أوباما يستنجد بـ"الحمامة" لمواجهة ابتزاز الجمهوريين

السبت 2013/10/12
يلين تركز على مسألة البطالة أكثر من التضخم

واشنطن- في خضم صراع الديوك المحتدم بين الفريقين، الجمهوري والديمقراطي، في الكونغرس الأميركي، حول إقرار الميزانية السنوية، برز اسم جانيت يلين، نائبة رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي، لتتولّى رئاسة البنك.

بعد ازدياد الضغط عليه لجأ أوباما إلى يلين، المعروفة بحنكتها الاقتصادية، علّها تنقذ الدولة الفيدرالية الأميركية من الشلل الذي أصابها بسبب أزمة الميزانية، والتي تعود جذورها بالأساس إلى الخلاف العميق بين الجمهوريين والديمقراطيين بسبب ملفات داخلية وخارجية، أهمها ملف الرعاية الصحية وملف الأزمة السورية.

كان العنصر النسائي حاضرا بقوّة في إدارة أوباما، وأيضا في إدارات سابقيه. وقد تربّعت ثلاث نساء على عرش وزارة الخارجية الأميركية، وأثرن الكثير من الجدل وهن: مدلين أولبرايت، أول وزيرة للخارجية الأميركية وقد اختارها لهذا المنصب الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، وكونداليزا رايس، وزيرة الخارجية في عهد جورج بوش.

وخلال الفترة الرئاسية الأولى لباراك أوباما اختار لشغل هذا المنصب هيلاري كلنتون، المرشّحة المحتملة لانتخابات الرئاسة القدامة.

هذه المرّة اسم نسائي جديد يطلّ برأسه، لكن ليس في مجال السياسة الخارجية، بل في مجال الاقتصاد.

وكما فعل أوباما في المحكمة العليا عندما عين فيها صونيا سوتومايور عام 2009 وايلينا كاغان عام 2010، في إطار دفاعه باستمرار عن رغبته في تعيين نساء في المراكز الإدارية العليا، جاء تعيين جانيت يلين لتكون، بعد أن تستلم المنصب رسميّا، أول امرأة أميركية ترأس أقوى وأهم بنك في الولايات المتّحدة الأميركية، وهو مجلس الاحتياط الاتحادي (البنك المركزي) الأميركي، خلفا لبن برنانكي الذي تنتهي ولايته في يناير – كانون الثاني المقبل.

واختيار رئيس جديد للمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ليس بالأمر الهين. فهذا المنصب يعتبر ثاني أقوى منصب رسمي في الولايات المتحدة، وثاني أقوى منصب مالي على مستوى العالم، كما هو معروف في أوساط المال والسياسة.

يضع ترشيح النائبة يلين حدا لبحث طويل عن الشخص المناسب لشغل أحد أهم المراكز الاقتصادية في أميركا والعالم، وكانت جانيت يلين (67 عاما) التي تشغل منصب نائب حاكم البنك المركزي منذ العام 2010، الأفضل حظا في السباق بعد تخلي لاري سوميرز عن المنصب وهو الرجل الثاني في البنك والمستشار الاقتصادي السابق للرئيس أوباما.

ويأتي تعيين جانيت يلين في ظرف اقتصادي حرج تمر به الولايات المتحدة مع عرقلة الميزانية في الكونغرس وشل قسم من الإدارات المركزية منذ الأول من أكتوبر- تشرين الأول وسقف الدين الأميركي الذي يجب أن يرتفع قبل 17 أكتوبر- تشرين الأول لتحاشي عدم الوفاء بالالتزامات

المنصب الذي تولته يلين يعتبر ثاني أقوى منصب رسمي أميركا

.


أسباب الاختيار


أوضح باراك أوباما أنه أخذ «العديد من العوامل» في الاعتبار عند القيام بهذا الخيار، بينها ضرورة انتهاج «سياسة نقدية سليمة للسيطرة على التضخم وأيضا تامين وظائف». وأضاف «وجدت هذه الصفات في جانيت يلين». ويلين، حسب أوباما، «أثبت أنها مسؤولة وهي تتصف بالصلابة، وهي مؤهلة تماما لهذا الدور».

وفي حال صادق مجلس الشيوخ على اختيارها، ستكون جانيت يلين أول ديموقراطية تترأس البنك المركزي منذ مغادرة بول فوكر العام 1987.

من جهتها، قالت يلين أن اختيارها لهذا المنصب «يشرفها»، داعية إلى بذل مزيد من الجهد «لتعزيز النهوض». وأضافت أن «الأعوام الستة الأخيرة كانت مضطربة بالنسبة إلى الاقتصاد وصعبة بالنسبة إلى كثير من الأميركيين»، في إشارة الى الفترة السابقة منذ بدء الانكماش بين العامين 2007 و2009.

وتابعت يلين «إذا توافقنا جميعا على القول إنه ينبغي بذل مزيد من الجهد لتعزيز النهوض (...) نكون قد أحرزنا تقدما».

وحثّ الرئيس الأميركي مجلس الشيوخ، حيث لخصومه الجمهوريين أقلية تتيح الحؤول دون تعيين يلين، على المصادقة على هذا الخيار «في أسرع وقت».


دعم يلين


تعتبر يلين من «الحمائم» في الاحتياطي الفدرالي وتركز على مسألة البطالة أكثر من التضخم. وقد ساندت على الدوام النهج النقدي الذي اعتمده بن برنانكي وتمثل استمرارية لهذه السياسة. من المنتظر أن تواجه مهمة خفض ضخ السيولة التي يقوم بها الاحتياطي الفدرالي لا سيما شراء سندات خزينة وأسهم بقيمة 85 مليار دولار شهريا.

وفي أوج منافستها مع لاري سامرز في الحملة لهذا المنصب الذي وصفه أوباما بأنه «المسؤول السياسي بين الأهم في العالم»، انحازت مجموعة من ثلاثين سناتورا ديمقراطيا إلى جانب يلين في رسالة إلى الرئيس تدعم فيها ترشيحها.

وبالمثل وقّع 240 خبيرا اقتصاديا، بينهم الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد جوزف ستيغليتز، والمستشارتان الاقتصاديتان لإدارة كلينتون، اليس ريفلين وكريستينا رومر، على رسالة مفتوحة موجهة إلى أوباما يقدمون فيها دعمهم ليلين.

ورحب رئيس اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ الديمقراطي تيم جونسون بقرار البيت الأبيض. وقال «أرحب بخيار الرئيس أوباما الذي سمى الدكتورة يلين لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة الاحتياطي الفدرالي» مشيدا «بخبرتها التي لا مثيل لها». ووعد جونسون بـ»العمل مع أعضاء اللجنة للمصادقة على تعيينها في أسرع وقت».


سيدة المهمة الصعبة


السيرة الذاتية لجانيت يلين، وهي المرشحة لتكون أول سيدة تشغل منصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي، تظهر أنها على دراية تامة بالمهام الصعبة التي تنتظرها. ومعروف عنها أنها خبيرة اقتصادية تحظى بالاحترام ومقربة من النخبة الاقتصادية التقدمية وأمضت قسما كبيرا من مسيرتها المهنية في البنك المركزي.

وتحسب يلين على الديمقراطيين، وقد أمضت أكثر من 12 سنة في صلب السياسة النقدية الأميركية. وغرامها بالاقتصاد دفعها إلى الزواج بالخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل جورج اكيرلوف.

وقالت يلين، إبنة الطبيب المولودة في بروكين عن ولعها بالاقتصاد، في مقابلة عام 1995، إن الموضوع الاقتصادي حاضر على الدوام في المنزل «حيث تسمعون الحديث عن الاقتصاد في كل الأوقات».

عبر مسيرتها المهنية تقدمت يلين، خريجة جامعة هارفرد، بشكل منهجي في هيكلية الاحتياطي الفدرالي الذي انظمّت إلى طاقم موظّفيه عام 1977 ضمن مجموعة باحثين اقتصاديين يقدمون تحاليل وإحصاءات للهيئة الإدارية للبنك المركزي.

وتحمل يلين دكتوراه في الاقتصاد وتدربت في جامعة يال (شرق) عام 1971 تحت إشراف جيمس توبين الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد عام 1981 والمعروف بفكرته حول الضريبة على التعاملات الدولية. وفي العام 1980 عادت يلين إلى التعليم في جامعة كاليفورنيا (غرب) في بيركلي إلى أن اختارها الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون لكي تكون أحد أعضاء مجلس إدارة الاحتياطي سنة 1994.

وقد صوتت في بعض المواقف في مجلس الإدارة ضد قرارات الرئيس النافذ السابق للاحتياطي آلان غرينسبان. وفي 1997 طلب منها الرئيس كلينتون تولي رئاسة دائرة المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض وظلت في ذلك المنصب حتى عام 1999.

وفي العام 2004 عادت يلين إلى البنك الاحتياطي الفدرالي حيث ترأست حتى العام 2010 الفرع الإقليمي في سان فرانسيسكو (كاليفورنيا).

وكان لجانيت يلين خلال مسيرتها الحافلة زلاّت، حسب ما يقول المختصون، حيث ينتقدها البعض لأنها لم تتمكن من إطلاق التحذير حول فقاعة العقارات في منطقة تغطي كاليفورنيا ونيفادا وأريزونا، وهي الولايات التي أصبحت في صلب كارثة القروض غير القابلة للسداد.

وقد أقرت لاحقا أمام لجنة أنشأتها السلطات لفهم تفاصيل الأزمة المالية في 2008 بأنه لم يكن «هناك إدراك كامل للخلل في نظام تحويل الديون إلى أسهم والطريقة التي سيؤثر فيها هذا الأمر على كل النظام المالي». وفي صيف 2009 ذكر اسمها للمرة الأولى لتحل محل بن برنانكي الذي عين على رأس الاحتياطي الفدرالي في 2006 من قبل جورج بوش، وجدد له الرئيس باراك أوباما لولاية ثانية في العام 2010.

وفي السنة نفسها تولت جانيت يلين منصب نائبة رئيس مجلس إدارة البنك المركزي لمدة أربع سنوات. وفي هذا المنصب أصبحت أحد أفضل حلفاء بن برنانكي ودعمت سياسته الاستثنائية باعتماد ليونة نقدية. وقالت «خفض البطالة يجب أن يكون محور العمل».

ويعود إلى الرئيس أوباما تعيين رئيس للاحتياطي الفيدرالي، قبل تثبيته في منصبه من قبل الكونغرس.

وأكد أوباما أنه سيتخذ قراره في هذا الشأن في الخريف. ويبدو أن الرئيس الأميركي، الواقع في مأزق الميزانية، نجح في أن يبعث بعضا من الأمل في الأسواق المضطربة بإعلانه ترشيح جانيت يلين لرئاسة البنك المركزي الأميركي، في هذا الوقت بالذات.

وقد تجلّى ذلك بالخصوص من خلال ارتفاع مؤشر نيكي للأسهم اليابانية بعد أن سجل أدنى مستوى في خمسة أسابيع. وبددت الأنباء بعض عدم التيقن في السوق ودعمت الإقبال على المخاطرة وهو ما أضعف الين مقابل الدولار.

وقال المتعاملون إن ذلك أوقد شرارة عمليات شراء في العقود الآجلة وتصيد صفقات في أسهم المصدرين التي كانت منخفضة في أوائل المعاملات.

12