أوراق أردوغان المحروقة

استبداد رجب طيب أردوغان أشعل الحرائق في جميع أوراق سياساته الداخلية والخارجية، فخسر ورقة نمو الاقتصاد وورقة “صفر مشاكل” في علاقاته الخارجية.
الخميس 2019/09/12
السلطان بات يقارع خصومه بأنفاس متعبة

بكثير من الأهمية تناقل الإعلام العربي أخبار أول دورية أميركية تركية مشتركة شرق نهر الفرات في الشمال السوري. اعتبرت الدورية خطوة على طريق إنشاء المنطقة الآمنة التي يحلم بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لكن هذا الحلم، كأحلام كثيرة غيره، تحول إلى ورقة محروقة في سياسات السلطان.

آخر انتصارات أردوغان كان تحويل نظام الحكم في بلاده من البرلماني إلى الرئاسي منتصف عام 2018. زادت صلاحياته فتضخمت عنجهيته حتى نضب تأثير كفه الممدودة بأربعة أصابع، ليس فقط على الأتراك وإنما على كل معجب بأردوغان. انقلبت الموازين وتحولت نقاط قوة الرئيس إلى مكامن ضعف.

لقد تأخر تحريك الدورية الأميركية التركية كثيرا، وتأخرت معه المنطقة الآمنة. لم تعد تمثل هذه المنطقة شيئا بالنسبة للاجئين السوريين. هم يدركون أنها للأتراك وليست لهم، ولن يكون استقدامهم إليها إلا رحلة حرب تشبه “سفر برلك” الذي اقتيد فيه السوريون وعرب  غيرهم، ليقاتلوا في سبيل الدولة العثمانية.

لا يبحث عن أمان اللاجئين من يطردهم ويعيدهم إلى بلادهم عنوة. لا تعني وحدة سوريا وسلامة أراضيها شيئا لمن يحتل عفرين. لا يريد إنهاء الحرب في سوريا من يدعم جبهة النصرة والإخوان المسلمين، ولا يكترث لحياة اللاجئين من جعلهم ورقة ضغط وتهديد يلوّح بها في وجه الأوربيين كلما توترت علاقته بهم.

في ورقة اللاجئين تحديدا، فإن الأوروبيين لم يعد يقلقهم ذلك التهديد التركي بفتح الأبواب أمام السوريين الراغبين في القدوم إلى القارة العجوز. احتاطوا للأمر عبر إجراءات عدة. وإلى حين انتهاء الأزمة السورية فيمكن شراء صمت أردوغان ببضعة مليارات من الدولارات سنويا. هذه المليارات تزيد من رصيد خزينة أردوغان قليلا، ولكنها تقضم كثيرا من فرص تصالحه مع الاتحاد الأوروبي وانضمامه للتكتل.

بشكل عام يمكن القول إن ورقة دعم أردوغان للثورة السورية احترقت بالنسبة للاجئين وللداخل التركي وللعالم أجمع. كما احترقت ورقة حربه على الإرهاب شمال سوريا. إرهاب داعش الذي يحاربه العالم كله، وإرهاب الأكراد الذي لا يحاربه سوى أردوغان رغم تصنيف حزب العمال الكردستاني على قوائم الإرهاب الدولية. في محاربة الإرهاب خسر أردوغان ثقة الأتراك، وتعمقت خسارته بعدما استباح البلاد في ما أسماه ملاحقة الانقلابيين المتآمرين مع منظمة الداعية المعارض فتح الله غولن. الجميع في تركيا بات يعرف أن أردوغان استغل محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف عام 2016 لتطهير البلاد من معارضيه، وليس من الانقلابيين.

قادة حزب أردوغان، حزب العدالة والتنمية، يعرفون أكثر من غيرهم حجم الإرهاب الذي مارسه السلطان وهو “يكافح” الإرهاب. تهديد الرئيس الأسبق للحكومة أحمد داود أوغلو بفضح تجاوزات أردوغان في إدارة أمن البلاد، يدلل على ذلك بوضوح وربما نصحو يوما على نبأ اغتيال داود أوغلو بسبب هذه التهديدات.

الحقيقة أن استبداد رجب طيب أردوغان أشعل الحرائق في جميع أوراق سياساته الداخلية والخارجية، فخسر ورقة نمو الاقتصاد وورقة “صفر مشاكل” في علاقاته الخارجية، كما أن فساد بطانته وعائلته أزكم أنوف الأتراك، وقاد حزبه إلى خسارة الانتخابات البلدية الأخيرة في مدن عدة على رأسها إسطنبول وأنقرة.

في الاقتصاد تسببت نرجسية أردوغان بتراجع العملة الوطنية وهروب الاستثمار الأجنبي. معدلات النمو التي كانت تسجلها البلاد في العقد الأول من الألفية الجديدة انقلبت إلى تراجع، وما زاد الطين بلة العقوبات الأميركية على قرارات سياسية لأردوغان أراد بها مواجهة دونكيشوتية مع الولايات المتحدة.

سياسة الدولة المتصالحة مع محيطها الإقليمي والدولي التي كان يتغنى بها حزب العدالة والتنمية انتهت. نسج أردوغان لنفسه عداوات تمتد في جهات الأرض الأربع، ولم تعد تسمع في خطبه إلا التهديد والوعيد لدولٍ أو أحزابٍ وأشخاص، وكأن العالم يتربص بتركيا ويحوك مؤامرات كونية ضد أردوغان ليل نهار.

بالنسبة لقائمة الأصدقاء والحلفاء فيفضل أردوغان لغة الابتزاز في الحوار معهم، وهذا يبدو منطقيا باعتبار أن هذه القائمة القصيرة تضم إما دولا ضعيفة تبحث عن الحماية لدى الأتراك، وإما دولا ترتبط معها تركيا بمصالح مؤقتة خلقتها ظروف استثنائية ولا تؤسس لتحالفات استراتيجية طويلة الأجل.

الحرائق التي اشتعلت في سياسات أردوغان اتسعت رقعتها هذا العام وباتت السيطرة عليها أمرا بغاية الصعوبة. التهمت الحرائق قدسية السلطان المزعومة ونالت من أعمدة حزبه الذي يحكم البلاد منذ عام 2002. أدرك العديد من قادة الحزب أن سفينة أردوغان بدأت تغرق ومن ينجو بنفسه قد تكتب له حياة سياسية أخرى، فتوالت الاستقالات والانقلابات. وبدل أن يصحو السلطان من أوهام استرداد زمن الإمبراطورية العثمانية ويعيد ترتيب البيت الداخلي لحزبه، أعلن الحرب على المنشقين وطرد من كان يوما رفيق دربه وصانع أمجاده.

ينتظر أردوغان ما هو أسوأ عندما تولد أحزاب جديدة منافسة له على يد رفاق الأمس الذين أبعدهم أو حاربهم أو غدر بهم في حزب العدالة والتنمية. هذه الأحزاب الجديدة ليست فقط ستصيب حزبه بالوهن، وإنما ستنسج تحالفات مع المعارضة تسحب الأكثرية النيابية من أردوغان وتضع حدا لسلطانه وحكمه.

أحزاب المعارضة تبدو مستعدة تماما للتحالف مع الشيطان ضد أردوغان، وقد بدأت حربها ضده منذ الانتخابات البلدية الأخيرة. وبعد أن تسلمت العمل في البلديات التي ظفرت بها في الانتخابات، ضيقت الخناق على أردوغان الخناق وفرضت عليه قوانينها في السياسة الداخلية. أول الغيث كان بإجباره على مجاراتها في طرد اللاجئين السوريين من المدن وإنهاء سياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين. أما الخطوة الثانية فكانت فتح ملفات الفساد لأفراد عائلة أردوغان وأزلامه في السلطة.

لم تعد لأردوغان إلا بضع أوراق مهترئة في السياسة الخارجية لا تسمن ولا تغني من جوع. من بينها ذلك الشريط الأمني الذي يقاتل، ليل نهار، من أجل رسمه في الشمال السوري. يدرك أردوغان أن الأميركيين لن يسلموه شرق الفرات إلا بحرب عالمية أو بمعجزة تجعل واشنطن زاهدة بأي تواجد لها في الشرق الأوسط.

السلطان بات يقارع خصومه بأنفاس متعبة، وقد عاد ليكون مرة أخرى رجل أوروبا المريض، لكن هذه المرة ليس بسبب حروب شُنّت عليه من الخارج، وإنما نتيجة معارك افتعلها بنفسه ضد الداخل والخارج، وخاضها بعقلية الإسلام السياسي الذي لا يعرف العيش دون أعداء مهما جنى من مكتسبات في حالة السلم.

8