أوجين يونسكو: الثورة الإيرانية أنتجت أناسا يمارسون القهر والظلم

الأحد 2014/03/30
أوجين يونسكو أحد رواد مسرح العبث أو مسرح اللامعقول

ميونيخ - في شتاء عام 1987، جاء إلى ميونيخ الكاتب المسرحي الكبير أوجين يونسكو لإلقاء محاضرة عن أدبه في المركز الثقافي الفرنسي. وكان مرفوقا بزوجته وبابنته. وبسبب المرض والشيخوخة، كان يتحرك بصعوبة. وبعد المحاضرة، طلبت منه إجراء لقاء صحفي، فتردّد في البداية، ثم قال لي باسما: “ليكن، أنا لم أتحاور مع أيّ صحفي عربي من قبل. فلتكن أنت الأول، وربما الأخير!”. وقد ظلّ حواري معه، لأسباب متصلة بظروف الغربة والترحّل، ساكنا أوراقي حتى عثرت عليه مؤخرا.

صباح اليوم التالي للمحاضرة، التقيت بأوجين يونسكو، في الفندق الذي نزل فيه في حيّ “شوابينغ” في قلب ميونيخ. والحوار الذي أجريته معه يبدو عاكسا لقضايا اليوم على مستويات متعدّدة، السياسيّة منها بالخصوص.

معلوم أن أوجين يونسكو ولد في “سلاتينا” برومانيا في السادس والعشرين من شهر نوفمبر- تشرين الثاني 1909. وعندما بلغ عمره عاما واحدا انتقل مع والدته تيريزا ليعيش في باريس. وكان جدّه فلاّحا. أما والده فكان محاميا. وعند بلوغه سنّ التاسعة، أخذته والدته صحبة أخته الصغيرة إلى منطقة “مايان”.


الفيلسوف والمارشال


وعن تلك الفترة يقول يونسكو: “غادرت مدرستي الباريسية خلال السنة الدراسية. كنت مريضا، ومصابا بفقر الدم. لذا أخذوني إلى الريف لكي أستعيد صحّتي”، وهناك، مثل كلّ الأطفال، حلم بأن يكون قديسا أو مارشالا، يقول: “كنت أريد أن أكون قديسا. ذلك كان أكبر مجد بالنسبة إليّ. لم أكن أرغب في أن يكون مصيري غامضا في المستقبل. كنت أقرأ في الكتب الدينية – وكان ذلك يبعث الضجر في نفسي- إنه ليس ضروريا البحث عن المجد، ذلك أن الإنسان لا يعيش في الأرض من أجل ذلك فقط. وعندئذ انتبهت أنه ليس بإمكاني أن أكون قديسا. بعد ذلك قرأت كتبا جعلتني أشعر أنه بإمكاني أن أكون مارشالا!”.

حال عودته إلى باريس، كتب أولى مسرحياته، وكانت بعنوان “وطنيّة”. وفي سن الثالثة عشرة، عاد إلى رومانيا بصحبة عائلته، وانشغل بتعلم اللغة الرومانية، يقول يونسكو: “كنت جميلا عندما كنت صغيرا. ومن سنّ العاشرة وحتى سنّ الثانية عشرة، كنت أعرف ذلك. والناس كانوا يقولون لي إنني صبيّ جميل. وفي سن الثالثة عشرة، بدأت أصبح قبيحا، وفقدت عيناي بريقهما، وكبر أنفي، وغلظت شفتاي. وكان عليّ أن أتقبل الوضع الجديد، وأن أعيش قبيحا في هذا العالم. مع ذلك لم أفقد حبي وتقديسي للجمال”. وفي تلك الفترة، انفصل والداه. وقد ترك ذلك الانفصال تأثيرا كبيرا في نفسه.

بعد ذلك انتسب يونسكو إلى جامعة “بوخارست” ليعدّ الماجستير في اللغة الفرنسية. وأثناء سنوات الدراسة الجامعية، كتب أولى قصائده، عن هذه المسألة يقول: “الأعمال الكبيرة تولد دائما من خلال عواطف بسيطة وساذجة، تكاد تكون بيولوجية. وهذه واحدة من الحقائق النادرة، والمطلقة التي يمكن تأكيدها بالنسبة إلى الفن”.

يونسكو: الفن يقرب بين الناس أما السياسة فتفصل بينهم


ولادة المغنية الصلعاء


في عام 1936، تزوج يونسكو طالبة في قسم الفلسفة. وفي عام 1938 حصل على منحة دراسية ساعدته على العودة إلى فرنسا لاستكمال أطروحته حول “مفهوم الخطيئة والموت في الشعر الفرنسي منذ بودلير”. لكن عند وصوله إلى باريس، قرر التخلي نهائيا عن تلك الأطروحة.

وفي ربيع عام 1939 كتب يونسكو يقول: “أخبار سيئة في الصحف. ربما تندلع الحرب مرة أخرى. هل أوروبا تحتضر؟ أخشى أن يكون ذلك نهاية كل شيء. الموت هو الحاضر الأخير والنهائي في الباخرة التي تغرق. أعيش برعب يتضاعف في كلّ لحظة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الآخرين. هل أبكي مصيرهم أم مصيري؟ أتخيّل نفسي حضارة تنهار، وتتكوّم أنقاضا. ندم حاد وعنيف يجتاحني. موت كل شيء هو موتي أنا أيضا”.

أمضى يونسكو فترة الحرب في مرسيليا حيث عمل مصحّحا في إحدى دور النشر. وفي ربيع عام1949، قرّر تعلم اللغة الإنكليزية، وبها كتب مسرحيته الشهيرة “المغنيّة الصّلعاء”. بعدها أصبح مرتبطا بـ”مسرح العبث”، أو “مسرح اللامعقول” ليصبح أحد رواده الكبار إلى جانب بيكيت وأداموف وآخرين. وقد توفي يونسكو عام 1994.

كآبة شيخ


عند إلقائه محاضرته في المركز الثقافي الفرنسي، بدا يونسكو متشائما، وهو أمر لاحظه أغلب الحاضرين، عن هذه المسألة يقول:” الكتابة كانت بالنسبة إليّ ممارسة يومية. كما أني كنت أقرأ كثيرا سابقا. لكن منذ سنوات عزفت عن القراءة وعن الكتابة معا. ثمة ما يقول لي بأنه لا شيء ينقذني من هذه الكآبة التي تنهش نفسي منذ فترة طويلة. حتى الكلام لم يعد محتملا في عالم يزداد بشاعة وقسوة يوما بعد يوم. العالم كان دائما غير محتمل”.

ويضيف قوله: ” أما الآن فقد أصبح لا يطاق! وأنا أتساءل كلّ يوم حين أنهض عن سبب كلّ هذا الحقد بين الشعوب، وبين الأمم، وبين الأفراد أيضا. كما أتساءل عن أسباب هذه الحروب، وهذه الفواجع التي تعيشها الإنسانية يوميا. ومثل الأمير ميشكين، بطل رواية “الأبله” لدستويفسكي أتساءل لماذا لا يعيش الناس في محبة ووئام، من دون هذا التناحر، وهذه الكراهية. إن تشاؤمي ليس ناتجا عن شيخوختي، ولا عن أمراضي، وإنما عن موقفي مما يحدث يوميا في هذا العالم الذي أصبح كئيبا بدرجة لا تطاق!”.

ولكل ذلك سألته إن كان هذا يعني أنه لم يعد هناك أمل بالنسبة للإنسانية، أجابني قائلا: "لست أدري، لكني أقول بأنه على الأجيال الجديدة ألاّ تبحث عن التغيير في الثورات، وفي الانقلابات الدمويّة، وانما في المحبّة والسّعي إلى إقامة علاقات وديّة بين الناس وبين الطبقات".

وجرّتني إجابته إلى سؤاله إن كان يتوجّب على الأجيال أن تحدّد مصائرها عبر الثورات، فردّ بقوله: "لا بدّ أن أعترف بأن كلمة ثورة باتت ترعبني، الناس يقومون بثورات منذ ثلاثة قرون تقريبا، الثورة الفرنسية والثورة الألمانية والثورة الروسية والثورة الصينية والثورة الفيتنامية وأخيرا الثورة الإيرانية . لكن مع الأسف كلّ هذه الثورات لم تجلب سوى المزيد من الكوارث للشعوب وللأفراد على حد السواء، بل إنها ضاعفت حالات الظلم والقهر والاستعباد. الثورة التي كانت تعني في البداية التحرّر والعدالة والمحبّة انقلبت إلى عمليّات انتقام ونهب فظيعة، وأصبحت وسيلة يستعملها البعض ليضاعفوا من آلام الناس، ومن محن الشعوب.

يونسكو يبدو محرضا على ممارسة الفن

اُنظر إلى إيران الآن، إنه شيء لا يصدّق. لقد أصبحت أخاف أن أشغّل الراديو أو أفتح جريدة. والأغرب من كل هذا أن الذين يقومون بثورات هم أنفسهم الذين تعذبوا، وعرفوا القمع، والإهانة. مع ذلك هم يتمادون في ممارسة كل هذا بأشكال قد تكون أشد فظاعة من ذي قبل. الآن أنا مع الشعار الذي رفعه "الهيبيون"، والذي يقول: "مارسوا الجنس ولا تمارسوا الحب!".


أزمة ثقافة


بدت لي هذه المواقف كدعوة إلى انتحار جماعي، ولكن يونسكو يقول: ”لقد عبّرت عن رأيي. أما مسألة الانتحار فهذه مسألة أخرى قد تعني ربما فرقا أو تجمعات دينية مثل تلك التي توجد في أميركا. أنا تحدثت عن التشاؤم. وأنت ترى أني أعيش رغم أمراضي بكل هذا التشاؤم وبكل هذه الخيبة التي تعصف بروحي. بل عليّ أن أضيف بأنه من الضروري أن تحافظ الأجيال الجديدة على الصفاء وعلى الهدوء في هذا العالم المجنون، هذا العالم الذي هو عبارة عن “حكاية يرويها معتوه، مليئة بالصخب والعنف، كما يقول شكسبير”.

وعن رأيه في الذين يتحدثون عن أزمة ثقافية في العالم، يقول يونسكو: ” نعم، هناك أزمة كبيرة في مجال الخلق والإبداع اليوم. مع ذلك أعتقد أن المثقفين والفنانين عموما مايزالون هم الوحيدون الذين يحاولون إنقاذ ما يجب إنقاذه. أنت تعلم أنهم-أي المثقفون والفنانون – كانوا دائما يتصدون للأزمات بل ويتنبّؤون بها قبل وقوعها. هناك اليوم في فرنسا مثلا، كتّاب ومفكرون يعيدون النظر في العديد من المشكلات الفلسفية، ويحاولون فهم ما يحدث في عالم اليوم. وأنا أعتقد أن أعمالهم موفقة إلى حدّ ما”.

وعن الصوفية والمتصوفين، واهتمام يونسكو بهذا المجال، يقول: “إن شهادات الصوفيين تثير اهتمامي منذ سنوات عديدة. وأنا أقرؤها من حين إلى آخر، وأعتقد أني وجدت فيها أجوبة عن الأسئلة التي تشغل بالي في هذه الفترة الصعبة من حياتي”.

ويضيف قوله: ”أعتقد أن أعمال المتصوفة كتبت في مراحل صعبة من تاريخ الإنسانية. وهي أعمال تعكس تشاؤما جماعيا، وقلقا روحيا كبيرا. وأنا أقول إنه من الضروري دراسة أعمال هؤلاء المتصوفة في الفترة الراهنة لكي نقدر على أن نظلّ متماسكين أمام كوارث اليوم، وعن المتصوفين الذين أهتم بهم فإنهم مسيحيّون في أغلبهم مثل “تيريزا دي أفيلا” و”القديس خوان” و”فرانسوا داسيز” وربما أيضا “القديس أوغسطين”.

وعن المتصوفة العرب ومدى اطلاعه على آثارهم، يقول:” لا أبدا، هل تسمي لي البعض منهم؟ فذكرت له الحلاج والنفري وابن عربي وابن الفارض، وذكرت له أن أعمالهم مترجمة إلى اللغة الفرنسية ومعرّف بها، فأجابني يونسكو قائلا: ” سأحاول الاطلاع عليها إن أمكن ذلك. فأنا أريد أن أضيف بأن الشيء الآخر الذي يقرب الإنسان من المطلق، إضافة إلى التصوف، همّ الفن. الفن في رأيي همّ استكشاف للمطلق وللإلهي والحقيقي. الفنّ يقرّب بين الناس، أما السياسة فتفصل بينهم”.


بريئا من الكتابة


في كتاباته وفي مسرحياته يبدو وكأنه يبدي اهتماما بمآسي العالم، فهو يمزح ويضحك بالرغم من أن المواضيع التي يبحث فيها سوداء، يقول يونسكو في هذا الشأن: ” لقد كنت أتصور أن العالم هو عبارة عن مسرحية يغلب عليها التهريج والمرح. غير أنها مسرحية مؤلمة للغاية وأنا كنت أرغب في أن أقول من خلال مسرحياتي إنه علينا أن نضحك ونضحك ونضحك من كلّ ما يجري، وما يحدث أمامنا. أما في مسرحياتي الأولى فإني لم أضحك بما فيه الكفاية. الناس هم الذين اعتقدوا أنهم يشاهدون مسرحيّات تحرضهم على الضحك. أما أنا فقد كنت بريئا من ذلك. أظنّ أن المتفرجين لم يفهموا جيّدا ما كنت أقصده من خلال مسرحيّاتي التي لم تكن مرحة بالنسبة إلى الذين يعتقدون أن السخرية تعني المرح! في مسرحيّتي “الكراسي”، مثلا عبّرت عن مسألة العدم”.

يونسكو يبدو محرضا على ممارسة الفن، لكنه كان يقر بأنه لم يعد قادرا على الكتابة وعلى القراءة، يقول يونسكو في هذا الصدد: ” أنا لم أعد أؤمن بالكلمات لأنها أصبحت تعني لي ثرثرة في الوادي المقفر. لكني واصلت ممارسة الفن بطريقة أخرى. فأنا أرسم الآن. ذلك أن الرسم هو في رأيي الصمت المطلق. صحيح أن هناك في الرسم ضجيجا كبيرا. روبنز مثلا هو بالنسبة إليّ رسّام كبير غير أنه ثرثار إلى حد مزعج. يخيّل إليّ وأنا أتفرج على لوحاته أنه يثرثر. الرسم مرتبط بالصمت أكثر من كل الفنون الأخرى. وأنا الآن أفضّل العزلة التامة. ففي العزلة يتوفّر الخشوع والتأمل والحكمة”.

14