أوبرا وينفري إعلامية لبست الأكياس في طفولتها البائسة تواجه الترمبية

الثلاثاء 2018/01/23
أوبرا وينفري ظاهرة كسرت جميع محرمات العصر تقرع باب البيت الأبيض

“كلما صعدت إلى حافلة تلك المدرسة مع زملائي السود، الذين كان آباؤهم يعملون خدما في منازل زملائهم بالصفّ، كان الفقر يفرك وجهي”. هذه كلماتها. تلك المرأة التي غرّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تويتر مؤكدا أنه سيفوز عليها في سباق الرئاسة عام 2020، رافضا الحديث عن ترشيحها المحتمل لهذا الاستحقاق. لكنه لم يتمالك نفسه فقال “سوف يجلب ترشح أوبرا الكثير من المرح”.

استطلاعات الرأي الأميركية لم توفر الفرصة. فقد أعنلت أن الإعلامية والممثلة الأميركية أوبرا وينفري تقدمت خلال الأيام الماضية على الرئيس ترامب بنسبة 10 نقاط، وفقا لمؤسسة “راسموسن”.

عندما بدأت بكتابة هذا المقال، اكتشفت أننا في العالم العربي لا نعرف الكثير عن مقدمة البرامج السوداء المشهورة هذه. أول ما تذكرته من صورها، حوارها مع مغني البوب الأسطوري الراحل مايكل جاكسون. ذلك اللقاء الذي جاء رابعا في قائمة المواد الأكثر مشاهدة في تاريخ التلفزيون الأميركي، إذ بلغ عدد مشاهديه 36.5 مليون مشاهد عام 1993.

اليوم وبعد هذه السنين التي عرفناها خلالها كمقدمة وممثلة، تقرع أوبرا باب السياسة بقوة، لتكشف عن رغبتها في الترشح لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي جعلني أفكر مرتين قبل كتابة أي شيء عنها، مرة عن أوبرا الإعلامية، ومرة عن أوبرا السياسية، ولأجل ذلك قضيت وقتا وأنا أقرأ عنها وأشاهد العشرات من حلقات برامجها على اليوتيوب، لأكتشف تفاصيل مذهلة عما عايشته، وما ستعايشه وفق ما رسمته لمستقبلها.

أقنعة الرئيس وعالم السياسة

في مطلع العام الجديد، فجرت وينفري مفاجأة كان صداها مدويا، حين كشفت عن رغبتها في الترشح للرئاسة لمواجهة ترامب في الانتخابات الرئاسية القادمة. الأمر الذي أثار ضجة في الأوساط السياسية والاجتماعية حول العالم، وتناولت الصحف العالمية الكبرى الموضوع من زوايا مختلفة، فعبرت نيويورك تايمز في أحد مقالاتها عمّا تراه فوضى سياسية “إن فكرة ترشح أوبرا وينفري لرئاسة الولايات المتحدة تؤكد مدى الفساد الذي سببته الترمبية لحياتنا المدنية”. وعنونت صحيفة وول ستريت “هل ستتمكن أوبرا وينفري من الإطاحة بترامب؟”.

فهل يعتبر دخول وينفري هذا التحدي، استسهالا لفكرة قيادة الولايات المتحدة، لكونها امرأة سوداء قادمة من خلفية إعلامية، فلا هي من الأوساط الاقتصادية الكبرى، ولا من جنرالات العسكر، ولا من أروقة السياسة؟

أكثر أنصار وينفري هم من الناخبين السود، إلا أنه حتى بين تلك المجموعة الديموغرافية، هناك 44 بالمئة، أي أقل من النصف، ممن يعتقدون أن عليها دخول المنافسة المقبلة

أما شخصية الرئيس الأميركي فقد شهدت على مرّ السنين، تحولات كثيرة ومثيرة. فوصل إلى البيت الأبيض الممثل، والأسود، والجنرال، ورجل الأعمال، والسياسي والمفكر. إلا أن امرأة لم تخطُ، حتى الآن، داخل المكتب البيضاوي لتجلس وراء طاولته، بعد فشل محاولة هيلاري كلينتون، والردود السلبية جدا التي سمعناها من بعض السياسيين وترامب نفسه، عن تولّي امرأة مسؤولية البلاد. فهل يكون للمرأة السوداء والإعلامية دور، لتضيف تحولا جديدا لشخصية الرئيس الأميركي وللمرة الأولى؟

ومنذ أن بدأ خطاب وينفري “الرئاسي” في حفل توزيع جوائز الغولدن غلوب، بدأ إطلاق التكهنات الرئاسية، وجرت استطلاعات عديدة للرأي حول المسألة. فالكثير من المصوتين لا يعتقدون أن وينفري يجب أن تتولى البيت الأبيض، حتى من بين الناخبين الديمقراطيين، ومنهم من يقول إنه لا يحق لها الترشح للرئاسة أكثر مما ينبغي. ما يعني أن على وينفري أن لا تذهب في حديثها عن الترشح بعيدا، وتكتفي بهذا القدر من الكلام لا الفعل.

حسب الاستطلاعات التي قامت بها “بوليتيكو كونسلت” فإن الناخبين الديمقراطيين يفضلون وينفري من بين مجموعة المرشحين المحتملين الآخرين، باستثناء من عرفوهم مسبقا، ويقصدون نائب الرئيس السابق جو بايدن، والمرشح السابق السيناتور بيرني ساندرز. لكن هناك أدلة كافية لمواصلة إثارة التكهنات حول آفاق وينفري السياسية، فهي تحصل دوما على نتائج طيبة في اختبارات الاقتراع.

لقد كشف ذلك الاستطلاع أن أكثر أنصار وينفري هم من الناخبين السود، إلا أنه حتى بين تلك المجموعة الديموغرافية، هناك 44 بالمئة، أي أقل من النصف، ممن يعتقدون أن عليها دخول المنافسة المقبلة.

كما بين الاستطلاع أنه إذا كانت وينفري تقود المنافسة كديمقراطية، فإنها ستواجه معارضة شديدة من نائب الرئيس السابق بايدن، الذي سيحصل على 54 بالمئة من نسبة الأصوات، أي بتفوق على وينفري نسبته 31 بالمئة.

أما ساندرز فسيحصل على نسبة 46 مقابل 37 بالمئة من الأصوات. ومع ذلك تولت وينفري المبادرة في مباراة افتراضية مع عضوات مجلس الشيوخ من الحزب الديمقراطي، مثل إليزابيث وارن من ماساتشوستس، و كيرستن جيليبراند من نيويورك. ومن الملاحظ أن هناك مرشحات محتملات أخريات، ما يزيد من فرصة دخول المرأة إلى البيت الأبيض، ومن تقبّل فكرة رئاسة المرأة لدى الجمهور الأميركي بزيادة عدد المرشحات.

صورة من زمن الشباب لترامب ووينفري. أما اليوم فتظهر استطلاعات الرأي أن الناخبين الديمقراطيين يفضلون وينفري، ويعتقد كثير منهم أنها ستهزم ترامب بنسبة 40 مقابل 38 بالمئة

بعض الناخبين يعتقدون أن وينفري ستهزم ترامب في المنافسة بنسبه 40 مقابل 38 بالمئة، ومع ذلك فإن الأمر سيقود إلى مرشّح جمهوري بنسبة 32 بالمئة، الأمر الذي يقع ضمن هامش من الخطأ بنسبة 2 بالمئة.

أوبرا تهزم الطفولة الشاحبة

سميت وينفري عند ولادتها “أورباه”، تيمنا بالرقم التوراتي من “كتاب الأسفار”، الوارد بالشعب الثالث من التورات، أو كما يسمّى باللاتينية “بوكي أوف ذا روث”، حسب النطق الأشكنازي، لكن النطق الخاطئ لاسمها جعله “أوبراه”. وهو الاسم الأكثر تداولا وشعبية.

ولدت وينفري في 29 يناير 1954 في مدينة كوسيسكو بولاية ميسيسيبي، لأم مراهقة هي فيرنيتا لي التي كانت تعمل كخادمة في المنازل. بعد ولادتها انتقلت والدتها إلى الشمال، لتقضي سنواتها الست الأولى عند جدتها، ولتعيش في فقر مدقع، حيث كانت الطفلة ترتدي ثيابا مخيطة من أكياس البطاطا، ما جعلها محل سخرية من أقرانها في الحي.

أما جدتها فقد كانت لا تتردد في ضربها إذا قصرت في القيام بأعمال المنزل، ومع ذلك فقد علمتها القراءة في عمر الثالثة، وكانت تصطحبها للكنيسة، وهناك لقبت بـ”الواعظة” لإجادتها ترتيل آيات الإنجيل. ونتيجة لسوء الأوضاع، قامت الأم بإرسال ابنتها لتعيش مع والدها في ناشفيل – تينيسي، وهناك سيحالفها الحظ في الوقت المناسب.

التحرش عدو الأمس واليوم

ظهرت أوبرا علـى مسرح الغولدن غلوب لتهاجم المتحرشين جنسيا، ولكنها قبل ذلك بأعوام بعيدة، وفي سن التاسعة، كانت قد بدأت تعيش مأساتها الخاصة، حين أخذت تتعرض للتحرش الجنسي من قبل بعض أقاربها، الأمر الذي اعترفت به عام 1986 في إحدى حلقات برنامجها، فكاشفت بالقول “أنا لن يقدّر لي أن أكون أما، لأني لم أحظ بأمومة جيدة في طفولتي”.

فرّت المراهقة من ذلك المنزل بعد معاناة طويلة مع التحرش، لتصبح حاملا في سن الرابعة عشرة، بجنين ولد قبل أوانه فمات سريعا بعد الولادة. ورغم كل تلك الأوضاع، فقد حققت وينفري التي كانت مميزة في مدرستها، نجاحا في برنامج “أب وورد بوند” المدرسي، والذي انتقلت بسببه إلى ثانوية ضاحية “نيكوليت” الثرية، الأمر الذي ذكرته بحرقة لاحقا.

خطاب وينفري "الرئاسي" في حفل توزيع جوائز الغولدن غلوب، تسبب بحملة من التكهنات الرئاسية، وجرت استطلاعات عديدة للرأي حول المسألة. فالكثير من المصوتين لا يعتقدون أن وينفري يجب أن تتولى الرئاسة، ومنهم من يقول إنه لا يحق لها الترشح للرئاسة أكثر مما ينبغي

ولم تلبث أن غدت من طلاب الشرف في مدرستها، فحصلت على لقب “الفتاة الأكثر شعبية”، وانضمت إلى فريق الخطابة المدرسي، ما مهد لها الحصول على منحة دراسية مدفوعة التكاليف في جامعة الولاية، لتدرس الإعلام. جذب حصولها على جائزة الخطابة حينها انتباه إذاعة “دبليو في أو إل” المحلية الخاصة بالأفارقة، فوظفتها في تقديم الأخبار، بعد أن كانت تعمل في متجر للبقالة. وسرعان ما حصلت في سن السابعة عشرة على لقب ملكة جمال الأفارقة الأميركيين في ولاية تينيسي.

كانت وينفري أول مذيعة سوداء البشرة، والأصغر سنا كذلك عام 1976، ولهذا صارت تتصدر نشرات الأخبار في محطة بالتيمور، قبل أن تنضم إلى ريتشارد شير وتشاركه تقديم برنامج “الناس يتحدثون” عام 1978.

انتقالها إلى مدينة شيكاغو، مهد لقفزتها الكبرى، لتكون مقدمة برنامج “صباح شيكاغو” على محطة “دبليو إل سي” الذي كان برنامجا متدني التقييم، إلى أن تولته وينفري ليصبح بعد أشهر قليلة، البرنامج الأول في شيكاغو.

دخل الناقد السينمائي روجر إيبرت حياتها المهنية بعد أن توقع لبرنامجها أن يفوق بإيراداته صناعة الأفلام، فعمل على صفقة مع شركة الإنتاج العالمية “وورلد كينغ”، التي غيرت اسم برنامج “صباح شيكاغو” لتنتج الشركة برنامج “أوبرا وينفري شو” الذي بثّته على المستوى الوطني، فكانت حلقتها الأولى في 8 سبتمبر 1986، لتنطلق وينفري بعدها بمشوارها ذي الـ25 عاما مع برنامجها الذي عبر تلفزيونات العالم، ولتصبح أول مليارديرة سوداء، والمرأة الأكثر تأثيرا من ملايين الرجال. ما دفعها إلى أن ترى نفسها رئيسة للبيت الأبيض.

الخبرة السياسية وحياة أوبرا

ويبدو أن الأميركيين منقسمون بالتساوي تقريبا، بالنسبة لمفهوم الخبرة السياسية المؤهلة لأي مرشّح رئاسي. إذ يعتقد 45 بالمئة أن الخبرة السياسية ليست حتمية، بينما تظن نسبة 41 بالمئة أن المرشح يجب أن يكون ذا خبرة سياسية ومعدّا للمنصب. أما بالنسبة للكثير من الشعوب الشرق أوسطية المتأثرة بالسياسة الأميركية الخارجية، فالأسئلة كثيرة: هل ستكون المرأة التي أدارت أكثر البرامج التلفزيونية حميمية، والتي جعلت برنامجها منبرا للقصص الإنسانية، من قضايا مرض السرطان، حتى التحرش الجنسي، هل ستستطيع أن تدير عمليات عسكرية باتت الولايات المتحدة متورطة فيها مسبقا، من التحالف الدولي ضد الإرهاب، حتى القواعد العسكرية في العراق وسوريا المشتعلة وغيرها، والعلاقات المتوترة مع إيران و كوريا الشمالية، والكثير من الملفات الساخنة التي ستجد مضيفة برنامج “التوك شو” نفسها في خضمّها، وأي قرار تتوقف عليه مصائر الكثير من الشعوب؟

شخصية الرئيس الأميركي تمر بتحولات مثيرة. فقد وصل إلى البيت الأبيض كل من الممثل، والأسود، والجنرال، ورجل الأعمال، إلا أن امرأة لم تتسيد عليه حتى الآن

ويتساءل الأميركيون عن “أوقات الحزم”، هل ستستطيع أثناءها المرأة الملقّبة بالمُحسنة اتخاذ قرار حاسم بضربة عسكرية ما؟ وفي مدارات السياسة، هل ستبقى هي المرأة الطيّبة أم ستكون القائدة السياسية والعسكرية لدولة عظمى؟ أم أن دورها سينتهي على الأمور الداخلية وتحسين العلاقات الخارجية من منظور المرأة التي يعرفها العالم منذ أكثر من 30 عاما؟

المخرج الكبير ستيفن سبيلبيرغ، اختار وينفري، أواسط ثمانينات القرن العشرين، لدور البطولة في فيلم “اللون الأرجواني” الذي وضعها في قائمة المرشحين لجائزة الأوسكار لأدائها في دور صوفيا. ليصبح سجلها الفني كممثلة ومنتجة طويلا وحافلا، حيث سجلت لها المشاركة كممثلة بأدوار مختلفة في أكثر من 19 عملا بين سينما وتلفزيون. وترشحت أكثر من مرة لجوائز الأوسكار والإيمي وغيرهما. ولعبت شخصيتها الحقيقية في 15 عملا بين مسلسل وبرنامج تلفزيوني. وشاركت كمنتجة في 33 عملا بين سينما وتلفزيون وبرنامج تلفزيوني.

شاركت في تأليف خمسة كتب، وكان من المقرر نشر كتاب مذكراتها “الحياة التي تريدها” في العام 2017، إلا أنه لم يصدر. تصنفها العديد من التقييمات كأكثر النساء تأثيرا في العالم. وفي عام 2013، حصلت على وسام الحرية الرئاسي من قبل الرئيس باراك أوباما، ونالت شهادات دكتوراه فخرية من جامعة هارفارد وغيرها.

ووفقا لإحدى الدراسات، فإن أوبرا وينفري كسرت محرمات القرن العشرين، وساعدت على مشاركة المثليين جنسيا في الشأن العام، وركزت في برنامجها على الأدب، والدعم الذاتي والروحانيات. فهل ستكون امرأة بهذا التاريخ الفني والاجتماعي، قادرة على مزاحمة ترامب أو غيره من رجال السياسة بعميق خبثهم، وبروز علاقاتهم، أم أنها مجرد فقاعة إعلامية، ستزول ما إن يتوقف الإعلام عن ترديدها؟ أم أنه فعلا هناك سياسة ثابتة للبيت الأبيض تتراوح بين شدة ولين، لا يغيرها وجه وجنس ولون من يحكم المكتب البيضاوي، وإنما هي مجرد ديمقراطية تداولية بأقل قدر من التغيير الظاهر وثبات راسخ لاتجاه الدولة العميقة؟

لكن تعليق زعيمة الأقلية في الكنغرس نانسي بيلوسي يبقي لافتا للنظر. إذ قالت إن “هناك حاجة لاختيار شخص خارج الدائرة”. وأضافت بيلوسي “لقد قرأت أوبرا الكتب، وهي تعرف كيفية تحديد المواهب، وإذا كنا ذاهبين إلى مرحلة حيث الخبرة والفطنة التشريعية ليستا أساسيتين؛ فقد يكون هناك شخص يعرف ما لا يعرفون”.

13