أوبك.. ماذا بعد اجتماع الجزائر

الجمعة 2016/09/30

حقق اجتماع منظمة الدول المنتجة للنفط أوبك، الذي عقد على هامش مؤتمر الطاقة العالمي في الجزائر خلال اليومين الماضيين، ثلاث نتائج يمكن التأسيس عليها في الوقت الراهن.

أولها اتفاق مبدئي على خفض الإنتاج من الدول الأعضاء، كما جاء في إعلان رئيس المنظمة محمد الصالح السادة، وهو وزير الطاقة القطري أنه “تقرر تحديد إنتاج المنظمة بين 32.5 و33 مليون برميل يوميا”، وهو ما يعني تخفيضه ما بين 740 ألف برميل كحد أقصى، و240 ألف برميل كحد أدنى بحيث يبلغ حاليا 33.24 مليون برميل يوميا، كما هو الأمر بالنسبة إلى إيران التي ستنتج 3.7 مليون برميل يوميا وهو مستوى أقل مما كانت تسعى إلى بلوغه، بينما ستنتج المملكة العربية السعودية، وهي أكبر الدول المنتجة للنفط في المنظمة، ما يعادل 10.1 مليون برميل في يوم، أي بأقل مما هي عليه الآن، كما تحدَّثت المصادر عن خفض الإنتاج الفنزويلي إلى 700 ألف برميل يوميا، مع استثناء ليبيا ونيجيريا من قرار تحديد الحصص بسبب ظروفهما الخاصة.

وثانيها، تحوّله إلى اجتماع استثنائي قراراته ملزمة، وذلك بعد مفاوضات ماراتونية بين منتجي النفط، شهدت تجاذبات كبيرة بين المنتجين الذين تقاطعت مصالحهم الاقتصادية، تبعا للتباين في مواقفهم السياسية من جهة، والظروف المحلية والضغوط الدولية المتحكمة في قراراتهم من جهة ثانية، على الرغم من أن قضية الدول المنتجة واحدة وهي ضرورة تثبيت الإنتاج، في محاولة منها وقف تهاوي أسعار البترول في البورصة العالمية، وأيضا قبل بلوغه مستوى من التدني قد يهدد مصير البلدان المنتجة بشكل عام، لا سيما أن معظمها ذات اقتصاد أحادي قائم على صادرات النفط بشكل شبه كامل، تلك المفاوضات التي أشرف عليها الوزير الأول الجزائري عبدالمالك سلال من خلال لقائه عدة وزراء، في مقدمتهم وزيرا النفط السعودي والإيراني، واستثمر خلالها علاقات الجزائر وثقلها مع دول المنظمة.

ثالثها، مواصلة الحوار مع دول من خارج المنظمة لأجل إعادة التوازن للسوق النفطية، خاصة روسيا، إلى جانب تنصيب لجنة عليا تتابع نظام الحصص داخل أوبك، والذي سيحدد بدقة في الاجتماع المقبل بفيينا.

تلك النتائج جعلت وزير الطاقة الجزائري نور الدين بوطرفة، يصف ما توصلت إليه أوبك في بلاده بالقرار التاريخي، حجته في ذلك أن هذا الاتفاق يعد الأول من نوعه الذي يقرر خفض الإنتاج داخل منظمة أوبك منذ عام 2008، وأيضا لأن هذا الاجتماع تحول من “غير رسمي” إلى “اجتماع استثنائي للمنظمة”، ناهيك عن النتائج المباشرة لجهة ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية بعد الإعلان عن قرار المنظمة.

ما ذهب إليه بوطرفة استندت إليه وسائل الإعلام الجزائرية في متابعتها لاجتماع المنظمة باعتباره الحدث الأكبر، لكن الأمر من الناحية العملية ليس كذلك، لا لأن القرار غير ملزم، ولا لأن اجتماع فيينا المقبل هو الذي سيحدد استمراريته من عدمه، وأيضا ليس لأن الخطاب التحليلي السياسي والاقتصادي في الجزائر أولى له اهتماما خاصا، وإنما لأمرين هامين. الأول، أن المؤتمر ركز على تداعيات تأثير الطاقة بأنواعها المختلفة على كوكب الأرض والحياة فيه، ولم تكن الأولوية لموضوع انخفاض أسعار النفط، بدليل أنها كانت على هامش المؤتمر. والأمر الثاني، أن الجزائر، من الناحيتين السياسية والإعلامية، ركزت على موضوع أسعار النفط، من خلال دعوتها إلى تخفيض الإنتاج، ولم تول نفس الاهتمام لموضوع تأثير الطاقة على المناخ، ولذلك يرى البعض أن في ذلك مغالطة للشعب الجزائري، كونها جعلته يعلق آمالا كبيرة على عودة ارتفاع أسعار النفط من جديد، في حين أن انعقاد مؤتمر الطاقة الدولي في الجزائر، الهدف منه التطبيق العملي لقرارات قمة المناخ التي جرت في فرنسا، وتطال الدول الصناعية الكبرى، فكرة أساسية، وهي ضرورة تحمل الدول المنتجة للطاقة مسؤولياتها في قضايا التلوث.

وعلى خلفيّة ما سبق، فإن اعتبار ما حدث في الجزائر خطوة إلى الأمام يعدّ صحيحا نظريا، وقد يكون كذلك عمليا، إذا ما نظرنا إليه من زاويتين، تتعلق الأولى بمدى التزام الدول المنتجة بقرارات الاجتماع الهامشي، في حين تركز الثانية على دخول الدول الأعضاء في نقاش مثمر، كسر حواجز الشّك، ورجّح إلى حد ما الهدف المشترك وهو رفع أسعار النفط بهدف حماية الجبهة الداخلية من الانهيار، لكن هذا البعد لا يشكل قرارا تاريخيا حاسما على مستوى أوبك، مثل قرار التأميم، الذي اتخذته الكثير من الدول المنتجة ومنها الجزائر، في سبعينات القرن الماضي، أو منع تصدير النفط للدول الداعمة لإسرائيل على غرار ما حدث في حرب أكتوبر 1973.

مهما يكن، فجميع المؤشرات والمعطيات تشي بحدوث تغير منتظر خلال الأسابيع القليلة المقبلة في أسعار النفط، مصحوب بنوع من التفاؤل بعد اجتماع الجزائر، لكن ذلك مرهون بمدى التزام دول أوبك بالاتفاق في الوقت الحاضر من جهة، وما سيسفر عن اجتماع المنظمة في فيينا من جهة أخرى، كما ستؤثر التطورات الدولية خاصة الحرب في العراق وسوريا واليمن وليبيا، إضافة إلى تطور العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة السعودية، وحاجة روسيا إلى المزيد من بيع البترول لدعم اقتصادها في ظل حربين تشنهما في وقت واحد، الأولى في حدودها مع أوكرنيا، والثانية في سوريا، وهذا يعني أن الدول التي ليست منضوية تحت أوبك، قد تحول دون تحقيق ما اتفق عليه في الجزائر.

وتدرك دول أوبك عمق المأساة، وهي تبدي تجاوبا مع حاجاتها الجماعية للحفاظ على استقرار السوق من خلال الاتفاق على الحصص الإنتاجية، بما يخدم مصالحها الجماعية، لكن لكل دولة حساباتها، والجزائر تعيش حالة من التقشف، قد تؤدي إلى تكرار ما حدث في 1988 بعد انهيار أسعار النفط، وما تبعها من أحدث بدأت أزمة اقتصادية ثم تحولت إلى سياسية، لتنتهي بعد ذلك إلى دموية، لا تزال آثارها محفورة في الذاكرة الجماعية إلى اليوم.

كاتب وصحفي جزائري

6