أوبرا وينفري جوهرة أميركا السوداء وسر انتخابات 2020

مساهمات أوبرا وينفري هامة ومفصلية في الثقافة الأميركية حيث شاركت في دعم عالم النشر عن طريق إطلاقها لمشروعها "أوبرا بوك" والذي يعنى بالنشر للكتّاب غير المعروفين.
الثلاثاء 2019/12/10
امرأة واحدة تغيّر وجه الإعلام ودوره

 من بلدة ريفية صغيرة في ولاية الميسيسيبي الأميركية بدأت رحلتها بإصرار وجدية والتزام بالعمل، نحو عالم النجومية المطلقة لم ينافسها عليها أحد، لتتربع على عرش إمبراطورية الإعلام الأميركي ثم العالمي، وتغدو محبوبة الجماهير على امتداد الكرة الأرضية بقاراتها الخمس.

حاورت في برامجها التلفزيونية الشهيرة آلافا من مشاهير العالم وسياسييه، وبكت بحرقة وهي تقف في الصف الأول حين أعلن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما للشعب الأميركي نجاحه في انتخابات عام 2008 وهي التي ساهمت بكل إمكاناتها الإعلامية والمادية في دعم حملته الانتخابية للرئاسة، بينما وقفت على طرف النقيض من الرئيس الحالي، دونالد ترامب الذي عارضت بقوة وصوله إلى سدة الحكم، لتسود اليوم شائعات حول ترشحها لانتخابات 2020 فقط كي تلحق به الهزيمة.

إنها أوبرا وينفري الإعلامية والممثلة والمنتجة والناشطة في مجال حقوق الإنسان والثرية العصامية التي صنعت ثروتها بعد فقر شديد بالعمل والعمل وحده. أطلقت شركات كبرى برساميل تقدّر بمئات الملايين من الدولارات تختص بالإنتاج الفني والإذاعة والتلفزيون.

هي صاحبة البرنامج الحواري طويل العمر الذي ابتدأته حاملاً اسمها “أوبرا وينفري شو” في عام 1986، وانتهت من تقديمه في عام 2011 حيث أعلنت عن افتتاح قناتها التلفزيونية الخاصة وشبكتها الإعلامية وأطلقت عليها الأحرف الأولى من 3 كلمات هي أوبرا وينفري نيتوورك، فجاءت المجموعة باسم “أو. دابليو. أن”.

الناس يتحدثون

وينفري تعد أغنى امرأة أميركية من أصول أفريقية في القرن العشرين، والمليارديرة الوحيدة ذات البشرة السوداء لثلاث سنوات متتالية حسب تصنيف "فوربز"
وينفري تعد أغنى امرأة أميركية من أصول أفريقية في القرن العشرين، والمليارديرة الوحيدة ذات البشرة السوداء لثلاث سنوات متتالية حسب تصنيف "فوربز"

مسقط رأس أوبرا وينفري كان في قرية صغيرة تقع ضمن مقاطعة كوسيوسكو من ولاية ميسيسيبي في يناير عام 1954. عاشت وينفري مع والدتها لفترة قصيرة، ثم انتقلت للعيش مع والدها في مدينة ناشفيل بولاية تينيسي حيث كان يعيش هناك منفصلاً عن والدتها ويعمل حلاقا وصاحب أعمال حرة. التحقت وينفري بجامعة تينيسي، بينما بدأت رحلتها المبكرة في عالم الإعلام والشاشة الفضية من خلال عملها مذيعة في راديو وتلفزيون ناشفيل أثناء تحصيلها الجامعي.

رحلتها الثانية في الإعلام كانت انطلاقاً من مدينة بالتيمور الساحلية في ولاية ميريلاند حيث انتقلت للعيش هناك في عام 1976، وقدمت برنامجها الحواري الذي كان بداية لشهرتها الإعلامية وحمل البرنامج اسم “الناس يتحدثون”. واستمر عرض البرنامج بنجاح كبير مدة ثماني سنوات.

أخذت وينفري تلفت أنظار المنتجين التلفزيونيين، فحصلت على عرض من قناة شيكاغو لتقدم برنامجًا صباحيّا حمل عنوان “ايه. أم. شيكاغو”. وخلال أشهر عديدة، وبسبب أسلوبها المتميز في الحوار مع ضيوفها والذي يتّسم بالأسئلة الذكية وغير المحرجة أو الاستفزازية، وبذائقة الإنصات إلى حديث الضيف لإفساح أكبر فرصة له على الهواء مباشرة للحديث عن كل ما يجول بخاطره من أفكار تحاوره في موضوعها، وكذا لفكرها الليبرالي المنفتح الذي يرفض العنصرية والتمييز ويدعو إلى تمكين المرأة والفئات المجتمعية الأكثر ضعفاً في المجتمع، بسبب تلك الأفكار مجتمعة تمكنت من أن تنجح في جذب الآلاف من المشاهدين، وانضم إلى برنامجها مئة ألف متابع دفعة واحدة، ما دفع بالبرنامج قدماً إلى أعلى درجات سلم التصنيف التلفزيوني للبرامج الأكثر مشاهدة، وبذلك تجاوزت منافسها الذي كان في الوقت عينه مثالها التلفزيوني المفضل وهو الإعلامي الشهير فل دوناهيو.

وينفري ناشطة مساهمة في حقوق الإنسان، وخاصة حقوق الطفل. قدّمت مشروع قرار اقترحته على الكونغرس الأميركي يهدف إلى تأسيس قاعدة بيانات وطنية تتضمن أسماء جميع المحكومين بجرائم الاعتداء على الأطفال أو إيذائهم سواء جاء الأذى جسدياً أو نفسياً. وقامت بتأسيس منظمة غير ربحية أطلقت عليها اسم “عائلات من أجل حياة أفضل” تعنى بدعم العائلات التي تحتاج إلى الدعم المجتمعي، مع التركيز على تحسين ظروف الأطفال في العائلات المحدودة الدخل، وتلك التي تعاني من مشكلات معينة، وذلك بهدف تيسير حياة الأطفال وتأمين التحاقهم بالمدارس واندماجهم في مجتمعاتهم.

حازت وينفري جائزة بوب هوب الإنسانية التي تمنحها أكاديمية الفنون والعلوم التلفزيونية، وهي جائزة قيّمة كانت وينفري أول من حصل عليها مكافأة وتقديراً لجهودها في أعمال الدعم الإنسانية والمجتمعية وفي مقدمتها اهتمامها بالطفل ودعم حاجاته ومستحقاته على مجتمعه.

وفي الفترة الأخيرة ومن هذا المنطلق استضافت وينفري، في دعوة خاصة، المخرجة اللبنانية نادين لبكي لإعجابها الشديد بفيلمها “كفرناحوم” الذي يصوّر حياة طفل سوري لاجئ في مخيمات اللجوء بلبنان، عاكساً معاناته مع أفراد عائلته في ظروف حياتية قاسية ومؤلمة. ولدعم الفيلم ومخرجته، نشرت وينفري صورة لها مع  لبكي وزوجها المنتج خالد مزنر، ودعت متابعيها، وهم بالملايين، إلى مشاهدة الفيلم الذي أعجبت به كثيراً، حسبما قالت، وشاهدته لأكثر من مرة.

كما صرّحت للصحافيين بعد دعوة الغداء التي استضافتهما فيها قائلة “لا يمكنني التوقف عن التفكير في هذا الفيلم منذ أن شاهدته. لم أكن أعلم أن أبطال الفيلم هم شخصيات واقعية”.

 قصة “كفرناحوم” الذي لفت انتباه وينفري تدور حول الطفل اللاجئ الذي يطلب من المحكمة مقاضاة أهله ومنعهم من إنجاب الأطفال لأنهم غير قادرين على تحمّل مسؤولية تربيتهم وتأمين حياة كريمة وعادلة لهم. وقد ترشّح لجائزة “غولدن غلوب” العالمية بعد عرضه ضمن مجموعة أفلام “مهرجان كان” السينمائي في فرنسا هذا العام.

وينفري وعالم السياسة

نشاط وينفري في السياسة حديث العهد يعود إلى عام 2007 حين شاركت في الحملة الانتخابية لأوباما. ومن موقعها وحب الناس لها، استطاعت أن تستقطب إلى حملتها الداعمة له حشوداً هائلة من محبيها من الشعب الأميركي
نشاط وينفري في السياسة حديث العهد يعود إلى عام 2007 حين شاركت في الحملة الانتخابية لأوباما. ومن موقعها وحب الناس لها، استطاعت أن تستقطب إلى حملتها الداعمة له حشوداً هائلة من محبيها من الشعب الأميركي

خلال برنامج تلفزيوني على قناة بلومبرغ استضاف وينفري، سئلت وينفري عمّا إذا كانت تفكر في الترشح للانتخابات الرئاسية في عام 2020؟ فأجابت “لم يسبق أن فكرت في هذا الأمر من قبل”. إلا أن المستثمر الشهير، ديفيد روبنشتاين، وهو من وجّه إليها السؤال في البرنامج، قام بدوره بتفسير سبب توجيهه هذا السؤال غامزاً من قناة نجاح ترامب في انتخابات 2016 وهو لا يملك الخبرة السياسية، وكان رجل أعمال وحسب لم يسبق له تولي أي منصب سياسي قبل ترشحه، حيث قال روبنشتاين لوينفري “من الواضح أنك لن تكوني بحاجة إلى خبرة في الحكم ليتم انتخابك رئيسة للولايات المتحدة”. 

أما وينفري فلم تنف ولم تؤكد هذا الأمر وقالت في إجابتها عن مداخلة روبنشتاين خلال البرنامج التلفزيوني “نعم، لقد قلت في وقت ما إني لا أمتلك الخبرة أو المعرفة الكافية للترشح لهذا الموقع، أما الآن فإني أراجع نفسي وأتساءل عن إمكانية هذا الأمر”.

وهكذا تكون وينفري قد تركت جمهورها العريض يترقب بشغف ما إذا كانت ستترشح عن الحزب الديمقراطي في انتخابات 2020 بهدف هزيمة ترامب ومنعه من الاستمرار في البيت الأبيض لأربع سنوات قادمة.

نشاط وينفري في السياسة حديث العهد يعود إلى عام 2007 حين شاركت في الحملة الانتخابية للمرشح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي، آنذاك، أوباما. ومن موقعها وشهرتها وحب الناس لها، استطاعت أن تستقطب إلى حملتها الداعمة له حشوداً هائلة من محبيها ومريديها من الشعب الأميركي.

وبهدف حشد أوسع دعم جماهيري لأوباما انضمت إليه في العديد من المسيرات التي نظمتها حملته ضمن فعاليات السباق الرئاسي في عدة ولايات منها ولايات أيوا وهامشاير وكارولينا الجنوبية، وكانت هي المرة الأولى التي تشارك فيها وينفري في حملة انتخابية لمرشح سياسي.

كان الحدث الأكبر في مشاركتها في حملة الرئيس الأسبق في جامعة كارولينا الجنوبية، حين تجمّع ما يقارب 29 ألف مؤيد لأوباما، وتحولت المدرجات الرياضية في الجامعة إلى ساحة كبيرة للاستماع إلى أفكار وحاجات الجماهير المحتشدة، وماذا يتوقعون من الرئيس القادم لأميركا.

وقد خطبت وينفري في الجماهير المحتشدة قائلة “لقد حلم الدكتور مارتن لوثر بهذا اليوم، لكن علينا نحن ألا نكتفي بالحلم بعد الآن، بل يجب علينا أن نحوّل الحلم إلى حقيقة من خلال دعمنا لهذا الرجل، أوباما الذي لا يعرف من نحن وحسب، بل يدرك تماماً ما يمكننا أن نكون عليه في المستقبل”.

وينفري هي أغنى امرأة أميركية من أصول أفريقية في القرن العشرين، والمليارديرة الوحيدة ذات البشرة السوداء لثلاث سنوات متتالية حسب تصنيف مجلة “فوربز”. أما مجلة “لايف” فقد صنفتها على أنها المرأة الأكثر تأثيراً بين بنات جيلها.

 ولأنها قدمت من خلال إحدى شركاتها مبلغ 51 مليون دولار للأعمال الخيرية، بما يتضمن تعليم البنات في جنوب أفريقيا، وتقديم المساعدات اللازمة لضحايا إعصار كاترينا في حينه، فقد صنفتها مجلة “بيزنس ويك” في عام 2005 كأعظم فاعل خير في التاريخ الأميركي.

أوبرا العلامة الفارقة

لأوبرا مساهمات هامة ومفصلية في الثقافة الأميركية حيث ساعدت في دعم عالم النشر عن طريق إطلاقها لمشروعها “أوبرا بوك” أو بترجمته العربية “كتاب أوبرا”، والذي يعنى بالنشر للكتّاب غير المعروفين، ما دفع  بمؤلفات الكثير من الموهوبين منهم إلى قائمة الأكثر كتب مبيعاً في الولايات المتحدة. كما أن وينفري كانت من المؤسسين لشركة “أوكسجين ميديا” التي هدفت منها إلى إنتاج برمجيات الإنترنت للنساء.

في شهر نوفمبر عام 2013 تم تقليد وينفري أعلى رتبة شرف مدنية في الولايات المتحدة، وهي الميدالية الرئاسية للحرية، تسلّمتها من الرئيس أوباما تقديراً منه ومن الدولة والمجتمع الأميركي لمساهماتها وفعالياتها الوطنية التي غيّرت حياة الملايين في أميركا والعالم نحو الأفضل، وأتاحت مئات الفرص للمستحقين والموهوبين في العالم.

ولا يعلم أحد اليوم كيف ستمضي السيدة التي يعرفها مئات الملايين من الأشخاص باسمها الأول “أوبرا” الأعياد القادمة في عام 2020؛ كأول سوداء تصل إلى هذا المستوى من الشهرة أم كأول رئيسة في تاريخ الولايات المتحدة؟

13