أوبرا دمشق تعيد الحياة إلى آلة موسيقية منسية

عازفان سوريان يقيمان حوارا موسيقيا بين العود الشرقي واللوت الغربي.
الثلاثاء 2021/02/16
لقاء موسيقي عابر للأوطان والأزمنة

لا تقف مسيرة الفن عبر الزمن، وهي في تحرّك دائم، فعندما أدخل العرب آلة العود إلى الأندلس ومنها إلى أوروبا، لم يكن في تصوّرهم أن هذا التمازج الفني سيظهر بعد مئات الأعوام في حوار بين آلتي العود واللوت، كالذي حصل مؤخرا في أوبرا دمشق.

دمشق - في فضاء إبداعي موسيقي نادر، كان الحوار بين الجد والحفيد في العزف الموسيقي من خلال حفل ضم آلتي العود الشرقية واللوت الأوروبية، قدّمت فيه مجموعة من الألحان المنفردة والأوركسترالية بتناغم أحيا في النفوس جدل تلاقي واختلاف الحضارات بما تقدّمه من آثار فنية وإبداعية.

أقيم الحفل منذ أيام ضمن أنشطة دار الأسد للثقافة والفنون (أوبرا دمشق) وقدّمته الفرقة السيمفونية الوطنية السورية بقيادة المايسترو ميساك باغبودريان وبمشاركة العازفين كنان أدناوي على العود ويزن الجاجة على آلة اللوت.

عزفت الفرقة خلال الحفل مجموعة من المؤلفات الموسيقية التراثية التي كانت سائدة في أوروبا، خاصة في المناطق الإيطالية من خلال أعمال الموسيقي الإيطالي ريسبيغي الذي قام بتدوين الأعمال الموسيقية القديمة التي لا يُعرف مؤلفوها غالبا، والتي كاد يطويها النسيان، حيث قدّمتها الفرقة السيمفونية السورية في توزيع أوركسترالي متكامل.

لقاء الجد بالحفيد

عدد أوتار اللوت ستة، ويمكن زيادتها في الطبقات المنخفضة لتصل إلى عشرة، ويعزف عليها بالأنامل وليس بالريشة كما في العود
عدد أوتار اللوت ستة، ويمكن زيادتها في الطبقات المنخفضة لتصل إلى عشرة، ويعزف عليها بالأنامل وليس بالريشة كما في العود

خصّص القسم الأول من الحفل للوتريات، والذي ضمّ مجموعة من الرقصات وأغاني البلاط للمؤلف باتيست بيزار ومقطوعة ثانية بعنوان “سيسيليانا وباسكاليا”. بينما خصّص القسم الثاني للأوركسترا الكاملة بمشاركة العازف كنان أدناوي الذي قدّم عملا من مؤلفاته.

ومن خلال الحفل تم التركيز على الفوارق بين شكلي العزف وأسلوبيه على كل من آلتي العود واللوت، وهذه الأخيرة آلة لا يعرفها الجمهور الشرقي والعربي عموما، لكنها كانت مزدهرة في أوروبا في العصور الوسيطة.

كنان أدناوي المعروف بأنه أحد أصحاب المشاريع في العزف على آلة العود قدّم بمصاحبة الأوركسترا معزوفة “فانتازيا” التي سبق أن عزفها في العديد من المحافل الموسيقية العالمية والعربية باسم “كابريس”، وقدّمت أولا عام 2004 وتاليا في 2008، والتي تمّ توزيعها أوركستراليا فأتت مقسمة إلى ثلاث حركات. وظهرت فيها اللغة التقنية العالية التي يعمل عليها أدناوي في توليف صياغات موسيقية تمزج العربي بأسلوب العزف الغربي المتطوّر. كذلك قدّم يزن الجاجة عازف آلة اللوت مجموعة من المعزوفات المنفردة التي أدّتها بعده الفرقة الموسيقية بأسلوب أوركسترالي موسّع.

وعن الحفل قال ميساك باغبودريان قائد الفرقة السيمفونية الوطنية السورية إنه يحمل روحا جديدة، وإن آلة اللوت التي هي مختلفة عن آلة العود العربية تقدّم روحا جديدة في الموسيقى السيمفونية، وهي تمتلك خصائص تتفرّد بها عن أسلوب العزف الأوركسترالي. فهي من حيث الدوزان تختلف جذريا عن العود الشرقي، حيث تتمتّع بصيغة متمايزة بمقدار نصف تون.

وأوضح أن لهذه الآلة تاريخا غنيا في الموسيقى الأوروبية، حيث ألّفت لها الكثير من المقطوعات الموسيقية والرقصات، لكن عدم مسايرتها للتطوّر التقني للآلات الموسيقية جعلها تتأخّر تقنيا إلى أن اندثرت تماما وصارت مرتبطة بتراث المنطقة الأوروبية وموسيقاها.

صلة وصل بين عالمين

يزن الجاجة عازف اللوت الوحيد في الوطن العربي
يزن الجاجة عازف اللوت الوحيد في الوطن العربي

كنان أدناوي عبّر عن سعادته بالمشاركة في العرض الذي مكّنه من إبراز مشروعه العزفي على آلة العود للجمهور السوري، وهو الذي سبق وأن قدّمه موزّعا في العديد من الحفلات الموسيقية العالمية، موضحا أن مؤلفه الجديد “فانتازيا” يحمل الكثير من التنويعات والسرعات وتظهر فيه أساليب متقدّمة في تقنية العزف على آلة العود.

وبدوره استعرض يزن الجاجة معزوفات منفردة لمجموعة من الأعمال التراثية الأوروبية، فقدّم رقصات ومعزوفات هادئة رصينة حملت مزاجا موسيقيا عميقا، تميّزت برهافة الأداء والثقة في العزف، رغم كونه العازف الوحيد على الآلة الأوروبية في سوريا والعالم العربي.

وأعرب الجاجة في لقائه بـ”العرب” عن سعادته بتعريف الجمهور السوري على هذه الآلة التي لم تعد موجودة الآن، إلّا في تظاهرات عالمية نادرة، مؤكّدا على أن الفرقة السيمفونية الوطنية السورية ستكون صلة الوصل بين آلتي العود واللوت لتقديمهما إلى الجمهور الموسيقي بشكل جديد ولافت.

واللوت هي آلة موسيقية أوروبية عرفها الأوروبيون من خلال وجود آلة العود في الأندلس التي أدخلها إليهم العرب مع العديد من التطويرات الهامة في الموسيقى، وخاصة مع جهود الموسيقي علي بن نافع الشهير بزرياب، ثم تطوّرت وأجرى عليها الأوروبيون عدة تعديلات وصلت بها إلى آفاق بعيدة وتسيّدت لفترة طويلة الموسيقى الشعبية، ولاحقا داخل البلاط في العديد من الإمارات الأوروبية وصار لها مؤلفون مشهورون وجمهور يتابعها باهتمام.

وخصّها بعض المؤلفين بمقطوعات لها، ولم يتردّدوا في منحها أعمالا منفردة أو مرافقة مع الأوركسترا، بعد أن عدّلوا فيها وأدخلوا عليها الدساتين التي تتحكّم في الصوت والنغمات، والتي تكون في الغالب متحرّكة وليست ثابتة كما هو الحال مع القيثارة، ومن أهم المؤلفين الموسيقيين الذين ألفوا لها هاندل وباخ.

ويبلغ عدد أوتار اللوت ستة ويمكن زيادتها في الطبقات المنخفضة لتصبح ثمانية أو عشرة ويعزف على اللوت بالأنامل وليس بالريشة كما في العود. وتغطي الآلة حوالي أوكتافين ونصف موسيقيا وتستعمل في الموسيقى العربية والفارسية والإسبانية وموسيقى شمال أفريقيا وبعض مناطق أوروبا.

16