أوباما في ضيافة "الركاب بالمجان"

الأربعاء 2016/03/30

يشارك الرئيس الأميركي باراك أوباما في القمة الخليجية المزمع عقدها في الحادي والعشرين من شهر أبريل القادم، ربما تكون آخر زيارة له للمنطقة قبيل انتهاء فترته الرئاسية الثانية والأخيرة في العشرين من يناير 2017.

تُعقد هذه القمة، والعلاقة بين الجانبين، تمر بأزمة ثقة غير مسبوقة وخلاف شديد نسبيا على الأولويات كانت واضحة وصادمة في الوقت نفسه، في حديث الرئيس الأميركي أوباما لمجلة ذي أتلانتيك قبل بضعة أسابيع.

أزمة الثقة هذه، تحت وقع الخلافات والتباينات المريرة، حاضرة في العديد من الملفات الإقليمية والدولية من أبرزها: ملف داعش، فالولايات المتحدة تصر على إعطاء الأولوية لمحاربته، وإن لم يعد سرا القول إنّ الإدارة الأميركية ليست مستعجلة في القضاء على داعش، فاستمرار الأخير في إشاعة الفوضى والقتل في المنطقة، يخدم مصالح الأميركيين والروس معا في الهيمنة والسيطرة وتبادل الأدوار وإمساك زمام المبادرة في المنطقة العربية.

في حين ترى دول الخليج أنّ الأولوية والضرورة الأمنية والاستراتيجية في التَّصدي للمشروع الإيراني التوسعي في المنطقة. والمزعج والمحبط في الوقت نفسه ليس في عدم أخذ أوباما بالمخاوف المشروعة للخليج من النوايا الإيرانية التوسعية فحسب، وإنما في محاولته لتعويم طهران، بل ومطالبة دول الخليج، والسعودية تحديدا، بتقاسم نفوذ المنطقة معها. هكذا، ودون أن يشترط أو يضغط على إيران لجهة احترام قواعد الشرعية في المنطقة، واحترام مصالح جيرانها.

بشأن الملف السوري هناك عتب وقلق وغضب سعودي وخليجي من المواقف الأميركية المتضاربة حيال معالجته. بل وتماهي هذه المواقف أكثر مع الرؤية الروسية. ويبدو أنَّ التفاهمات الأميركية الروسية الأخيرة قد اقتربت أكثر من الرؤية الروسية، لجهة إبقاء بشار الأسد في السلطة، وإشراكه في الحل السياسي للأزمة السورية.

وفي هذا السياق لا يمكن النظر إلى الدعم الروسي الجوي والبري، الكثيف لجيش وميليشيات الأسد في معركة استعادة تدمر من تنظيم الدولة، إلا في إطار التماهي الأميركي الروسي، على الأقل في هذه المرحلة، لإعادة تأهيل وتسويق النظام السوري، إقليميا، كشريك في الحرب على الإرهاب.

ملف أزمة اليمن كذلك، الولايات المتحدة، لم تعمل بما فيه الكفاية للجم الحوثي وصالح، والضغط عليهما للانصياع للقرارات الأممية والمبادرة الخليجية! وفي أيدي أميركا الكثير من أوراق الضغط عليهما، ولكن من المؤسف أنَّها لم تفعل ذلك.

ربما ليس بوارد أن تتخلى الولايات المتحدة الأميركية بالمطلق عن مصالحها مع دول الخليج، وتعزيز العلاقات الأمنية والدفاعية معهم. ولكن من المؤكد تراجع الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط، والخليج وشمال أفريقيا في حسابات واشنطن، لجهة الشرق الأقصى والصين والمحيط الهادئ، وحتى أميركا الجنوبية.

وهذا تحول جيو-سياسي غير مسبوق في العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين والعرب. وإذا أخذنا ما عرف بمبدأ أو عقيدة أوباما، في الاعتبار فإنّ الخليج في نظر الأميركيين، أو على الأقل في نظر إدارة أوباما أضحى عبئا عليهم. والخليجيون كما أسماهم أوباما “ركاب بالمجان” لا يفعلون شيئا، ويريدون أن تقاتل أميركا عنهم. وبشكلٍ أكثر إثارة، ودهشة، يرى أوباما، أنّ التدخل الأميركي لمعالجة مشكلات الشرق الأوسط وصراعات دولها أكثر كلفة، واستنزافا للأميركيين من عدم التدخل. ويفتخر من ثمَّ بقراره الذي خذل فيه حلفاءه الخليجيين والعرب، وقبل ذلك الشعب السوري المظلوم، بعدم قصف وإنهاء نظام بشار الأسد بعد تجاوزه الخطوط الحمراء التي حددها أوباما نفسه، باستخدام الكيميائي صيف 2013.

إلى ذلك، يبدو أنَّ مقترح أشتون كارتر وزير الدفاع الأميركي بإنشاء مجلس خليجي أميركي لوزراء الدفاع، لتقوية دفاعات الخليج، وتعزيز العمل ضد تنظيم الدولة الإسلامية – محاولة أميركية لطمأنة دول الخليج، من وقع تصريحات أوباما، ومن مخاوفهم المشروعة من سياسات إيران السلبية في المنطقة. وبالمناسبة سوف يعقد أولى اجتماعاته عشية القمة الخليجية بمشاركة الرئيس الأميركي في الحادي والعشرين من أبريل القادم.

نأمل أن يدرك قادة الخليج والعرب أنّ الاستراتيجية الأميركية، تقوم أساسا على المحافظة على أمن إسرائيل، فهي الحليف الثابت لدى ساسة أميركا وجرى تطويرها، في المرحلة الراهنة، وربما القادمة، لإحداث توازن بين أمن إسرائيل والدور الإيراني في المنطقة، بما يلزم بالضرورة الاصطفاف خلف ما صار يُعرف بـ”مبدأ سلمان”، نسبة إلى الملك سلمان، لمواجهة المشروع الإيراني في المنطقة، الذي كاد أن يعصف باستقرار المنطقة، وحتى تهديد الأمن والسلم الدوليين، ولحماية الأمن القومي العربي، عبر تحالفات إقليمية ودولية خارج دائرة العم سام؛ وهو ما كان ضروريا لإحداث توازنٍ محوري في المنطقة.

وكانت أبرز مفاعيل هذا المبدأ الاستراتيجي السعودي غير المسبوق: التحالف العربي في عاصفة حزم اليمن، والتحالف الإسلامي العسكري، ومناورات رعد الشمال، وتصعيد المواجهة مع أذرع إيران في المنطقة، وفي مقدمة ذلك حزب الله. ومشروع القاعدة العسكرية البحرية السعودية في جيبوتي، وإرسال مقاتلات سعودية إلى تركيا والحديث عن عمليات نوعية خاصة سعودية داخل سوريا.

فوضى المنطقة، وسقوطها في مستنقع الاحتراب والتشرذم، والطائفية، والقاعدة، وداعش، هو الحصاد المر لبوش الابن وباراك أوباما. وعلينا ألا نعقد آمالا على زيارةٍ قادمة لرئيس أميركي لا يريد أن يفعل شيئا لحلفائه التقليديين في المنطقة.

كاتب سعودي

6