أوجاع عانس

الثلاثاء 2016/02/16

بلغت عامي الخامس والثلاثين وطبقا للعرف الشعبي فأنا عانس منذ خمسة عشر عاما ولكنني اليوم عانس رسميا وفقا للجهاز المركزي للتعداد والإحصاء، تهدل الجلد تحت جفوني ولم يعد يقوى على حمل مقلتيّ بخفة ونعومة كما كان يفعل من قبل، خارت قواه المسكين، وأعلنت مادة “الميلانين” ببصيلات شعري العصيان فتركت لي شعيرات بيضاء تسللت خفية دون علمي تختبئ وسط خصلات شعر كستنائي قصير كعادة أصحاب الثأر في صعيد مصر حين يختبئون في حقول الذرة.

أذهب إلى حفلات عرس فتيات كن ينادينني بالأمس القريب “أبلة هالة” من باب الاحترام والتقدير لكوني أكبرهن بعشر سنوات أو أكثر، وحين أبدأ بالتهنئة وتقديم هديتي تنهال على أذني كلمات من قبيل عقبالك تجلد قلبي الخالي وتفردت سنوات عمري على مائدة الشفقة والحسرة.

تجرحني نظرات البعض متمنين لي الزواج وهم في حقيقة الأمر يذكرونني بأن قطار الزواج قد أطلق صافرته الأخيرة منذ بضع سنوات.

حين أهنئ صديقة عمري بطفلها الثالث لم أشأ إلا التهنئة حقا وبعفوية تخبرني عن طفلها وسهولة عملية الوضع قبل أن تتغير دفة الحديث حين تلكزها أمها “خوفا من الحسد” مردفة “تعبت جدا يا عين أمها في الولادة هذه المرة، يقطع الخلفة والعيال، أنت أحسن منها ألف مرة”. أخرج مستعطفة دمعة تحاول الفرار من بؤبؤي ألا تخذلني أمام تلك “العجوز الشمطاء”.

أه لو قابلت إحدى صديقاتي أو زميلات العمل في أحد المحال التجارية خاصة التي تبيع المنتجات النسائية وهي التي تشكو شح زوجها وعدم تلبية احتياجاتها ومطالب بيتها “من باب درء العين” تلسع زوجها المسكين بنظرة حارقة كي يسبقها، مبررة المجيء بآلاف الحجج.

أما جارتي الحسناء فهي تخفي زوجها عن عينيّ كما لو كنت نسرا جارحا أو صقرا جائعا أو طائر الرفراف يبحث عن سمكة ضعيفة تحت الماء لسد جوعه.

تحرقني نظرات الشفقة، وكلمات نساء العائلة في كافة المناسبات وهن يتمنين لي سرعة الزواج، أهز كتفيّ تعبيرا عن اللامبالاة، متحججة برسالة الماجستير التي تقضم وقتي وتلتهم ساعات فراغي، تلك الرسالة التي ناقشتها منذ أحد عشر عاما. إذا ذهبت إلى السينما فأنا غير محترمة تخلع أسئلتهم المتلاحقة عني ورقة التوت وتحرقني نظرات الشك، وإذا مكثت بالبيت فأنا مصابة باكتئاب لكوني عانسا.

قطعت صديقة طفولتي علاقتها بي لا لذنب أو جريرة سوى أنها تزوجت وأنا مازلت بلا زواج، خافت على زوجها من أمثالي، وحين علمت بزواجها ذهبت إلى بيتها وقلبي يملؤه الفرح لصديقة عمري ولكنها للأسف عاملتني بطريقة تعجز الكلمات عن وصفها، وجلست أمامي كلوح ثلج بارد. أصف نفسي بالعانس ضحكا إلى حد البكاء، أصرخ في وحدتي ألما وأنا أرى الفتيات من حولي يغيرن الصفة بالبطاقة الشخصية من كلمة “آنسة إلى متزوجة”، أنا لم أشأ لنفسي هذا الوضع ولم أختره، ولكنه القدر، أشعر أحيانا أنني كنملة في كوب ماء، أو ذبابة علقت غرقا في دلو عسل، انغرس جناحاها كلما رفعت واحدا سقط الآخر.

حتى حب المراهقة لم يذق قلبي طعمه، باختصار ليست لدي ذكرى أعيش على أطلالها، ولا حلم يراودني برجل يأتي على حصان أبيض، لكنني رغم ذلك أعمل وأنجح وأبتكر وأضيف لحياتي الكثير من الأشياء النافعة التي ما كان لي إنجازها لو تزوجت، رغم وجعي ووحدتي إلا أن حياتي ليست متوقفة، فاتركوني أعيش دون ألم، لا داعي لتذكيري بوحدتي، وعدم رغبة رجل واحد على وجه الكرة الأرضية في العيش معي طوال الوقت.

كانت هذه الكلمات الموجعة حصيلة حوار دام ثلاث ساعات مع صديقة تأخر بها سن الزواج، ولكن أعين المتلصصين لا تتركها تنعم بوحدتها، يلسعونها بسياط كلماتهم، ونظراتهم الحارقة تترك أثرها المشوه لما تبقى من قدرتها على التحمل.

من تأخر بها سن الزواج لا ذنب لها وليست مجرمة في مجتمعات بات الزواج فيها شحيحا بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة.

21