"أوبرا دمشق" صرح ثقافي تحول إلى منصة للابتذال

محاطة بمبنى الإذاعة والتلفزيون من جهة، وبناء معرض دمشق الدولي (القديم) الذي غدا مركزا لقناة “سما” الفضائية من جهة، وتواجه مبنى هيئة الأركان، تتربع دار الأوبرا في ساحة الأمويين بدمشق، يحيطها طوق أمني مشدد يعامل الداخل إليها اليوم معاملة من يدخل إلى مؤسسة أمنية لشدة الحراسة على أبوابها.
الأربعاء 2015/08/05
الدار تعيش حالة فصام ثقافي

“أقفل المعلم إلى أجل غير مسمى”، هذا ما يراودك إذا ما نظرت إلى كل تلك الحشود العسكرية التي تحيط بدار الأوبرا في ساحة الأمويين بدمشق، لكن الدار تعمل على قدم وساق، لا سيما وأن استمرار الدوام في المعهد العالي للفنون المسرحية الملاصق للدار، حيث يدخل الطلاب من باب الأوبرا بعد أن أُغلق باب المعهد بمتاريس لـ”دواع أمنية”.

تحت شعارها البالي “سوريا بخير” تدّعي وسائل إعلام النظام أن دار الأوبرا تحفل بحركة ثقافية (عروض مسرحية، أمسية موسيقية، أفلام سينمائية..) على مدار العام بالرغم من “الظروف الاستثنائية التي تمرّ بها سوريا”. لكن هل هذا فعلا ما يحصل في دار الأوبرا؟ وهل الحركة الثقافية على أحسن ما يرام؟!

حريّ بدار للأوبرا أن تكون مجهزة بأفضل التقنيات المسرحية الحديثة، وتحتوي على ثلاث صالات (صالة رئيسية، الدراما، قاعة متعددة الاستعمالات)، حريّ بها أن تقدم فنا راقيا، أو على أقل تقدير جديّا ومحترفا، لكن ما يقدم على خشبات مسرح الأوبرا اليوم ما هو إلاّ حفلات موسيقية تخص الطبقة الأرستقراطية في المجتمع الدمشقي، أو ما تبقى منها.

وغير ذلك فقد تحوّلت خشبات المسارح المصممة لأشكال مسرحية راقية إلى منصات يعتليها مطربون شعبويون يهللون للقائد والحزب، حيث استحالت خشبة الصالة الرئيسية في دار الأوبرا منذ فترة وجيزة، إلى منصة لمطربين صاعدين ما أنزل الله بهم من سلطان، كل ما يمتلكونه أغان “تشبيحية” وبزة عسكرية يصعدون بها إلى خشبة حملت ممثلي مسرح عالميين وسوريين على درجة عالية من الحرفية.

وتجدر الإشارة إلى أن مثل هذه الحفلات لم تكن طارئة على الدار في الآونة الأخيرة، بل قدم من هذا النوع المبتذل ما يفوق خمس حفلات منذ بداية العام.

في الوقت الذي تستقبل فيه الدار هذا النوع من الحفلات المسفّة، تغلق أبوابها في وجه المسرح الجاد الذي ينأى بنفسه عن التهليل للنظام القائم، ففي السنوات الثلاث الأخيرة لم يتجاوز عدد العروض المسرحية المحترفة التي قدمت في الدار عدد أصابع اليد الواحدة، يضاف إلى ذلك حرمان طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية من الدخول إلى مبنى الدار والاستفادة من تقنياتها الحديثة دونما سبب واضح.

لم يتوقف انهيار دار الأوبرا عند ماهية ما تقدمه فحسب، بل تعداه إلى النظام الذي فرضته الإدارة الجديدة، فمع بداية العام الجديد فرضت إدارة الدار “برتوكولا” للدخول إلى حرم الدار، مفاده أنه يجب على السيدات ارتداء “سواريه” والرجال ارتداء “لباس رسمي مع ربطة عنق حصرا”. ويمنع من لا يلتزم بهذا البرتوكول من الدخول إلى الدار. إن دل هذا البروتوكول على شيء، دل على حالة الفصام التي تصيب المؤسسات الحكومية عامة في سوريا، فكيف لمن يودّ أن يشاهد “حفلة شعبية” يتراقص فيها المغني على الخشبة أن يرتدي بدلة رسمية وربطة عنق؟

هذه هي الحركة الثقافية التي يدّعي النظام أنها قائمة على قدم وساق في دار الأوبرا، هي مزيج من أمسيات موسيقية لا يشاهدها إلى القلة القليلة، وحفلات شعبوية، وبروتوكولات وهمية تساعد في تزييف حقيقة وضع الدار الذي تحوّلت من دار للثقافة والفنون إلى صالة للمناسبات والحفلات المبتذلة.

16