أوخينو آرياس صديق بيكاسو الذي لازمه في حياته ومماته

السبت 2016/01/09
حلاق أعرج عاش كبطل من أبطال الروايات

مدريد - ربما يكون حجم النبل والوعي الذي يسكن الروح هو أكبر وأوسع وأشمل من كل الشهادات الأكاديمية، وتكون التربية والمرجعية الأخلاقية والظروف التي تتغير في الحياة هي ما يصنع الأشخاص ويعطيهم قيمهم وأولوياتهم.

أوخينو آرياس طفل ولد في قرية بويتراغو شمال مدريد في أسبانيا عام 1905 لأب خياط يمتلك روحا شغوفة بالحياة وقلبا طيبا. ولأم كانت راعية الغنم في هذه القرية وكانت تعشق البراري وصدقها. لكن كل هذا لم يكن يكفي لتعيش هذه العائلة في أصعب فترة اقتصادية مرت بها أسبانيا، لقد ولد أوخينو آرياس في الزمن الخطأ. ترك المدرسة التي كان فيها ملهما لمدرّسيه لما يحمله من ذكاء فطري ومن قدرة على اختراع الفكاهة الطريفة والجميلة.

مدرسة البؤساء

في عمر الحادية عشرة ترك آرياس مدرسته وذهب ليتدرب عند عمه الذي كان يمتلك محلا للحلاقة. أربع سنين وأوخينو يتعلم الحلاقة ويتعلم معها الحياة، يتعلمها مبكرا من خلال تجربته المبكرة في العمل ومن خلال شخصية عمه الذي كان مثقفا وقارئا نهما إذ كان محل الحلاقة في جزء كبير منه هو عبارة عن مكتبة منتقاة لأفضل أمهات الكتب، فقد قرأ في محل الحلاقة فيكتور هيجو، وقد كان يقول “أنا تخرجت من مدرسة البؤساء”. قرأ ثيربانتس وقرأ الكثير من كتب الفلسفة ومن كتب النقد الفني، وسمع الكثير من النقاشات الفكرية والأدبية التي كانت تدور بين رواد المحل الذين كانوا يعتبرونه بيت الثقافة في بويتراغو تلك البلدة الصغيرة، قبل أن يتوفى العم ويرث أوخينو محل الحلاقة مع كامل المكتبة وكامل روادها وهو في عمر صغير. لكن الحياة قد حكمت عليه بأن يكبر أكثر من عدد سنواته الخمس عشرة.

استمر دكان الحلاق والمكتبة واستمر روادها من البلدة ونقاشاتهم والكتب الجديدة التي يحملونها ويتداولونها بينهم. تعلق آرياس بالمسرح وقرأ الكثير عنه، لدرجة أنه مثّل في مسرحية كان مخرجها هو مدير التعليم المحلي الذي كان أحد رواد المحل الدائمين. وقد أثبت آرياس في المسرحية قدرة تمثيلية وروحية مؤثرة وهذا ما جعله محط إعجاب في البلدة.

آرياس هو الأسباني الوحيد الذي حضر وفاة بيكاسو والذي بكاه بحرقة كما يبكي الطفل عائلته، لفه بعلم أسبانيا الذي أرسلته له أمه من أسبانيا، وسهر طيلة الليل بجانبه قبل أن يسكن مرقده الأخير تاركا كل الألوان ذاهبا فقط للأسود والأبيض

خلية حمراء ومقاومة

آرياس يقول إنه قضى الوقت في محل الحلاقة الخاص به وهو يقرأ كتب اليسار. أسس على إثرها أول مجموعة للحزب الشيوعي في بلدته في العام 1931، وتعامل مع الكثيرين من القادة العسكريين في فترة الحرب في أسبانيا وحارب من أجل انتصار الجمهوريين وأصيب في قدمه ما جعله يقضي باقي العمر وهو أعرج. لكنه كان يعرف الطريق جيدا.

في عام 1936 سقطت الجمهورية في أسبانيا، وبدأ فرانكو بملاحقة كل الجمهوريين. لذا هرب آرياس إلى فرنسا يحمل معه أحلامه ووجعه ورجله المعطوبة وأصابعه الماهرة وعشق أسبانيا الذي لا ينتهي، لكنه لم يكن ليعرف أن كل هذا سيجعل اسمه باقيا في التاريخ أكثر من الملايين الذين يحملون الشهادات.

في فرنسا انضم فورا إلى المقاومة وشارك في كل اجتماعاتها وفي تولوز كرّم كأهم الأسبان الذين قاتلوا النازيين في أسبانيا، وفي فرنسا التقى بيكاسو، الاسم الفني الأشهر في تاريخ الفن، وذلك بعد أن انتهت الحرب العالمية. افتتح آرياس مجدداً محلا للحلاقة في بلدة بياريوس التي كانت أيضا البلدة التي فيها بيت بيكاسو.

هاربا مع بيكاسو

حين التقيا للمرة الأولى كان كل منهما قد سمع عن الآخر وأحسا أن الكثير يجمعهما، فكلاهما يعشق أسبانيا، وكلاهما هارب من دكتاتورية فرانكو، وكلاهما ميال للأفكار الاشتراكية وكلاهما جمهوري، كلاهما مقهور مهجّر عن بلده وحياته، كلاهما شارك في المقاومة الأسبانية.

هكذا ومع الفارق الكبير بين أهم رسام في زمنه وبين حلاقه البسيط، صارا صديقين حقيقيين. وصار كل واحد منهما يمثل وطن الآخر الضائع. يمثل اللغة التي يعشقها وخفة الدم والدماثة التي تميز الشخصية الأسبانية، وقهر الغربة والنفي. صار آرياس حلاق بيكاسو الدائم وصديق روحه الحافظ لكل أسراره. وصار الشخص الوحيد الذي يلتقي بيكاسو أسبوعيا والذي يرافقه لمشاهدة مصارعة الثيران التي كان التحدي فيها يمثل لبيكاسو تحدي الحياة، والشخص الوحيد الذي يستطيع دخول بيت بيكاسو وقت ما يشاء ليمضي معه سهرات طويلة يتناقشان فيها حول السياسية والرسم والآداب كما يتناقشان حول المقاومة الأسبانية ضد فرانكو وحول اللاجئين الأسبان في فرنسا.

اشترى بيكاسو لآرياس سيارة كي يستطيع المجيء إليه في أيّ وقت، وكان كلما ذهب لكي يحلق شعره، كان يحمل معه لوحة من لوحاته. ليس بدلا من دفع أجرة الحلاقة التي لا يقبل الحلاق بأخذها، وإنما عربونا دائما ومتكررا لصداقة حقيقية وعميقة.

أثمن ما يمكن أن يقدمه بيكاسو لصديقه هو لوحة أو قطعة فنية

بيكاسو لم يكن يفرّط في أيّ لوحة أو عمل فني له وكان شديد التعلق بأعماله، لكنه كان يعرف أن أثمن ما يمكن أن يقدمه لصديقه هو لوحة أو قطعة فنية، مهما كانت صغيرة. وكان كلما زاره، يرسم له إما على مقدمة كتاب أو على أحد الأواني الخزفية، وبعد كل مصارعة للثيران يحضرانها معا ولا تكون النهاية مؤلمة، يقوم بيكاسو برسم سريع ومدهش يمثل بهجته التي لم تكن توصف، وفي بعض، المرات كان بيكاسو يهدي صديقه الحلاق أغلى اللوحات مثل لوحة جاكلين زوجة بيكاسو وهي موقّعة باسمه.

حين تزوج آرياس من صديقته وزميلته المقاومة سيمونا فرانكوال في العام 1950 كان بيكاسو وزوجته الأخيرة جاكلين هما شاهدا الزواج. وقد أهداه لوحة أخرى هي عبارة عن بورتريه جديد لجاكلين كهدية لبيت الزوجية. هكذا مضت ست وعشرون سنة من الصداقة أو حتى الألفة. إذ أن أجمل أيامهما كانت حين يجتمعان ويذهبان معا إلى البارات، وهناك يغنّيان معا أغاني أسبانية ويبكيان بلدا حُرما من دخوله، يشعلان فتيل الحنين الذي لا يخبو ويلعنان النازية والدكتاتورية والظلم أينما حل، وبأيّ شكل حل، يشربان نخب الحياة ونخب أحلام العودة.

كنز آرياس

ست وعشرون سنة جمع خلالها الحلاق كنزا مذهلا من لوحات وقطع فنية ومنحوتات للاسم الذي شغل العالم. والذي تتهافت المتاحف والعواصم والصالات لاقتناء أيّ شيء موقّع باسمه، والأهم أنه جمع كنزا لا تقدر قيمته من ثقة وحب هذا الفنان الذي عرف عنه الصلف والقسوة في معاملة باقي الناس.

في العام 1973 توفي بيكاسو بعيدا عن بلده أسبانيا، توفي بعد حياة مليئة بكل شيء، وكان آرياس هو الأسباني الوحيد الذي حضر وفاته والذي بكاه بحرقة كما يبكي الطفل عائلته، والذي لفّه بعلم أسبانيا، الذي أرسلته له أمّه من أسبانيا، وسهر طيلة الليل بجانبه قبل أن يسكن مرقده الأخير تاركا كل الألوان ذاهبا فقط للأسود والأبيض.

بعدها عرض آرياس كل مقتنياته من أعمال بيكاسو في بلدة بياريوس الفرنسية وما إن وصل الخبر إلى الصحافة حتى تراكض مندوبو متاحف العالم عليه لشراء هذا الكنز. لكن آرياس كان دائما يقول إن يوما سيأتي، وسنستطيع أن نعود إلى أسبانيا وحينها ستكون هذه اللوحات في المكان الذي تستحقه، رافضاً مبالغ هائلة من المال عرضت عليه من قبل أثرياء العالم ومن دور الفن.

في عام 1975 مات فرانكو، وماتت معه مرحلة الدكتاتورية في أسبانيا، وهكذا حمل آرياس كل أعمال بيكاسو التي يقتنيها وعاد بها إلى أسبانيا. كانت اللوحات تعرف أنها ذاهبة إلى روح اليد التي رسمتها، مثلما كان آرياس يخاطبها كل الطريق وهو يربت عليها “ها نحن نعود، لقد مات الدكتاتور، وعاشت أسبانيا، ها نحن نعود معا كما حلمنا يا صديقي”.

حلاق بيكاسو وصديقه آرياس التزم الصمت تجاه علاقات بيكاسو الخاصة وبقي يقول إن الفنان الكبير اعتبر الفن أهم من الزوجات والأبناء

غرينيكا البشرية

عاد آرياس إلى بلدته الصغيرة وسمعة لوحات بيكاسو التي معه تسبقه. قوبل بكثير من الاهتمام وكثير جدا من العروض التي تريد شراء اللوحات وبأيّ ثمن، لكنه كان يقول هذه هدايا بيكاسو، والهدايا لا تباع.

بعد وصول آرياس إلى بلدته فقيرا مثلما غادرها، غنيا بتجربته النضالية وبتجربة صداقته مع بيكاسو، حمل كل ما يمتلك من أعمال لبيكاسو والتي تزيد عن ستين لوحة وأربعين قطعة معدنية مرسومة وسبعا وعشرين قطعة خزفية، وقدمها كلها لبلدية بلدته موصيا فقط أن تتحول هذه الثروة لمتحف يزوره الناس ويقصدون قريته الصغيرة البعيدة المهملة، وأن يبقى هكذا دائما وألا تباع ولا تنقل أيّ قطعة منه إلى أي مكان أبدا، وقد زوّد البلدية بمقابلة متلفزة تكلم فيها عن تفاصيل علاقته ببيكاسو وتحدث عن دعم بيكاسو للمقاومة ماديا ومعنويا، وعن دعمه المادي للاجئين الأسبانيين في فرنسا.

تحدث عن فترة انتماء بيكاسو للحزب الشيوعي وعن تاريخ رسم الغرينيكا التي بيّن فيها موقفه من كل النازيين في العالم، وعن مؤتمر السلام الذي دعا إليه بيكاسو، والذي كان سببا في رسم لوحة الحرب والسلام. تحدث أيضا عن علاقة بيكاسو بأصدقائه أمثال سارتر وسيمون دي بوفوار وإخلاصه لهما. وعن شغف بيكاسو الهائل بفنه وكيف كان دائما في المرتبة الأولى في حياته أكثر من كل علاقاته بما فيها الزوجة والأبناء. كان شديد الحرص على الحفاظ على أسرار بيكاسو الشخصية ورفض بشدة الحديث عن علاقات بيكاسو الغرامية المتعددة وكان يتهرب فقط بالإجابة بأن فنه كان أهمّ ما لديه.

توفي حلاق بيكاسو في الـ28 من أبريل عام 2008 وقد ودعته بلدته الصغيرة وأسبانيا كما يودّع الأبطال ولم يزل متحفه الذي افتتح في عام 1985 والمسمى متحف حلاق بيكاسو مفتوحا في بلدية قريته. ولم تزل كل اللوحات والأعمال الفنية معروضة فيها كما ترك في وصيته. وقد تحولت هذه القرية الصغيرة البعيدة إلى أهم الأمكنة السياحية في مدريد وتحوّل هو إلى أشهر وأنبل حلاقي العالم بعدما كان منسيا ككلّ الفقراء.

14