أوباما.. الانشقاق الناعم

الأربعاء 2013/10/30

في 20 أغسطس 2012 أعلن باراك أوباما عن خطه الأحمر الذي حدده للنظام السوري وهدد بعواقب وخيمة جداً في حال تجاوزه. وبعد عام واحد وتحديدا في 21 أغسطس 2013 انتهك النظام السوري هذا الخط وأمطر الغوطة بالأسلحة الكيماوية ولم ير العالم تلك العواقب الوخيمة وإذا بالخط «الأوبامي» الأحمر عبارة عن استكمال لمسيرة الجعجعة بلا طحين التي بدأها أوباما مع بداية الثورة السورية. هذا العام بالذات الذي شهد سقوط اليد الأميركية الإخوانية في المنطقة وأدى إلى تخبط أميركي غير مسبوق شهد كذلك عمليات شد وجذب مع روسيا أدت في النهاية إلى أن سلم أوباما نفسه لبوتين ليوجهه كما يريد.

طيلة عمر الثورة السورية كان أوباما يرسل العديد من الرسائل المتناقضة للثوار ووعود بالدعم والتأرجح بين إقدام وإحجام فيتم تسريب أنباء عن إرسال سلاح يليها تسليح للنظام السوري بواسطة حلفائه في مقابل توقف أميركي عن مزيد من تسليح الثوار لتعديل ميزان القوى والاكتفاء بالتخويف ورسم الخطوط. ثم يأتي التراجع عن ضرب النظام السوري الذي قد يكون ما يبرره لديها إلا أن عدم التدخل أيضاً له نتائج سيئة أكبر، فالإدارة التي تعيش شبح تكرار سيناريو الرئيس بوش في العراق نتيجة معلومات استخبارية خاطئة، لم تستطع اتخاذ القرار المناسب، وحتى وضع قرار الحرب للتصويت لم يكن مؤشراً لحرب مخطط لها بل عملا يستهدف إما التخلص من تبعات القرار في حال اضطرت إليه الإدارة الأميركية، أو التقرب من الكونغرس وتخفيف حالة اللا تواصل معه وكأنما استغل المأساة الإنسانية في سوريا لإصلاح علاقته مع الكونغرس، كنوع من أنواع المتاجرة بالدم السوري.

منذ توليه السلطة لم يكن أوباما مستمعاً جيداً لرأي الجمهوريين ثم توسع قليلاً ولم يعد يستمع لرأي ومشورة الديمقراطيين أيضاً بمن فيهم أولئك الذين عينهم حتى شاع بين أعضاء حزبه أن دائرة مستشاري الرئيس ضاقت حتى وصلت إلى أربعة أشخاص منهم السيدة الأولى. دائرة صغيرة تفتقر إلى الخبرة وقادت الرئيس إلى حالة من التخبط في السياسة الخارجية والداخلية وقادت الدولة إلى حافة الإفلاس.

طيلة أربع سنوات ونصف يؤكد الرئيس الأميركي حالة الارتباك وعدم استيعاب مدى خطورة الوضع في سوريا على منطقة الشرق الأوسط برمته، كما ثبت ميوله دائماً إلى عقد الصفقات الثانوية على حساب الاستراتيجيات الكبرى ولذا جاء التهديد السعودي بالتحول عن الولايات المتحدة. تحولٌ إن حدث سيتحمل أوباما نتائجه التاريخية. السؤال الذي يطرح نفسه هنا ما الذي ستخسره الولايات المتحدة جراء هذا التحول.

التوقعات المبدئية تشير إلى خسائر مادية كبيرة تصل إلى مليارات الدولارات ستتعرض لها شركات الأسلحة الأميركية بالإضافة إلى خسارة آلاف من فرص العمل. كما أن توجه تلك المليارات لدولة كروسيا أو فرنسا مثلاً يعني توفير سيولة كافية لتصنيع أسلحة قد تتفوق على الأميركية ولهذا نتائجه السلبية جداً على تجارة السلاح الأميركي.كما يمكن للسعودية أن تعرض تخفيف درجة منافسة الغاز الروسي مما يعني مكاسب إضافية للروس دون أن يتأثر الاقتصاد السعودي. وعلى الجانب السياسي فيما إذا كان التحول باتجاه الدب الروسي، وهو المتوقع، فهو يعني تحالفاً يضم روسيا وسوريا ما بعد الأسد – إن اقتنع الدب الروسي بزوال الأسد – والسعودية ومصر والأردن للتخلص من التطرف السني الشيعي الذي تدعمه الولايات المتحدة وتزعم محاربته في منطقة شرق المتوسط من الأناضول وحتى مصر أو ما يعرف بسوريا التاريخية ومنطقة بلاد الرافدين التي تضم العراق وجنوب شرق تركيا وشمال شرق سوريا. وكذلك حركات التطرف جنوب غرب روسيا إضافة إلى شبح إيران النووية والتي تمثل أكبر تهديد فعلي وحقيقي يواجه روسيا ويجبرها على انتهاج سياسة خاصة تجاه إيران وفق المثل الإنكليزي keep friends close, enemies closer في حالة من الترقب الحذر.

لكن ما الذي يجعل روسيا لا تسعى إلى دعم واستغلال هذا التحول التاريخي بسرعة وملء الفراغ الأميركي؟

كنت قد أشرت في مقال سابق بأن إيران النووية خط أحمر جاد لدى الإدارة الأميركية لأن إسرائيل هي التي ستتعرض للخطر كما تتوهم. الدب الروسي الذي تشكل له إيران النووية الخطر الحقيقي يعلم جدية هذا الخط الأميركي الأحمر المبني على الوهم الإسرائيلي ولذا فهو أقل قلقاً من السعودية التي لا تثق في إسرائيل ولا في خطوط الرئيس الأميركي الحمراء. كما يمكنها التعامل مع المتطرفين في أجزاء من الأناضول عن طريق الأسد حال استمراره في السلطة، وفي أجزاء أخرى ستكون مشكلة تركية قبل أن تكون روسية، مما يعني أنها لن تخسر كثيراً خاصة وأن ضعف أوباما وطبيعته إضافة إلى ما يظهر على السطح من تراجع أميركي عن قضايا ومشكلات الشرق الأوسط. ولكنها ستسعى إلى استغلال هذا التحول حالما تلمس تحركاً سياسياً داخلياً من نوع ما ضد أوباما.

فما الذي يجعل الرئيس أوباما لا يضع هذا التهديد بالتحول السعودي في مكانه الصحيح كما ينادي بذلك الكثير من المسؤولين الأميركيين؟ وهل يستحق وفاءه بتعهده بإنهاء البرنامج النووي الإيراني سلمياً ضريبة هذا التحول ونتائجه؟

قد يكون الرئيس أوباما حقق نجاحات متتالية أوصلته إلى قمة الهرم ولكن اختبار الوصول ليس كاختبار تسيير دفة القيادة. وإذا كان أوباما قد أحاط نفسه بمجموعة تفتقر إلى الخبرة السياسية فليس أمام من يحاول فهم قرارات الرئيس التي تتعارض مع مصلحة الولايات المتحدة الآنية والمستقبلية إلا أن يعيد تلك القرارات إلى إستراتيجية عمل تسعى لتحقيق الفوضى بأي شكل ومهما كان الثمن، وسبق لنا استعراض هذه الإستراتيجية في المقالات السابقة. أو أن يعيدها إلى أسباب تصب في تكوينه الشخصي وكلاهما قابل للصحة. فالرئيس الذي يعتقد أن هاواي في آسيا والذي يقول نصاً «لقد زرت 57 ولاية وبقي واحدة» وأن «الحاجة ماسة إلى مترجمين للغة العربية في أفغانستان» أو اكتشافه المذهل حينما قال «بكل وضوح أن إسرائيل أفضل أصدقاء إسرائيل». يُذكرنا بمقولات شبه متطابقة من نوع «لما قعدت مع أهل بورسعيد حسيت إني عاوز أقعد مع أهل بورسعيد»و «عندما زرت دار الأيتام شعرت من داخلي أن والديهم متوفيين» و»ﺗﺤﻴﺎﺗي ﻟﻠﻤﺮﺃﺓ ﺑﺠﻤﻴﻊ أﻧﻮﺍﻋﻬﺎ».

وكأنما قدر العالم أن يقود بعض دوله في هذا العقد من القرن رؤساءُ جُل اهتمامهم حل معضلة «القرد لما يموت القرداتي يشتغل إيه». سبحانه، ما جمع إلا وفق.


كاتب سعودي

9