"أوديسة الفضاء" الفيلم - الأسطورة الذي فتح الباب لأفلام الفضاء

الفيلم لم يكن من أفلام الحبكة الهوليوودية المثيرة، بل هو عمل سينمائي فلسفي يطرح تساؤلات حول الإنسان في علاقته بالكون.
الأحد 2018/05/13
المحطة الفضائية أصبحت حقيقة بعد أن كانت خيالا

في يوم السبت، الثاني عشر من مايو، قدم المخرج البريطاني المرموق كريستوفر نولان العرض التذكاري لفيلم “2001.. أوديسة الفضاء” (1968) تحفة المخرج الراحل ستانلي كوبريك، في مهرجان كان السينمائي، في نسخة من مقاس 70 مم، أمام جمهور من عشاق المخرج الكبير الذي رحل عام 1999، وفي حضور عدد من أفراد أسرته. ولم يكن هناك أفضل من نولان ليقدم الفيلم الذي استخرج منه نسخة أصلية من المادة الأصلية التي صورها كوبريك صاحب التأثير الأكبر عليه.

كان فيلم “أوديسة الفضاء” عملا سينمائيا كبيرا غير مسبوق، وقد ظل لمدة خمسين عاما ملهما للكثير من السينمائيين، وترك تأثيره الكبير على أجيال من عشاق سينما الفن. لكن أحدا ممن حاول السير على درب “أوديسة الفضاء” لم يتمكن قط من بلوغ ما وصل إليه من تفرد وشموخ، فهو لم يكن مجرد فيلم من أفلام الحبكة الهوليوودية المثيرة، أو الشخصيات المتعددة التي تتصارع وتتناقض وتتقارب، بل هو عمل سينمائي فلسفي يطرح تساؤلات حول الإنسان في علاقته بالكون.

يتكون “أوديسة الفضاء” من أربعة أجزاء: الأول يدور في عصر ما قبل التاريخ الإنساني، والثاني في محطة فضاء تتمركز على سطح القمر، والثالث داخل سفينة فضاء في طريقها إلى كوكب المشتري، والرابع على المشتري نفسه في عودة مثيرة مدهشة تعتبر بمثابة نوع من الارتداد إلى البدايات الأولى.

الحوار في الفيلم قليل للغاية، والشخصيات محدودة، فليس المقصود دفع “الحبكة” أو تجسيد الصراع، بل التعبير عن ضآلة الإنسان في هذا الكون الشاسع. هناك صور تتعاقب للطبيعة والكون والآلة والإنسان، مقصود منها التعبير عن فكرة فلسفية، عن تلك العلاقة المعقدة بين الإنسان والكون، عن محاولة الإنسان المستمرة للكشف والاكتشاف والرغبة في المعرفة، خاصة بعد أن أدرك أنه ليس وحده في الكون. هذه الفلسفة يعبر عنها كوبريك، بالصورة والحركة والموسيقى، خالقا إيقاعا خلابا، في انتقاله من حركة إلى أخرى، ليس في سياق السرد القصصي، بل في بناء قريب من الباليه التعبيري الخالص.

كان فيلم "أوديسة الفضاء" عملا سينمائيا كبيرا غير مسبوق، وقد ظل لمدة خمسين عاما ملهما للكثير من السينمائيين، وترك تأثيره الكبير على أجيال من عشاق سينما الفن
كان فيلم "أوديسة الفضاء" عملا سينمائيا كبيرا غير مسبوق، وقد ظل لمدة خمسين عاما ملهما للكثير من السينمائيين، وترك تأثيره الكبير على أجيال من عشاق سينما الفن

القرد يكتشف السلاح

في الفصل الأول الذي يدور في ما قبل التاريخ، نرى القردة ترقص، تتقاتل، تتصارع على الطعام.. تكمن في الظلام قردة تنتظر في صمت.. عديمة الحيلة.. وبين حين وآخر ينفجر الصراع بين قبائلها المختلفة على مصدر الماء، وعلى الطعام. تكتشف القردة وجود عمود صخري غريب عن هذه البيئة الصحراوية القاحلة البدائية، ربما يكون أول دليل على وجود كائنات أخرى متقدمة في كوكب آخر. تتقافز القردة حوله، تصرخ، تقترب تلمسه في رهبة. لقد أصبح معبودها الذي تقدسه.. إنه السرمدي الذي سيمتد ويعاود الظهور في باقي فصول الفيلم.

في الفصل الثاني نشاهد محطة الفضاء ثم التحام السفينة بها. داخل المحطة مسافرون، مضيفات، مأكولات توزع على المسافرين، أجهزة تلفزيون، وسيلة اتصال سهلة مع الأرض عبر التليفون المرئي. ولعل كل ما نشاهده في الفيلم من تصميمات هائلة للديكورات داخل سفينة الفضاء، من أجهزة وأدوات تبدو اليوم وكأنها نبوءة من الماضي فقد أصبح الكثير منها أمرا واقعا اليوم.

الاجتماع الذي يعقده الخبراء يكشف عن وجود مشكلة طرأت أخيرا، تستدعي المناقشة بين المسؤولين عن إدارة المحطة الفضائية، لابد أنها تتركز في ظهور هذا الجسم الصخري الغريب الغامض، الذي يصدر موجات كهربائية خاصة، وتتأكد هذه الرؤية عندما نرى فريقا من الباحثين يتطلع إلى عمود حجري مشابه لما اكتشفه القرود في الجزء الأول، ولكن في مكان ما على سطح القمر. إنه قد يكون بمثابة تحذير قادم من سكان المشتري الذين تشير الدلائل إلى وجودهم تحت قشرة الكوكب بفعل قوة مغناطيسية جبارة. يتكرر كثيرا فالس الدانوب الأزرق ليوهان شتراوس بحيث يخلق مسافة ذهنية بين المشاهد والصور، لاستبعاد التأثير الانفعالي ومنح المشاهد الشعور بالانتقال إلى الفضاء.

فكرة الكائنات الفضائية

يدور الجزء الثالث داخل سفينة الفضاء “ديسكفري” التي أرسلتها الحكومة الأميركية إلى المشتري للعثور على هؤلاء السكان الموجودين هناك الذين يتجاوزون الإنسان بعلمهم وسيطرتهم على التكنولوجيا المتقدمة. فكرة تفوق الكائنات من سكان الكواكب الأخرى كثيرا على الإنسان وأنها تسعى للتخاطب معه وربما تحذيره، تكررت في ما بعد في أفلام أخرى كثيرة مثل فيلم سبيلبرغ “لقاءات قريبة من النوع الثالث” و”إي تي” وغيرهما.

السفينة المتجهة إلى المشتري بداخلها بعض رواد الفضاء ومعهم العقل الإلكتروني أو الكومبيوتر العملاق الذي ينتمي إلى فصيلة هال 9000 والذي يقال إنه مصمم بحيث لا يوجد أدنى احتمال لوقوعه في الخطأ. إنه نموذج للكمال العلمي. وهو الذي يرشد ديف وزميله فرانك إلى ما يجب عليهما أن يفعلاه، بينما يرقد ثلاثة آخرون من زملائهم في حالة السبات الفضائي.

تتضح المشكلة عندما يعلن الكومبيوتر العملاق “هال” تمرده على الإنسان، بعد أن اكتسب مشاعر إنسانية تدور حول الخوف والغيرة والغضب والرغبة في القتل، فهو يرفض الانصياع للتعليمات، ويتسبب مباشرة في موت فرانك بعد أن يرفض السماح لديف بإعادته إلى كبسولة الفضاء، بل إن هال اكتسب أيضا القدرة على قراءة حركة الشفاه في تلصصه على المحادثة بين ديف وفرانك، لكن الفيلم يثبت أن العقل البشري يمكنه أن يتفوق على الجهاز المعقد الذي صنعه، بالحيلة والذكاء. وهو أحد أفضل مشاهد الفيلم وأكثرها براعة في استخدام المونتاج والموسيقى.

الإنسان والكومبيوتر

الإنسان يقف في رهبة أمام اللغز المجهول
الإنسان يقف في رهبة أمام اللغز المجهول

في فيلم كوبريك لقطات بديعة خلابة للإنسان المفقود في الفضاء، العاجز عن العودة إلى الكبسولة. ولدينا ذلك التحدي الأزلي بين الإنسان والآلة، أي تلك العلاقة المعقدة بين الخالق والمخلوق تتجسد في العلاقة بين ديف وهال. ديف يردد مرة بعد أخرى “افتح الباب يا هال.. هل تسمعني.. هل تسمعني يا هال؟”، لكن هال يرفض تنفيذ الأمر ثم يقطع الاتصال، لكنه يعود ويتوسل بعد أن يبدأ ديف بومان في فصل الأجزاء التي ترتبط بذاكرة هال وبالتالي يشله عن العمل ويقضي عليه تدريجيا.

 يحاول هال أن يقنع ديف بالتوقف عما يفعله، بالإبقاء عليه، مؤكدا له أنه أصبح جيدا وأن كل شيء سيكون على ما يرام، ثم يبدأ في غناء الأغنية التي تعلمها من صانعه في أول يوم تم إطلاقه للعمل “ديزي ديزي.. أعطني إجابتك.. أنا نصف مجنون.. وكله من أجلك”. وهي الأغنية التي تعود إلى عام 1892 وكانت أول أغنية يغنيها جهاز كومبيوتر في العالم من صنع شركة أي بي أم، عام 1961. وكان من الغريب أن يعثر عليها كوبريك ويقتبسها في فيلمه.

يشق ديف طريقه بمركبته الفضائية نحو المشتري، يدخل في مجال جاذبية الكوكب العملاق، تنطلق المركبة بسرعة هائلة، لتدخلنا إلى مشهد سيريالي يستغرق 10 دقائق، يتكون من لوحات تشكيلية تمتزج فيها وتتعاقب الألوان مع أشكال غامضة من السماء والنجوم والبحار والمحيطات والغابات بتنويعات مختلفة، مع تكرار ظهور ما يشبه حدقة العين.

وفي الفصل الرابع والأخير يجد نفسه داخل منزل فسيح خال، ثم يتطلع من فتحة باب غرفة نوم مصممة على طراز عتيق، فيرى نفسه بعد أن أصبح كهلا يتناول الفطور، ثم يتمدد على الفراش وهو مشرف على الموت. يتطلع قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة إلى اللوح الحجري منتصبا في وسط الغرفة.

وكما أشار القرد بيده إلى ذلك اللوح الغامض، يرفع الكهل يده ويشير إلى اللوح وكأنه يلقي عليه تحية الوداع قبل أن يرحل. إلى ماذا يرمز هذا اللوح الحجري؟ هل هو الله، تلك القوة الكونية الجبارة التي تتحكم في الكون والمخلوقات أم أنه رمز للعلم الذي لا نهاية له، والذي سيظل يدفع الإنسان باستمرار نحو البحث والتحري وطرح التساؤلات ومحاولة الإجابة على الكثير منها؟

العودة إلى البداية

في اللقطات الأخيرة بعد الموت، يرتد جسد ديف إلى جنين داخل الرحم، يحدق في دهشة بينما الكرة التي يوجد بداخلها تصبح بديلا عن الكون، فالأصل هو الإنسان. وقد عاد الإنسان إلى نقطة البدء، رغم كل ما حقق من تقدم علمي وتكنولوجي، فهو لا يزال يتطلع بدهشة إلى معجزة خلق الكون، دون أن يصل أبدا إلى سر الوجود.

“2001.. أوديسة الفضاء” كان في زمانه معجزة بصرية حقيقية. وقد كتب الكثيرون حول الطرق التي استخدمها كوبريك في التوصل إلى الصور والخدع البصرية التي يحفل بها فيلمه، غير أن ما يبقى من الفيلم هو رؤية كوبريك وفلسفته وقدرته على تجسيدهما باستخدام تلك الأدوات. والمدهش أن هذه الرؤية مازالت قابلة للعشرات من التفسيرات والبحث عن الرموز والإشارات الكامنة بين طياتها.

16