أوباما الإخواني

الاثنين 2014/01/20

حين قررت القوات المسلحة المصرية عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي استجابة للإرادة الشعبية التي جسدتها مسيرات 30 يونيو 2013 المليونية، كان الموقف الأميركي من ذلك التحول الفريد من نوعه مشوشا. لم تعلن إدارة الرئيس أوباما يومها أنها تقف ضد حق الشعب المصري في سحب غطاء الشرعية عن الحاكم في اللحظة العصيبة، غير أنها في الوقت نفسه لم تبارك ذلك المسار الديمقراطي بخطواته التي بدت متسارعة.

كانت هناك إشارات كثيرة قد كشفت عن استياء أوباما وإدارته مما جرى، في مقدمتها التهديد بإيقاف المعونة الأميركية لمصر. وحين واجه المصريون التهديد الأميركي بالسخرية والاستخفاف، بدت الإدارة الأميركية حائرة في اتخاذ الموقف المناسب.

لقد جرت محاولات أميركية وأوروبية لرأب الصدع كما قيل يومها بين جماعة الإخوان وبين العسكر، سرعان ما تم التراجع عنها وبدا الموقف الأوروبي ميالا إلى تكريس واقع الحال. وهو ما مهد لموقف أميركي مختلف، كان هو الآخر ميالا إلى الاعتراف بنهاية الحقبة الإخوانية في مصر. وإذا ما كانت جماعة الإخوان راهنت بقوة على التدخل الخارجي من أجل استعادة مُلكها الذي لا تزال تصفه بالشرعية، فإنها مع الوقت صارت تشعر بالمرارة لما انطوى عليه الموقف الأميركي من تخاذل وتخل نهائي.

وإذا ما عدنا إلى السنة اليتيمة التي حكم فيها الإخوان مصر، فلابد أن نلاحظ أن هناك الكثير من المعطيات التي كانت تشير إلى نوع خاص من العلاقة التي تربط الجماعة بالسياسة الأميركية، وبالأخص إذا تعلق الأمر بأمن إسرائيل واتفاقات كامب ديفيد. وهو ما يؤكده انتقال خطاب تلك الجماعة الإسلاموي من التمسك بتحرير القدس إلى رعاية اتفاق سلام بين حركة حماس التي هي صنيعتهم العقائدية وإسرائيل التي كانوا في أوقات سابقة يبشرون بفنائها.

الآن يتم الحديث عن اختراق إخواني لإدارة الرئيس أوباما، وهو اختراق كان قد جسده، حسب المطلعين، وجود بعض الشخصيات التي تحسب على التنظيم العالمي في بعض مفاصل اتخاذ القرار السياسي الأميركي، ومن تلك الشخصيات تُذكر هوما عابدين التي عملت قريبا من وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون.

ولكن هذا الأمر هو أكثر تعقيدا من أن يتم اختزاله في وجود هذا الشخص أو ذاك في مراكز صنع القرار الأميركي. ذلك لأن السياسة الأميركية في ما يتعلق بالشرق الأوسط كانت، ومنذ الخمسينات، قد اهتدت إلى ثوابتها التي لم تشهد أي نوع من الخلخلة. ولأن الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما قد أبدى عدم اكتراثه بما يحصل في الشرق الأوسط، فإنه لم يسع إلى إجراء أي نوع من التغيير في تلك الثوابت.

فمن أجل ضمان أمن إسرائيل الذي هو من وجهة نظر الولايات المتحدة ضمانة لقيام شرق أوسط يتجاوز مفهوم القومية العربية، كان لا بد أن يتم التخطيط لصعود تيارات إسلامية (معتدلة من وجهة النظر الأميركية) إلى الحكم في مختلف البلدان العربية، وبالأخص في بلدان الطوق التي تقف مصر في مقدمتها. كان صعود جماعة الإخوان إلى السلطة في مصر هدفا قديما تم الوصول إليه عن طريق انتخابات ديمقراطية نزيهة.

وكان ذلك الحدث موقع ارتياح أميركي. يومها بدا أوباما إخوانيا في حماسته لوجود جماعة اشتبك تاريخها بالإرهاب في الحكم.

كان من الواضح أن الرئيس الأميركي كان سعيدا في حل عقدة أساسية من عقد الصراع الشعبي العربي- الإسرائيلي. فها هي جماعة إسلاموية عرف عنها التشدد في مسألة وجود إسرائيل، تضع المشهد المصري الرافض للتطبيع مع الدولة العبرية تحت السيطرة. لقد بدا واضحا أن تلك الجماعة ستجر المجتمع المصري إلى مناطق خلافية لن يكون من بينها الموقف من إسرائيل. ألا يستحق ذلك التحول مباركة أميركية من نوع خاص؟

غير أن ما لم يكن يتوقعه أحد أن تتم الإطاحة بالإخوان بيسر كان بالنسبة إلى المراقبين نوعا من المعجزة. يومها لم يعد الولاء الإخواني مجديا. لقد قال الشعب، وهو مصدر كل السلطات حسب الأعراف الديمقراطية، كلمته الحاسمة. ولكن هل خذلت الإدارة الأميركية جماعة الإخوان، أم أن الجماعة خذلت تلك الإدارة بتسرعها في السعي إلى أخونة الدولة والمجتمع في مصر؟

لن تراجع جماعة الإخوان سلوكها وهي الذاهبة قدما في الإرهاب، بقدر ما ستلقي اللوم على أوباما الذي لم يكن إخوانيا بعمق. من جهتها فإن الإدارة الأميركية لن تغلق ملف الإخوان تماما. لأن أجهزة مخابراتها تعرف أن تلك الجماعة هي الحاضنة لكل إرهاب مستقبلي في بلاد لا يزال الجهل يسيّج عقول أهلها بالتعصب الديني.


* كاتب عراقي

8