أوجلان القائد الذي خطفوا منه حزبه وهو في سجنه

الأحد 2014/10/19
إستراتيجية أوجلان تقوم على اللعب على حبال المتناقضات الدولية

توجّه أوجلان في مرحلة ما بدعوته إلى الشعب الكردي في سوريا والعراق، ونشر الخرائط التي تؤكد على وحدة كردستان من مهاباد إلى البحر المتوسط عبر الفرات،

وكانت إستراتيجية أوجلان تقوم على اللعب على حبال المتناقضات الدولية في الإقليم، فانفتح على نظام حافظ الأسد، لإدراكه أن نظامه قائم على الإمساك بأوراق مزعجة لدول الجوار، ومنها تركيا، والعراق، فذهب أوجلان إلى دمشق، وسكن في ضيافة حافظ الأسد الذي كلّف أجهزة المخابرات السورية بقيادة اللواء علي دوبا، برعاية الضيف وتقديم كل ما يلزم له، فتم تقديم السلاح والمعدات العسكرية ومقرات التدريب والمعسكرات في سوريا ولبنان لتعزيز قوة حزب العمال الكردستاني، وبدأ أوجلان بشن حملاته العسكرية ضد تركيا انطلاقاً من الأراضي السورية، ويقول المحلل السياسي الألماني شتيفان بوخن، إن المقابل الذي حصل عليه حافظ الأسد من أوجلان حينها هو إرضاخ أكراد سوريا لهيمنته، بزعامة أوجلان الذي كان قد أصبح رمزاً قومياً، وفي موازين أخلاقيات السياسة ظهر المزيد من التناقضات الأخلاقية التي وقع فيها أوجلان حينها، وتمثلت في أنه كان يقود نضالاً مريراً ضد الأتراك الذين يمارسون الديكتاتورية بحق شعبه (الأقلية الكردية) بينما يؤيد في سوريا نظاماً ديكتاتورياً يقمع شعبه.


حياة أوجلان في دمشق


ونتيجة للدعم الكبير الذي تلقاه أوجلان من حافظ الأسد، وصل عدد مقاتلي حزب العمال الكردستاني إلى قرابة العشرة آلاف مقاتل، توزعوا على معسكرات لبنان وجبال قنديل في شمال العراق والجزيرة السورية.

وفي دمشق أصبح أوجلان مرجع كبار السياسيين الأكراد عند نظام حافظ الأسد، فكان جلال الطالباني يلتقيه في بيته أولاً ثم يطلب منه ما يشاء لتقوم المخابرات السورية بتقديمه له، وكذلك فعل مسعود البارزاني، واشتهرت صورة التقطت في بيت أوجلان في دمشق وهو يستقبل الطالباني بثياب البيت وقد علّقت على الحائط خلفه صورة حافظ الأسد.

وتولى تاجر السلاح المعروف ورجل الأعمال الكردي السوري الذي توفي في العام 2010 مروان زركي بالتعاون مع قدري جميل، مهمّة ترتيب شؤون أوجلان العسكرية والإعلامية والاقتصادية، وأصدر مجلة في قلب دمشق تحمل اسم “الأوج” وكتاباً بعنوان “سبعة أيام مع آبو”، وكان تظهير صورة أوجلان كأيقونة كردية مشروعاً من إعداد المخابرات السورية تولته بالكامل بالاعتماد على عدد من الكتاب والمثقفين والناشرين والإعلاميين.

قال أوجلان: “كردستان سوريا، الأخ الأصغر الذي يجب عليه التضحية في سبيل الأخ الأكبر، وإنّ الأولوية في عملية تحرير كردستان هي للقسم التركي الذي سيحرّر بدوره الأقسام الأخرى تلقائياً”.

لم ينس أوجلان خيانة حافظ الأسد له، وفي سجنه أجرى مراجعات كثيرة للماضي، وطوّر فكره، وأنتج العديد من الكتب والدراسات اللافتة

ويقول كثير من الأكراد من غير الموافقين على سياسة أوجلان وحزبه، مثل الكاتب الكردي ريبر يوسف إن حزب العمال الكردستاني: “شارك آنذاك في حكم سوريا؛ عبر الصلاحيات التي وهبها النظام السوري للحزب، وقد تم فرض قائد الحزب، أوجلان، على تركيبة العقل السوري، عموماً، للحدّ الذي تحول معه العرب السوريون، بكافة تياراتهم، إلى عناصر تضبطُ وتقلّمُ كلَّ رأي يدعو إلى رفض أوجلان، كردياً. لم ينتقد كاتب سوري سياسة حزب العمال، التي أحكمت قبضتها على كرد سوريا آنذاك، القبضةُ سليلةُ قبضات شمولية، أقلّها ضبطاً هي كوريا الشمالية، على سبيل المثال.

ولقد تناغم الشعب السوري وكتّابُهُ مع موسيقى حزب العمال، بل وتحوّل أيّ نداء كردي، في سبيل حرية سوريا عموماً، إلى حركة مرتبطة بالإمبريالية والصهيونية وضرب المقاومة وحزب الله والوحدة العربية الخيالية، تشارَكَ حزب العمال الكردستاني ونظام الأسد في كل شيء؛ ليشمل حتى سجن عدرا المركزي، هذا السجن الذي تم تخصيص قسم منه لمعارضي ومناهضي حزب العمال، سواء من الكرد السوريين أم من كرد تركيا، وكل من استعصى على الحزب اغتياله يُزَجُّ به في سجن عدرا، وبالتعاون مع المخابرات السورية، وغالباً ما كانت التهم الجنائية هي المنسوبة إليهم في أحايين كثيرة، وذلك استناداً إلى شهادات حية عائدة إلى العديد ممن سجنوا هناك”.


خيانة الأسد لأوجلان


في العام 1993 زار الرئيس التركي سليمان ديمريل سوريا والتقى بحافظ الأسد، وأثناء الاجتماع، سأل ديمريل الأسد: “لماذا تدعمون التمرد الكردي ضد بلادنا؟”، فرد الأسد: “من قال هذا؟ نحن مع أمن تركيا”، فقال ديمريل: “لكن عبدالله أوجلان يتمتع بحسن ضيافتكم” فأنكر الأسد وقال:”هذا غير صحيح”، ولكن ديمريل أخرج من جيبه ورقة صغيرة ووضعها في يد حافظ الأسد، وكان مدوناً عليها عنوان ورقم هاتف أوجلان في دمشق مع جملة مكتوبة باللغة العربية: “يمكننا الاتصال به الآن”، ولكن بعد مرور سنوات من مواصلة الأسد دعمه لأوجلان، أعلن ديمريل ذاته في تشرين الأول ـ أكتوبر من العام 1998 في افتتاح الدورة البرلمانية التركية ما يلي: “إذا لم يسلم حافظ الأسد عبدالله أوجلان فإن تركيا ستدافع عن نفسها، وكان التهديد جدياً لدرجة أن تركيا حشدت القوات العسكرية، على طول الحدود السورية، لولا تدخّل الرئيس المصري حسني مبارك الذي قام بجولات مكوكية بين أنقرة ودمشق، أسفرت عن اتفاق يقضي بأن يطرد الأسد عبدالله أوجلان خارج دمشق، ويفكك منظومة حزب العمال الكردستاني العسكرية في سوريا، فوافق الأسد فوراً، وتم طرد عبدالله أوجلان خلال أيام.

آمن أوجلان في شبابه بالعمل على تناقضات المنطقة، واعتمد الانتهازية السياسية في وضع يده في يد حافظ الأسد ضد الأتراك، فسلحه الأسد واستخدمه وتنظيمه ضد الأكراد السوريين


قائد في الزنزانة


استقل أوجلان الطائرة إلى روسيا، التي رفضت استقباله، ثم إلى إيطاليا واليونان، وكانت السلطات التركية تلاحقه بين العواصم، وفي دول حوض الأبيض

المتوسط، مثل أسبانيا والبرتغال وتونس ومراكش، وفي الثاني من شباط من العام 1999 ظهر أوجلان مرة أخرى في هولندا، ولكن الحكومة الهولندية لم تقبل وجوده على أراضيها و قد أخبر ضابط أمن هولندي في مطار “سخي بولهي” في أمستردام مركز “خوجيي” للموساد الإسرائيلي في هولندا بالأمر وأعلمهم بأن أوجلان قد توجه إلى نيروبي على متن طائرة تابعة لخطوط KLM الهولندية، وفي يوم 15 فبراير ـ شباط من العام 1999 ألقي القبض عليه في عملية مشتركة ما بين المخابرات المركزية الأميركية CIA والمخابرات الوطنية التركية MIT والموساد الإسرائيلي، في كينيا بعد خروجه من السفارة اليونانية في نيروبي، وتم جلبه مخدراً إلى تركيا لمحاكمته.

منذ تلك اللحظة، وأوجلان في سجنه، يقود تنظيمه، بعد صدور حكم تركي قضائي تخفيفي بالحكم عليه من الإعدام إلى المؤبد، وكان قد وضع في الحجز الانفرادي في بحر مرمرة في جزيرة أمرالي، وفي العام 2006 أصدر أوجلان دعوة لمناصريه لوقف إطلاق النار، وبدء التفاوض مع الأتراك من أجل التوصل إلى حل سياسي، وفي العام 2013 دعا أوجلان حزب العمال الكردستاني إلى وقف إطلاق النار ضد الحكومة التركية وسحب مقاتليه من شمال العراق.


أوجلان والثورة السورية


لم ينس أوجلان خيانة حافظ الأسد له، وفي سجنه أجرى مراجعات كثيرة للماضي، وطوّر فكره، وأنتج العديد من الكتب والدراسات اللافتة، وبدأ يتحدث عن “الجمهورية الوطنية الديمقراطية”، ولذلك فقد كان من أول المؤيدين لثورة الشعب السوري، من داخل زنزانته، وقد نقل شقيقه محمد أوجلان بعد لقائه معه في سجنه في أمرالي، أن زعيم حزب العمال الكردستاني أشار إلى أن “انتصار ثورة الحرية في سوريا وغرب كردستان يتحقق عبر النضال المشترك بين الشعوب”، وقال أوجلان: “القضية لن تحل بتحرير ستة مدن فقط، يجب أن يتطور النضال المؤسساتي على أساس مبدأ أخوّة الشعوب. ويجب على شعبنا أن يكون على تواصل مع الشعب العربي والمسيحي وكل الشعوب الأخرى، فالإدارة الذاتية تتحقق بالنضال المشترك بين الشعوب، فما يحدث في سوريا اليوم يفسح الطريق أمام مخاوف كبيرة، ولإزالة هذه المخاوف يتوجب على جميع الشعوب أن تتوحد، وعلى العكس إن لم يتم خوض نضال مشترك فإن القضية لن تحل”.

ولكن على الأرض كان الأمر مختلفا، فقد نفّذ صالح مسلم وهو رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي، سياسة مختلفة عن إرادة أوجلان، بالتحالف مع بشار الأسد، والمشاركة في هيئة التنسيق، وإقامة اتفاقات أمنية لتزويد نظام الأسد بالنفط من حقول رميلان وحماية المنشآت وتماثيل حافظ الأسد ومحاربة الجيش الحر والكتائب الكردية المعارضة التي تشكلت ضد نظام الأسد في منطقة الجزيرة.

أصبحت سياسات حزب العمال الكردستاني تدور من جديد في فلك أوجلان الشاب، الذي كرّس اللعب على تناقضات المنطقة


اختطاف حزب العمال من يد أوجلان


ويبدو من خلال التحليل المعمق للتناقض ما بين مواقف أوجلان من سجنه، ومن ينفّذ سياسات حزب العمال الكردستاني، وفرعه السوري بقيادة مسلم، أن أوجلان قد تم عزله عن القيادة وإبقاؤه رمزياً قائداً للحزب، بينما يتحكم بمنظومة حزب العمال مجموعة من القادة العنصريين الميكيافيليين، الذين رفضوا وضع أيديهم بيد المعارضة السورية من جهة، ورفضوا التعاون مع الأحزاب السياسية الكردية المعارضة من جهة أخرى، ورفضوا التعاون مع حكومة الرئيس مسعود البارزاني في كردستان العراق.

وأصبحت سياسات حزب العمال الكردستاني تدور من جديد في فلك أوجلان الشاب، الذي كرّس اللعب على تناقضات المنطقة، في الوقت الذي يرغب هو في إقامة سلام مع الأتراك يحقق المكاسب للشعب الكردي في كردستان تركيا، تزيد المجموعة التي تحكم التنظيم من تصعيد العلاقات والارتهان لسياسات مغايرة، فكتب الكاتب الكردي السوري هوشنك أوسي: “هل يعلم أوجلان، حقّاً، ما يقوم به حزبه في سوريا؟ هل هنالك من يقول له إن ذهنيّة التخوين هي ما يحكم أداءه داخل سوريا وخارجها، وأن ممارساته هي على الضدّ تماماً مما يطرحه أوجلان من أفكار ومشاريع سياسيّة وفكريّة؟ هل يعلم أوجلان أن حزبه يمارس العنف ضدّ الكرد السوريين المختلفين معه؟ وأنه يعتقل النشطاء والسياسيين والصحافيين، ويقتل المدنيين في مدينة عامودا وكوباني؟ هل يعلم أن رهان حزبه على نظامي الأسد وطهران خاسر، وأن حزبه يشنّ حرباً إعلاميّة وسياسيّة شعواء على الديمقراطي الكردستاني، ومسعود البارزاني، ويتهمه بالخيانة؟ هل أوجلان راضٍ عن محاولات شيطنة بارزاني التي يمارسها العمال الكردستاني منذ أشهر، وعن وضع كرد سوريا في مواجهة كرد العراق؟ متى كان إيجاد حلّ للقضيّة الكرديّة في تركيا، يمرّ عبر تدمير كردستان العراق وتخوين وشيطنة قيادتها؟ وهل يعلم أوجلان أن حزبه تسيطر عليه دوغمائيّة حزبيّة شديدة التطرّف، ما يهدد القضيّة الكرديّة في أجزاء كردستان الأربعة، وأن حزبه، في إطار الدفاع عن زعيمه بشكل مبتذل، يشوّه صورته ويحوله من زعيم كردي مناضل إلى ستالين جديد؟ إنّ على أوجلان أن يرفض تحويل الحزب له إلهاً يُعبد”.

وفي الوقت الذي اندفع تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في تنفيذ سياسة استخباراتية موسعة، ليواصل توسيع الجيب الذي يحتلّه باحتلال مدينة كوباني (عين العرب) التي يتمركز فيها مقاتلو ومقاتلات حزب الاتحاد الكردي، قامت حملة كبرى لنصرة المدينة، قادها حزب العمال الكردستاني ورفعت صور أوجلان أكثر من اسم المدينة، بينما كانت داعش تتقدم من العاصمة العراقية بغداد، حيث لم تبق سوى كيلومترات قليلة لتجتاحها كما اجتاحت قوات الحوثيين صنعاء، والمشهد يرصد محاولات صالح مسلم الانضمام إلى الحملة الدولية لمحاربة داعش، ليكون ذراعاً لبشار الأسد داخل المجتمع الدولي، بينما أظهر التحالف عجزه عن الدفاع عن المدينة، ورفضت تركيا السماح لقوات حزب العمال الكردستاني باجتياز حدودها لنصرة المدينة المحاصرة وبدأ سكانها العزل بالنزوح عنها نحو الأراضي التركية.

فهل الصورة التي تظهر أوجلان وهو يحرّك صالح مسلم كدمية تعبّر عن الواقع فعلاً؟ أم أنها من صناعة القادة الذين سرقوا مشروع أوجلان ويدمرون بتعصبهم بنية الثورة الكردية الطويلة وثورة الشعب السوري الواحد؟

8