أوبك تواجه النفط الصخري والمشاغبين داخل المنظمة

الجمعة 2016/12/23

النفط الصخري في مقاربة بلاغية، هو نحت في الصخر، مقارنة بالغرف من البحر في حالة النفط التقليدي. والأخير له ميزة في حالة نفوط أوبك قريبة المنابع، مقارنة مع النفط الروسي المكلف بسبب عمق آباره السحيق.

وشيئا فشيئا، بدأت الدول العربية في منظمة أوبك تدرك معنى حكمة وزير النفط السعودي الأسبق، أحمد زكي اليماني، كدرس أول للمستقبل حين قال إن “انتهاء العصر الحجري لم يكن بسبب نقص الحجارة”، في إشارة إلى أن عصر النفط سينتهي حتى مع وجود وفرة النفط، حين تحل مصادر طاقة أرخص ثمنا وأقل تلويثا للبيئة، وأكثر دواما، محل النفط التقليدي.

بالطبع، لا يشكل النفط الصخري بديلا من النفط التقليدي، أو الطاقة البديلة الآتية، بل والجاهزة ربما منذ زمن طويل، والتي تحتاج إلى قرار سياسي اقتصادي ليس في مصلحة الأخوات السبع الكبرى المنتجة للنفط الآن.

الدرس الثاني الذي تعيه أوبك، وتحاول تطبيقه، هو المحافظة على أسعار مجزية لنفطها، لكنها أقل من تكلفة الجدوى الاقتصادية للشركات المنتجة للنفط الصخري، بحيث تحول دون مغامرة هذه الشركات في معاودة الإنتاج وإغراق السوق.

منصات الحفر

وتشير الأخبار الواردة مؤخرا إلى أن عـدد منصات الحفـر في الـولايات المتحدة بلغ ذروته في الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر الماضي، صعودا من القاع الذي وصلته في مـايو الماضي، ومقـارنة بالمستوى القياسي الذي سجلته في نوفمبر عام 2014.

عودة الزيادة في عدد المنصات تزامنت مع انتعاش نسبي في أسعار النفط، واستقرارها فوق مستوى 50 دولارا للبرميل للأسبوع الثالث على التوالي بعد اجتماع أوبك في فيينا نهاية نوفمبر الماضي.

ويرجح المحللون أن تتجه أسعار النفط إلى مستوى قد يصل إلى 65 دولارا للبرميل في نهاية عام 2017، وهذا قد يعني عودة تدريجية إلى انتعاش إنتاج النفط الصخري، وهو ما لا يحتاجه منتجو النفط التقليدي، وخاصة أوبك.

ومن المعلوم أن إنتاج النفط الصخري تراجع بشدة مع انهيار أسعار النفط من حدود 100 دولار للبرميل منذ منتصف عام 2014، وصولا إلى قاع 27 دولاراً للبرميل في يناير 2016، وهذه الأسعار غير مجدية اقتصاديا لمنتجي النفط الصخري المكلف، حتى مع تقدم التكنولوجيا.

تكاليف إنتاج البرميل

وعلى سبيل المثال، فإن متوسط تكلفة إنتاج برميل النفط الكويتي يبلغ نحو 8.5 دولارات للبرميل الواحد (3.7 دولارات نفقات رأسمالية، و4.8 دولارات نفقات تشغيلية)، بينما تبلغ تكلفة إنتاج النفط البريطاني نحو 52.5 دولارات للبرميل الواحد (30.7 دولارات للنفقات الرأسمالية، و21.8 دولارات للنفقات التشغيلية). فيما تبلغ تكلفة إنتاج برميل النفط الروسي 17.3 دولارات (8.9 دولارات للنفقات التشغيلية، و8.4 دولارات كنفقات رأسمالية).

وتستند حسابات تلك التكاليف إلى المعدل الوسطي بحسب كثافة الموارد وعمق الحقـول. فهنالك آبار قليلـة العمق تقـل تكلفة الاستخراج منها عن الآبار الأكثر عمقا.

كما تختلف الآبار بحسب التشكيل الجيولـوجي لمكامن النفـط، مما يزيـد تكاليف المحافظة على صخور المكمن، أو يخفضها بالمقارنة مع المكامن الأخرى، دون أن ننسى قدم بعض الآبار التي تستخدم تكنولوجيا قديمة، في انتظار استبدالها بتكنولوجيا متقدمة، مع احتساب فروق في التكلفة تضاف إلى تكلفة إنتاج البرميل الواحد.

أما تكاليف إنتاج البرميل الواحد من النفط الخام من المناجم والآبار الصخرية فتصل في المتوسط إلى نحو 70 دولارا للبرميل، بسبب ارتفاع تكاليف النفقات التشغيلية والرأسمالية.

ويكفي أن نعلم أن إنتاج 100 ألف برميل من النفط الصخري يتطلب طاقة كهربائية تعادل 1200 ميغاواط، وهذه الطاقة تكفي لتزويد مدينة يقطنها نصف مليون نسمة بالكهرباء.

قصة النفط الصخري

في بدايات القرن الحالي، كان الحديث عن النفط الصخري يقع في باب الخيال العلمي، حيث كانت الأرقام تشير إلى أن وصول أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل سيجعل النفط الصخري مجديا اقتصاديا، في حين أن أقصى سعر وصل إليه مزيج برنت المرجعي كان 148 دولارا للبرميل في عام 2008.

لكن تقدم تكنولوجيا الحفر، وتطور الصناعات الكيميائية المكملة جعلا سعر 100 دولار نطاقا مجديا لصعود نجم النفط الصخري، قبل أن تنهار الأسعار فتتوقف معظم منصات الحفر في مناجم النفط الصخري، التي تتركز بشكل أساسي في أميركا الشمالية.

روسيا تربح

المعلوم أن روسيا بلغت أقصى إنتاج ممكن من النفط في العام الحالي، ما يعني أن الخفض الذي أعلنت الالتزام به (300 ألف برميل يوميا)، سيتحول إلى مخزون احتياطي، فيما لو صح عزمها على تقليل تصديرها للنفط.

وقال وزير النفط السعودي خالد الفالح، إن مكاسب أسعار النفط الحالية، واستقرارهـا فوق مستـوى 50 دولارا للبرميل لخام برنت، يعتمدان على خفض حقيقي بالمقدار المتفق عليه من الدول المنتجة من خارج أوبك. وقد اعتبر أن تثبيت إنتاج روسيا عند أعلى مستويـاته على الإطـلاق لا يعد مساهمة منها، مشيرا إلى أن هناك تحولا في نمو الإنتاج من خارج منظمة أوبك.

كما كشف الوزير القطري، والرئيس الحالي لمنظمة أوبك، محمد بن صالح السادة، أن أوبك ستجتمع في 25 مايو لمراجعة الاتفاق، وقد تمدده ستة أشهر أخرى.

ويرى محللون أن وسائل التحقق من الالتزام لا تزال ضعيفة، في ظل وجود وسائل كثيرة للتهرب من الرقابة.

وأكد السادة، أن قرار المنظمة حظي بإجماع أعضائها، بعد تعليق عضوية إندونيسيا، وأن الكويت وفنزويلا والجزائر ستراقب مدى التزام الدول بالاتفاق، في إشارة إلى عدم الالتزام التاريخي لبعض الدول الأعضاء بحصصها المقررة والمتفق عليها في الاجتماعين الدوريين سنويا للمنظمة في مقرها في فيينا.

السياسة مصلحة

وفي مستوى مفارق للخلافات السياسية بين السعودية وروسيا، تعاون الطرفان في تخفيف مخاوف أسواق النفط العالمية، فالتزمت روسيا بنصف الخفض المقرر من خارج دول أوبك والمحدد بمقدار 600 ألف برميل يوميا.

وبدا أن روسيا ضمنت موافقة إيرانية على الخفض، في مقابل تعهد الرياض بخفض يصل إلى نحو 486 ألف برميل يوميا، لتستمر في لعب دور المنتج المهيمن باعتبارها أكبر المنتجين في أوبك وأكبر المصدرين في العالم.

أما تعليق عضوية إندونيسيا في أوبك فليس له أهمية، خاصة أن إندونيسيا تحولت إلى مستورد صاف للنفط، ولا يتمتع إنتاجها بالمرونة الكافية كي تستجيب لقرارات المنظمة في زيادة الإنتاج أو خفضه، في ظل نضوب مكامن النفط القديمة في غرب البلاد، وعدم وجود اكتشافات جديدة، ما جعل بلد المئتين وخمسين مليون نسمة يكتفي بإنتاج لا يزيد على 800 ألف برميل يوميا.

كاتب وصحافي سوري

10