أوجه التشابه والاختلاف بين حكومة المشيشي الفتية وحكومة الفخفاخ

حكومة هشام المشيشي ستصطدم برهانات وتحديات لم يفلح سلفه إلياس الفخفاخ في حلحلتها وفي مقدمتها الملفات الاقتصادية والصحية والاجتماعية.
الجمعة 2020/09/18
عبء ثقيل

جاءت حكومة هشام المشيشي الفتية في ظروف شبه مماثلة لحكومة إلياس الفخفاخ السابقة والتي تعهدت بإجراء إصلاحات عميقة، لكنها لم تمكث طويلا في سدة الحكم، ما يزيد في صعوبة مهمة حكومة المشيشي التي وضعت على كاهلها كل التراكمات السابقة.

تونس- تدفع حساسية المرحلة التي تعيشها تونس إلى التساؤل عما إذا كانت حكومة هشام المشيشي ستواصل انتهاج نفس الإصلاحات التي بدأتها حكومة سلفه إلياس الفخفاخ، أم أنها سترسم لنفسها خططا استراتيجية أخرى في مجابهة الصعوبات التي تعترضها.

ويفرض الواقع التونسي بجدية إجراء إصلاحات عاجلة في ظل وجود عدة ملفات حارقة، فضلا عن تدهور اقتصادي ومالي ومشهد سياسي مأزوم تغذيه المشاحنات والتجاذبات.

ودعا حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، حكومة هشام المشيشي الخميس إلى “مواصلة الإصلاحات التي بدأتها الحكومة السابقة (حكومة إلياس الفخفاخ)، وإلى فتح حوار اقتصادي واجتماعي موسع يهدف إلى توحيد الصف الوطني حول ثوابت وبرنامج إنقاذ وطني” اعتبره الحزب “الكفيل باسترجاع ثقة المواطنين والفاعلين الاقتصاديين في الدولة”.

وعبر الحزب، الذي كان رئيس الحكومة السابق المستقيل إلياس الفخفاخ، من قيادييه إلى حدود يناير الماضي، عن “تخوفه من الوضع الحالي في تونس”، واصفا حكومة هشام المشيشي التي حظيت بثقة البرلمان يوم غرة سبتمبر الجاري بأنها “حكومة كفاءات إدارية من دون برنامج واضح وخيارات معلنة وواضحة للإصلاحات الضرورية لإنقاذ البلاد من الأزمة الاقتصادية الخانقة”.

واعتبر حزب التكتل أن حكومة المشيشي لها “حزام برلماني هجين يغلب عليه الطابع الانتهازي والليبرالي”.

باسل الترجمان

وخلفت حكومة هشام المشيشي حكومة إلياس الفخفاخ الذي كلف في يناير 2020 بتشكيلها، لكنه قدم استقالة تلك الحكومة منتصف يوليو 2020، وذلك على خلفية شبهات تضارب مصالح وفساد.

ويبدو أن حكومة المشيشي، التي ولدت بعد مخاض سياسي عسير، ليست أوفر حظا من سابقتها من حيث الظروف التي وضعت فيها والوضعيات التي ستشتغل فيها، وتصطدم برهانات وتحديات لم يفلح الفخفاخ وفريقه الحكومي في حلحلتها (رغم محدودية التجربة الحكومية) وفي مقدمتها الملفات الاقتصادية والصحية والاجتماعية.

ويرى مراقبون أنه من الضروري توفير مناخ سياسي ملائم بين مختلف الأطراف حتى يتسنى للحكومة القيام بمهمتها “الصعبة” ويساعدها في خلق استقرار ظل غيابه مرافقا لكل الحكومات المتعاقبة.

لكن هناك صراعا جليا بين رؤوس السلطة وخصوصا الرئاسة التونسية متمثلة في الرئيس قيس سعيّد، وأحزاب البرلمان وفي المقدمة حركة النهضة وكتلة قلب تونس.

وهو خلاف يراه البعض محاولة من الرئيس التونسي لتغيير موازين القوى في النظام السياسي بتغليب كفة الرئاسة على المؤسسة التشريعية، مقابل محاولات الاستحواذ على صلاحيات أوسع تسهل العمل الحزبي والبرلماني معا.

وأكد المحلل السياسي باسل الترجمان “أن حكومة المشيشي لا تحتاج إلى سند سياسي لأنها حكومة لا حزبية جاءت بعد 10 سنوات من الخراب الذي تسببت فيه الحكومات الحزبية”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “من يريد عرقلة حكومة المشيشي سيتحمل العواقب في ما بعد لأن الاشتباك القادم لن يكون مع الحكومة بل سيكون بين الأحزاب والشعب التونسي”.

وفي استعراض الفوارق بين الحكومتين (الفخفاخ والمشيشي) قال  ترجمان “قبل المصادقة على حكومة الفخفاخ ورد على لسان القيادي بالنهضة نورالدين البحيري وجود ملفات ضد الرجل، وعندما اصطدمت حركة النهضة مع شركائها (التيار الديمقراطي وحركة الشعب) أرادت توسيع الحزام السياسي بضم قلب تونس إلى الحكم.. لم تكن القضية تعني الشعب التونسي بل كانت هناك مصالح ضيقة.. واليوم هناك تحالف ثلاثي جديد بين أعداء الأمس ولا يملك مصداقية سياسية”.

وتهدد الخلافات المؤسساتية العميقة (الرئاسة والبرلمان) وحدة الدولة في هذا الظرف الدقيق مع عودة الاستهداف الإرهابي، فضلا عن أزمة اقتصادية خانقة عمقتها جائحة كورونا التي رمت بثقلها على المشهد.

معز الجودي

 وتواجه الحكومة التونسية الجديدة صعوبة في كسب ثقة الشعب الذي لم يعد يثق كثيرا في النخبة السياسية ولم يعد له حماس كبير تجاه الأحزاب، وهو ما ظهر جليا في النسبة الضعيفة التي تم تسجيلها في الانتخابات الجزئية التي شهدتها بعض البلديات التونسية الفترة الماضية.

وتعاني تونس من وضعية اقتصادية صعبة مع بلوغ الدين العام 80 مليار دينار تونسي، بينها مبلغ 7.5 مليار دينار (حوالي 2.5 مليار يورو) يجب سدادها في 2020 إلى جانب ارتفاع معدّل البطالة الذي بلغ 18 في المئة.

 ويبدو أن التحدي الاقتصادي سيكون الأصعب على حكومة المشيشي في ظل وجود مطالب اجتماعية كبيرة تؤرق كاهل الدولة، منها انقطاع تزويد البترول والغاز في الجنوب التونسي والديون المستحقة لشركة سوناطراك الجزائرية بخصوص توليد الكهرباء في تونس.

وقال الخبير الاقتصادي معز الجودي “إن الظرف الاقتصادي دقيق جدا حسب الأرقام الثلاثية الثانية للمعهد الوطني للإحصاء (21.3 في المئة نمو اقتصادي)، فضلا عن صعوبات في مستوى المديونية وعجز الميزان التجاري ومناخ الأعمال السلبي الذي لا يشجع على الاستثمار”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “حكومة المشيشي جاءت في ظرف تعطيلات الإدارة والصناديق الاجتماعية وتعطل العجلة الاقتصادية، والتحديات التي تنتظرها من الحجم الثقيل”.

وأشار الجودي إلى وجود حزمة من الإجراءات العاجلة وأهمها اللجان الدستورية وقانون المالية، فضلا عن توفير الأمن للمستثمرين وضرورة القيام بإصلاح جبائي ومنظومة الدعم، بالإضافة إلى بث رسالة ثقة مع المواطن وتفعيل كل هذه الإجراءات.

وأكد الجودي “على وجود فوارق بين حكومتي الفخفاخ والمشيشي”، معتبرا أن “حكومة الفخفاخ كانت لها إمكانيات للإصلاح بطريقة أسرع وكان يمتلك حزاما سياسيا لكنه لم يحسن استغلاله لتأتي شبهة تضارب المصالح.. في المقابل حكومة المشيشي مستقلة عن الأحزاب وجاءت بعد تداعيات جائحة كورونا على الاقتصاد الهش والمتدهور”.

 وأكد أحدث تقرير للبنك المركزي التونسي أن جائحة كورونا سببت لتونس أسوأ تراجع في اقتصادها منذ استقلال البلاد عام 1956، بمعدل ناقص 4.4 في الناتج المحلي الإجمالي هذا العام.

اعتبر حزب التكتل أن حكومة المشيشي لها "حزام برلماني هجين يغلب عليه الطابع الانتهازي والليبرالي"

وربط باسل الترجمان في معرض حديثه مسألة نجاح حكومة المشيشي بـ”ضرورة محاربة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة.. لا يمكن أن يكون هناك إصلاح اقتصادي دون وجود مواجهة حقيقية وصادقة مع الفساد“.

واعتبر أن “الإصلاحات التي دعا إلى اتباعها حزب التكتل قام بها الفخفاخ وكانت إصلاحات في الشكل وليست في العمق لأنها لم تنبن على التصدي للفساد وتفكيك رموزه”.

وتعيش تونس منذ انتخابات أكتوبر 2019، أزمة سياسية طاحنة تعطل بمفاعيلها أداء مؤسسات صنع القرار السياسي، وخلال أقل من عام سقطت ثلاث حكومات.

ومنذ الانتخابات الماضية تعيش مؤسسات الدولة شبه شلل بسبب استخدام الأطراف السياسية لميكانيزمات نظام دستوري شبه برلماني شبه رئاسي في الصراع بينها.

4