أوباما والمرشد والشيطان الأكبر

الجمعة 2014/11/28

منذ منتصف القرن الماضي والحلم النووي فكرة تراود القادة في إيران حيث شاركت الولايات المتحدة الأميركية والغرب في ذلك الوقت بإطلاق المشروع النووي الإيراني كجزء من برنامج “الذرة من أجل السلام” إلى حين قيام الثورة وسقوط الشاه في عام 1979 فقد أمر آية الله الخميني بحل الأبحاث السرية المتعلقة بهذا المشروع، باعتيار أن هذه الأسلحة محرمة بحكم الشرع الإسلامي.

ومع انتهاء الجولة العاشرة من التفاوض، التي امتدت إلى عشر سنوات، جابت بها معظم عواصم العالم، كيف يمكننا أن نفهم الاحتفال الإيراني بعدم فشل المفاوضات والإصرار الأميركي على “نوايا إيران الحسنة”.

خارج النقاط “التقنية” المهمة التي حققتها المفاوضات حتى الآن وتوقفها عند نقطتين خلافيتين، هما: حجم التخصيب والجدول الزمني لرفع العقوبات، فما هو إذا الجانب السياسي في الاتفاق، موضوع الخلاف الجوهري، والذي يعني دول المنطقة مباشرة، وفي مقدمتها دول الخليج التي تعاني من تدخلات الجارة المثيرة للمتاعب.

وهل كان من المفترض أن يتم التوقيع، وترفع العقوبات، وتعود الوفود إلى بلدانها للاحتفال “بصدق نوايا” إيران ويعود المال المفرج عنه للتدفق إلى أرصدة النظام السوري وحسابات حزب الله ودعم برامج الحرس الثوري في تصدير الثورة الإيرانية وزعزعة الاستقرار في المنطقة العربية.

النقاط “التقنية” التي حققها الغرب حتى الآن في مفاوضاته حول المخزون وعدد أجهزة التخصيب ومنشآت مفاعل “آراك” وغيرها من التفاصيل المهمة يجب أن تواكبها ضمانات سياسية ترتكز حول علاقة إيران المستقبلية مع دول المنطقة وفي مقدمتها دول الخليج وسوريا والعراق وهذا ما لم تبرز بوادره حتى الآن.

أما الأهم من ذلك، فعلى إيران أن تؤكد حسن نواياها أيضا تجاه دول العالم والمنطقة والتوقف عن طرح مشروعها التوسعي تحت شعارات مذهبية والانسحاب مع حلفائها من سوريا والتخلي عن نسف الاتفاقات بين السلطة الفلسطينية وقطاع غزة والتوقف عن إشعال الحرائق في مملكة البحرين. وسعيها المستمر إلى تصدير فكرها الإيديولوجي ومحاولاتها لخلق واقع ديموغرافي جديد يهدد أمن واستقرار دول المنطقة.

لقد بات واضحا أن إدارة الرئيس أوباما استعجلت إبرام الاتفاق وما تحقق حتى الآن كاف، في نظرها ربما، للبدء بترتيبات الاحتفال به وما كشف عنه من رسائل بين الرئيس الأميركي ومرشد الثورة قد يكون أقل بكثير مما ستكشفه الأشهر السبعة القادمة من عمر التمديد للمفاوضات.

والكلام عن عرقلة المملكة العربية السعودية ودول الخليج لإبرام الاتفاق هو كلام غير واقعي كون الإدارة الأميركية على مر الزمن ليست على استعداد للتخلي عن مصالحها من أجل الآخرين فهي دولة تجيد بل وتستمتع بإبرام الصفقات السرية على هامش صفقاتها المعلنة.

ولكنه من الواضح أن الوقت لم يحن حتى الآن لإعلان الصفقة بجوانبها السرية أو المعلنة فالمصالح الإسرائيلية المغيبة قد تعود إلى واجهة الحدث في الشرق الأوسط حيث تتسارع احتمالات الانفجار بين حزب الله وإسرائيل وحينها قد يصبح الوضع أكثر واقعية في فهم السري والمعلن في مستقبل إيران النووية.

سبعة أشهر قادمة، أقربها ديسمبر للانتهاء من المسائل التقنية في الملف النووي الإيراني حتى نهاية يونيو المقبل ولكنها ستكون شهورا قاسية على مستوى الجبهات في سوريا والعراق والوضع الداخلي في لبنان وسوف تكون الأقسى لإيران مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2016.

في ذلك الوقت سيتبدد الحلم الإيراني في أن تصبح “شرطي الخليج النووية” لأن ما حققته إدارة الرئيس أوباما من فشل في الكثير من الملفات وفي مقدمتها الملف السوري والإيراني والحرب ضد “داعش” سيجعل من الحزبين الديوقراطي والجمهوري في سباق محموم حول من سيحصد الأصوات المعادية لإيران.

لقد قدم الرئيس الأميركي الديموقراطي التنازلات الكثيرة من أجل إعطاء إيران المكاسب اللازمة في ملفها النووي ولكن سيطرة الجمهوريين على الكونغرس، أفقدت إيران الكثير من أحلامها في تأسيس علاقة ود مستقبلية مع الولايات المتحدة والتصديق على أي اتفاق معها في رفع العقوبات بشكل كامل لن يجد من يرفع يده بـ”نعم” حاسمة في قاعة الكونغرس حيث يسيطر على معظم مقاعده الحزب الجمهوري الذي لا يستسيغ فكرة النظام الإيراني وسياسته القمعية في الداخل أو الخارجية القائمة على مبدأ الاستعداء.


كاتب لبناني

5