعل فوري من الطائفة الشيعية داخل العراق وخارج حدودها. فقد دعا الممثل الرسمي لآية الله العظمى علي الحسيني السيستاني، وهو أقوى رمز حيّ للسلطة الدينية الشيعية، جميع العراقيين القادرين على القتال إلى مواجهة الارهابيين ومحاربتهم، واضطرّ السيستاني عقب ذلك إلى إعادة التأكيد بأن هذه الدعوة لا تقتصر على الشيعة فقط بل تشمل كلّ العراقيين. ثمّ بثّ آية الله فاضل الميلاني، ممثّل السيستاني في لندن، رسالة عبر شريط فيديو توضح أنّ الشيعية خارج العراق ليسوا في حاجة إلى مواجهة الدولة الإسلامية في العراق والشام.

وقد تمّ بالفعل تجنيد المقاتلين في سوريا، تحسّبا لأيّ هجوم يستهدف المقدسات الشيعية في دمشق على غرار مسجد السيدة زينب، باعتبار التهديد المستمرّ الذي تمثّله الجماعات المسلحة للمتطرفين "التكفيريين" العازمين على تدمير هذه الأماكن المقدسة. وتكشف الحماية التي يحظى بها ضريح السيدة زينب لوحده عن قوّة هذا التجنيد الشعبي، إذ تتعدّد به ميليشيات الحماية في البلاد على غرار فرقة “حماة زينب” و“كتائب أبو فاضل بن عباس".

في 2013، حذّر الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله من أن تدمير ضريح السيدة زينب “سيؤدّي إلى عواقب خطيرة”، وأن "البلدان التي تدعم هذه المجموعات ستتحمّل مسؤولية هذه الجريمة، في حال حصولها".

كما أكّد الرئيس الإيراني حسن روحاني، في إطار بث تلفزيوني: "بخصوص الأضرحة الشيعية المقدسة في كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء، نعلن للقتلة والإرهابيين أن الأمة الإيرانية الكبيرة لن تتردد في حماية الأماكن المقدسة".

من شأن هذا التهديد الصريح الذي يستهدف المقدسات بالنجف وكربلاء أن يصعّد الأزمة في العراق من نزاع محلي إلى صراع دولي، من خلال تجنيد المقاتلين من جميع أنحاء العالم. لذلك ينبغي علينا أن ندرك تماما دور عامل المقدسات الدينية في تغيير موازين قوى أي صراع مسلح.

ففي سنة 2001، دعا قرار الجمعية العامة الأمم المتحدة 55/254 كافّة الدول إلى “بذل أقصى الجهود لضمان الاحترام والحماية الكاملين للمواقع الدينية ولاعتماد التدابير المناسبة الرامية إلى منع الأعمال التخريبية أو التهديد بالعنف".

إلّا أنّ نصّ القرار لا يحدّد طبيعة هذه "الإجراءات الملائمة". فغالبا ما تحتاج القوات المسلحة في جميع أنحاء العالم إلى التدخّل في المواقع الدينية، ولكن هذه العمليات تؤدّي عادة إلى تقويض علاقات طويلة الأجل مع السكان المحليين، وغالباً ما يجهل صناع القرارات هذه التداعيات.

المقدسات الدينية أو الجغرافيا المقدسة ليست العامل الوحيد الذي يتوجب أخذه بعين الاعتبار في دراستنا لأسباب حشد المقاتلين المسلحين في العراق وفي أماكن أخرى. لكن من الضروري إدراج عوامل أقلّ علمانية في تحليلنا للأمن الدولي، ويصبح بذلك العمل على التداعيات العملية لقرار الأمم المتحدة –وإرساء مبادئ توجيهية أكثر وضوحا− أولوية.


باحث بالمعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية "تشاتام هوام"

6