"أوديسة عراقية" فيلم وثائقي في مغامرة البحث عن الذات والوطن

الجمعة 2014/11/14
الفيلم يوثق لعائلة عراقية منتشرة في كل العالم إلا وطنها

أبوظبي- من أرقّ وأعمق الأفلام الوثائقية التي يخرجها مخرج عربي، وأكثرها إثارة للاهتمام واستدعاء للذاكرة، وأوثقها تشابكا مع تاريخ العراق الحديث؛ فيلم “أوديسة عراقية” للمخرج العراقي- السويسري سمير جمال الدين، وقد عرض أخيرا في مهرجان أبوظبي فكان حدثا كبيرا يستحق الإشادة.

نحن لسنا أمام فيلم عاديّ يمكن أن يمرّ مرور الكرام وننساه في غمرة انشغالنا بالبحث عن فيلم يثير الاهتمام ويحفزنا على التفكير، لكننا نشاهد هنا عملا يكاد يكون غير مسبوق في السينما العربية، سينما البوح الشخصي المباشر، التي تتمتع بالجمال والرونق والحب والحنين، تستدعي من الذاكرة وتمزج الحاضر بالماضي.

تتوقف لكي تتساءل: كيف كان ممكنا أن يحدث ما حدث، كيف انتهى الأمر بنا وقد أصبحنا محاصرين داخل تلك الدائرة الجهنمية من العنف والقتل والدماء والكراهية المشتعلة والممتدة داخل الوطن الواحد.

المخرج سمير جمال الدين الذي غادر مع والده العراق في الستينات، غادر العراق دون أن يغادره العراق قط، بل ظل دائما داخل ذاكرته وقلبه ووجدانه، ولاشك أن وجوده في الخارج، في سويسرا، حيث حقق الكثير من النجاحات المرموقة على صعيد العمل السينمائي والتليفزيوني والمسرحي أيضا.

لم يدفعه إلى الانصراف عن أصوله أو الانسلاخ من جذوره الثقافية، بل ظل مؤرقا يتساءل دائما كلما حقق نجاحا في مجتمعه الجديد، عن وطنه، عن مصير أهله وناسه، وكيف يمكن أن يخرج الوطن من تلك الدائرة المفزعة؟ وماذا يمكنه أن يفعل لكي يقدم صورة كاشفة عن ذلك الوطن؟ وهل يمكنه التعبير بمفرده عما شهده الوطن من تقلبات طاحنة عبر عشرات السنين؟


العودة إلى العائلة


سمير جمال الدين، ابن الطبقة الوسطى العراقية، قرر أن أفضل وسيلة للبحث في ما تعرض له العراق وتعرضت له الطبقة الوسطى العراقية، عمود المجتمع وأيّ مجتمع، من تصفية وقهر وإرغام على الصمت أو الهجرة، هي العودة إلى عائلته التي تمثل نموذجا فريدا لتلك الطبقة، ويتوفر لدى أفرادها الذين مازالوا على قيد الحياة، الكثير من الأسرار والتفاصيل المذهلة التي يمكن أن تكشف للجمهور الكثير، بما يساهم في بناء صورة شاملة لما تعرض له العراق خلال الخمسين عاما الماضية على الأقل.

"أوديسة عراقية" رغم موضوعه المحمل بالكثير من الأفكار والتعليقات السياسية، يظل ممتعا مليئا بالسخرية المثقفة

ونتيجة لتعدد الشخصيات التي تمثل الفروع المختلفة لعائلة سمير، وانتشار هذه الشخصيات في أرجاء العالم المختلفة من أوكلاند في نيوزيلندا إلى لندن وباريس وزيورخ وأمستردام ونيويورك وموسكو وسيدني وأبوظبي ولوس أنجليس، كان يتعيّن على سمير أن يقضي سنوات في تحقيق حلمه، في الإلمام بتفاصيل الرحلة.

تلك الرحلة الهائلة الممتدة التي لا يبدو أن لها نهاية قريبة، بل تبدو كما لو كانت قدرا محتوما، وقد بذل دون شك، جهدا كبيرا مع فريقه في البحث والتنقيب والانتقال بين أطراف العالم المختلفة، لتجميع المواد والمعلومات والمصادر البصرية، بدءا باللقطات السينمائية من الأرشيف، إلى الصور الشخصية التي تتوفر لدى أفراد العائلة من أجيال مختلفة، إلى ما يتوفر أيضا من لقطات قديمة مصورة بكاميرات شخصية غالبا من مقاس 8 أو 16 مم.

مزج كل هذا في سياق سينمائي بديع، بشريط الصوت الذي تتميز به بوجه خاص الأفلام التي يخرجها سمير، من الأغاني التي نعرف بعضها، أو نكتشف الكثير منها ولو لأصوات مشهورة، كأنما سمير يختزن في ذاكرته تلك الأغاني التي مرّت عليها سنوات طويلة، ربما بعد أن خرجت تماما من دائرة البث والاستماع.

يستخدم سمير جمال الدين أيضا المقابلات المصوّرة مع معظم الشخصيات التي يذكرها في فيلمه، ويريد منها أن تقدّم ما يساهم في تكثيف صورة لدور فرد من تلك الطبقة الوسطى المثقفة المتعلمة، التي كان لمعظم أفرادها أيضا اتجاهات سياسية ترنو وتتطلع إلى تأسيس دولة حديثة ديمقراطية، تنعم بالأمن والدفء والحرية، وأن تظل بغداد كما كانت في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، عاصمة من عواصم الدنيا الحديثة المزدهرة. غير أن ما وقع وما شهده العراق منذ بداية ما يعرف بالمدّ أو الغليان القومي في أواخر الخمسينات، ثم ما نتج عنه فيما بعد، أفرز نظاما استبداديا قمعيا وأدخل البلاد في مواجهات وحروب دموية، دفع ثمنها العراقيون الذين أصبح عدد المقيمين منهم في بلاد العالم المختلفة اليوم، كما يقول سمير في فيلمه، يتراوح بين 3 و5 ملايين عراقي.

فيلم “أوديسة عراقية” ليس مجرد تجميع لذكريات عائلة تشتت أفرادها وتفرقوا، بل هو في الحقيقة رواية تلخص تاريخ العراق الحديث منذ تأسيس الدولة في عشرينات القرن الماضي إلى يومنا هذا، من خلال رؤية نقدية لا يتدخل المخرج كثيرا لفرضها على المشاهد، بل يترك شخصياته القريبة من قلبه، تعبّر عنها وتقدّم تحليلها الخاص لفهمها، في مزج متواصل بين الخاص والعام، بين الفردي والجمعي، وبين الوطن والعالم.

إن الانتقال المتصل بين هذه الثنائيات في النسيج السينمائي كان منسجما، مفعما بالحيوية، يتميز بالبراعة من خلال عملية المونتاج، بين الوقائع المختلفة المعبّر عنها، وبين روايات أفراد عائلة سمير المختلفة، للحدث نفسه أحيانا، وتأثيره عليهم.

سمير جمال الدين غادر مع والده العراق في الستينات، غادر العراق دون أن يغادره العراق


اشتباك التاريخ


سمير جمال الدين يوقع هذه المرة فيلمه للمرة الأولى باسمه الكامل بعد أن اعتاد أن يكتفي منذ أن بدأ الإخراج باسم “سمير” فقط، فهذا فيلم عن سمير وعائلته ولم يكن ممكنا تجاهل اسم العائلة الذي يتكرر مع ظهور الأعمام والعمات وأبنائهم وبناتهم في الفيلم.

وكما أنه فيلم عن الذات، عن رحلة أسرة كانت جزءا من مجتمع عصري منفتح على المستقبل، كانت تملك الحلم وتتطلع إلى تحقيقه، لكنه أيضا فيلم عن مراحل التاريخ العراقي من وجهة نظر أسرة بتاريخها الذي ارتبط، بل وتشابك مع تاريخ العراق الحديث.

“أوديسة عراقية” رغم موضوعه المحمل بالكثير من الأفكار والتعليقات السياسية، فيلم ممتع، مليء بالمرح والسخرية، ولكنها سخرية مثقفة تنتج عن تجربة حقيقية عاشها أصحابها من أفراد العائلة، الذين لعبت بهم الأقدار فمنهم على سبيل المثال، من درس وتعلّم في أرقى المستويات لكي يصبح من خبراء العلوم النووية، ثم وجد نفسه مرغما على العمل في مجال البحث عن البترول في الصحراء.

وهناك من اعتقل وتعرض للتعذيب والتنكيل، أو من ألقى بنكتة أو بتعليق عابر، علم إثر ذلك مباشرة أنه سيلقى مصيرا مفزعا، فسارع لمغادرة العراق في نفس الليلة.

ولكن الأكثر بروزا في الفيلم وما يجعله عملا شديد الثراء حقا، هو ذلك الكمّ الهائل من الصور واللقطات الخاصة والعامة التي توثّق تدعم كل ما يقوله أبطال الفيلم من أفراد عائلة سمير، والتي تجعل من مشاهدة الفيلم متعة للعين.

كما أنه يستخدم الموسيقى العراقية والغناء العراقي القديم، لكي يضفي أجواء الماضي على تلك الصور والذكريات التي تتدفق، بحيث يرسم ملامح صورة متكاملة للعراق الذي كان، قبل أن يعيدنا مجددا إلى ما أصبح عليه اليوم، وكذلك إلى العالم الجديد الذي يعيش فيه أبطال الفيلم والقصة والعائلة في الزمن الحالي.

الفيلم يتميّز بالتوازن الفني الدقيق بين الصورة والصوت، وبين المقابلات واللقطات الأرشيفية، وبين التدخل الذاتي من المخرج عن طريق التعليق الصوتي الذي يروي في هدوء ورصانة، ويطرح أيضا الكثير من التساؤلات، التي تشكل رؤية الفيلم، وتساهم في شدّ المشاهد لمتابعة عمل قد يبدو للوهلة الأولى، طويلا في زمنه (162 دقيقة) غير أنه يمرّ كالسحر، ويظل أثره في العين وفي العقل وفي الأذن.

16