أوديغارد الطفل في مملكة المظاليم

الأحد 2015/09/13

منذ حوالي سبعة أشهر نجح فلورينتو بيريز رئيس ريال مدريد في أن يسبق الجميع ويختطف “جوهرة” نرويجية مازالت في ريعان الشباب، أو لنقل “وردة” لم تتفتح بعد، لقد كان الريال صاحب السبق وفاز في “المزاد” الذي شارك فيه كبار الأندية الأوروبية مثل ليفربول وبايرن ميونيخ ومانشستر سيتي ومانشستر يونايتد، وضمن توقيع اللاعب النرويجي الفتي مارتن أوديغارد الذي لم يبلغ آنذاك سن السابعة عشرة.

إذن جاء أوديغارد وكان يمني النفس في أن يفتكّ مكانا ضمن كوكبة النجوم اللامعة في الفريق الملكي للعاصمة الأسبانية، بيد أن الفرصة لم تحن بسرعة، خاصة وأنه كان يدرك أن صغر سنه وتواضع خبرته وتجربته لا يخولان له دخول معترك المنافسة منذ الوهلة الأولى.

كانت البداية في مدريد أشبه بلاعب حديث النشأة وفي طور النمو، حيث اقتصرت تدريباته مع الفريق الأول على بعض الحصص التي تعد على أصابع اليد الواحدة، وظل دوما ضمن فريق الشباب في انتظار اكتمال مرحلة النضج والكمال.

مرت اليوم سبعة أشهر والفرصة لم تحن بعد، تغير الجهاز الفني برحيل الإيطالي كارلو أنشيلوتي وقدوم الأسباني رافاييل بينيتيز، والولد الصغير الذي كان يحلم بالنجومية والشهرة مازال يحلم إلى اليوم، حيث أنه لم ينل فرصته وبقي خارج أسوار القلعة البيضاء، بدأ الموسم الجديد وخاض الريال عددا من المباريات وأوديغارد لم يكسب تأييد الجهاز الفني الذي فضل أصحاب الخبرة والتجربة فيه على منح الثقة للاعبين الشبان.

وفي خضم حالة الانتظار هذه، تحدث البعض عن وجود رغبة غير معلنة من قبل بعض المؤثرين في الفريق الملكي بالتفريط في هذا اللاعب على سبيل الإعارة لموسم واحد، حتى يشتد عوده ويصبح جاهزا لخوض التحدي الكبير، بيد أن المدرب رافاييل نفى بشدة وجود نية لخروج هذا الطفل حاليا، مؤكدا أن الفرصة ستأتيه قريبا.

ومع ذلك، فربما ما يزيد في قلق هذا الفتى أن المعسكر المدريدي مليء بالنجوم واللاعبين الكبار، والأماكن غالية للغاية، إلى درجة أن لاعبين ممتازين لم يجدوا حظهم مع الفريق الأول، فما بالك بلاعب شاب لم يبلغ بعد سن السابعة عشرة؟

ألم يخرج عدد كبير من اللاعبين الدوليين من الشباك بسبب عدم وجود فرص للعب مثل هيغواين ودي ماريا وأوزيل وخضيرة؟ ألم يفشل عدد آخر خلال الموسمين الأخيرين في افتكاك مكان تحت دائرة الضوء مثل خيسي رودريغاز ويارامندي وكاسيميرو ولوكاس سيلفا؟

حالة القلق المتزايد لدى الفتى الذهبي للنرويج مردها أيضا أن الريال سُمّي لدى البعض “بالمقبرة”، فكم من نجم “هوى” في هذا النادي و”احترقت” أمانيه وغادر في صمت، والأكثر من هذا أن عددا كبيرا من اللاعبين لازموا دكة الاحتياطيين وظلموا كثيرا في الريال إلى درجة أنهم فضلوا الهروب من المملكة البيضاء، من أجل البحث عن فرص أكبر في فرق أخرى.

وبما أن جماهير “الميرنغي” ومعها الجهاز الفني والمسؤولين لا يعترفون إلاّ باللاعبين القادرين على الإبداع والخلق والابتكار والحصول على الألقاب والتتويجات، فإن فرصة قليل التجربة والخبرة أوديغارد في اللعب مع زمرة النجوم مازالت مؤجلة إلى موعد غير معلوم.

هذه الوضعية قد تدفع اللاعب بشكل غير علني للاعتراف ولو مؤقتا بأنه أخطأ الاختيار والعنوان، فالريال لا يصبر على اللاعبين كثيرا حتى وإن كان منافسا شرسا في البداية على التعاقد معهم، ربما كان يتعين على أوديغار اختيار فريق آخر يمنحه فرصة اللعب والبروز والتطور في كنف الهدوء، وهذا الحال قد ينطبق على فريق أرسنال الإنكليزي الذي لا يتورع مدربه أرسين فينغر عن الزج باللاعبين صغار السن في الفريق الأول.

الأمر ذاته قد ينطبق على ليفربول الذي عادة ما ينجح في ضم اللاعبين الشباب ويطور مواهبهم بشكل كبير، مثلما حدث مع النجم الإنكليزي رحيم ستيرلينغ الذي بلغ سريعا مرحلة النضج، وبات من أهم اللاعبين في الدوري الإنكليزي.

أما مع الريال فالوضع مختلف، إذ تبقى المملكة حكرا على “الأسياد” والنجوم، ولا مكان للاعبين الصغار والمظاليم، ففي القلعة البيضاء ستكون دكة البدلاء أو الفريق الثاني مكان اللاعبين من الصف الثاني.

في الختام، ربما يكون المستقبل باهرا أمام الشاب النرويجي أوديغار، وربما ينجح في ترك بصمته ويكون أفضل خليفة لرونالدو وبن زيمة وخايمس، لكن كان على صاحب السبعة عشر ربيعا أن يختار فريقا متوسطا لا تحكمه الأهواء والنجومية حتى يتمكن من تطوير موهبته، دون ضغط أو أضواء ساطعة تحرق أكثر مما تشع.

كاتب صحفي تونسي

23