أوباما والاقتراب من "حماقات" بوش

السبت 2015/06/13

عاد الرئيس الأميركي باراك أوباما ليكرر بأن إدارته لا تملك “إستراتيجية” لمواجهة الدولة الإسلامية في العراق، والحقيقة أن إستراتيجية أوباما فشلت، لكنه يبدو مقيّدا إلى درجة لا يستطيع تجاوز أسباب فشلها، فيهرب إلى مقولة عدم وجودها.

انتخب أوباما من قبل الأميركيين باعتباره يمثل النقيض، لسياسات الرئيس السابق جورج بوش. نقيضا للغزو المستمر ومناصرا لتثبيت الاستقرار الداخلي، بدلا من استنزاف القوات الأميركية في حروب “حمقاء” كما وصفها أوباما في أكثر من مناسبة.

في الفترة الأولى لولاية أوباما، ساعده الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط على تطبيق عقيدته الجديدة، وقد نفذ خلال تلك السنوات عمليات سحب القوات الأميركية من العراق وأفغانستان كما وعد الناخبين، وكان لا يفوّت فرصة للإشادة بسياسته الجديدة، في مقابل كيل الاتهامات لسياسة سلفه.

بعد مرور عدة سنوات اندلعت الثورات العربية ودخلت سوريا وبعدها العراق في حالة صراع مدمر. وفي ظل تشبث الأنظمة السلطوية فيها بالحكم، واستخدام التحريض الطائفي ضد معارضيها، تنامت الحركات الجهادية وباتت سوريا والعراق مسرحا ضخما لتنظيم القاعدة بتفرعاته.

وضعت تلك التطورات أوباما أمام حقائق جديدة، وكانت تدفعه للعودة إلى سياسة سلفه جورج بوش حيث التدخل العسكري لضبط التدهور، ومن ثم مواجهة تنظيم القاعدة. لكن الرئيس الحذر بقي يكابر ويحاول إظهار التمايز عن سلفه، وهو ما جعله يقلل من خطر تنظيم داعش عندما ظهر في سوريا والعراق. إذ وصفه مطلع عام 2014 بأنه أشبه بـ”فريق جامعي لكرة السلة للناشئين”، واستبعد، حينها، أي خطر إستراتيجي يمكن أن يشكله التنظيم. بعد ذلك بشهر واحد سيطر داعش على مدينة الفلوجة، وبعد أربعة أشهر على مدينة الموصل.

اندفع أوباما لعمل عسكري “محدود” في العراق، ومن ثمة في سوريا، لكنه ظل يكرر أن “لا حلا عسكريا” للأزمة، في محاولة لتجنب تهمة الاقتراب من سلفه المتيّم بالحلول العسكرية. مع ذلك لم تبذل إدارة أوباما أي جهد للدفع باتجاه حل سياسي لا في سوريا ولا في العراق، حيث اندفع النظامين إلى ارتكاب أبشع عمليات القتل والتهجير على امتداد سنوات. اتبع أوباما سياسة التدخل المتواضع على الصعيدين العسكري والسياسي. على الصعيد الأول قصّر الأمر على ضربات عسكرية جوية، فضلا عن إرسال بضع مئات من المستشارين العسكريين. أما على الصعيد السياسي، فاقتصرت سياسته على دعوات، بلا فائدة، إلى الحكومة العراقية لكي تباشر الإصلاح السياسي.

ما حدث أن السلطة العراقية، مع تنامي دور إيران وتأسيس الميليشيات الطائفية، أغلقت جميع قنوات الإصلاح السياسي، بل اندفعت نحو مزيد من المجازر الطائفية وإحراق القرى السنية في منافسة مع داعش. وهو ما دفع بأعداد من العراقيين، المهددين بالقتل والسحل لا لشيء سوى لكونهم ينتمون لمناطق سنية، إلى أحضان داعش.

اليوم، وبعد عام ونصف على بداية “الحرب العالمية” على تنظيم الدولة، فإن الواقع يشير إلى نتيجة صفرية حصدها التحالف الدولي. أما داعش، فلا تزال تحتفظ بقوتها، بل نجحت في تمتين صلاتها بالمجتمعات المحلية. هنا عاد أوباما ليقول إن الولايات المتحدة لا تمتلك إستراتيجية لمواجهة التنظيم. لا تمثل حالة التخبط التي تظهرها أميركا في سياساتها الأخيرة في العراق غيابا للإستراتيجية، بقدر ما تمثل غيابا للإرادة، وهو نفس الاتهام الذي وجهته الإدارة الأميركية للقوات العراقية حين عابت عليها غياب الإرادة في قتال تنظيم داعش.

يبدو أوباما مقيّدا بالهيمنة الإيرانية على السلطة في العراق والتي تمنع إطلاق أي مسار سياسي يوازي المسار العسكري المتعثر. كما يبدو مقيّدا بوعود عدم إرسال قوات برية لتقاتل في العراق، فيما الحقيقة تقـول إن القـوات العـراقية التي تحارب الدولة الإسلامية، وفي مقدمتها الحشد الشعبي الطائفي، لا تستطيع هزيمتها. على العكس من ذلك كل ما فعلته تلك القوات هو أنها زادت من شعبيتها وحشدت عشرات الآلاف من الشباب المفقر الفاقد للأمل من حولها. ليست المشكلة في أن القوات العراقية تفتقد الإرادة، بل في كونها تعتبر عدوا مكينا للبيئات الاجتماعية التي تحاول غزو مناطقها، وهو ما يجعل تحقيق نصر في تلك المناطق بحكم المستحيل، ولا يمكن الحفاظ عليه إن تحقق.

على أن إرسال 450 جنديا إضافيا إلى العراق ستستوعبهم قاعدة أميركية في الأنبار، وحديث الجنرال الأميركي مارتن ديمبسي عن إمكانية تعميم تجربة تلك القاعدة على مدن عراقية جديدة، يشير إلى أن أميركا تتجه إلى نشر المزيد من القوات، وإن بقيت تسمّيها “مستشارين” لتجنب أن تبدو أنها تقترب من “حماقات” جورج بوش.

كاتب فلسطيني سوري

8