أوراق أوروبا تتبعثر: إعادة قراءة لاتحاد تسعى أميركا لابتلاعه

تشهد القارة العجوز طوال الفترة الممتدة من هجمات الـ11 سبتمبر 2001 إلى اليوم نوعا من التغيرات الجذرية، التي تمس بجوهر وجودها الحضاري والتاريخي والثقافي والجيوسياسي. فقد تتالت التصريحات الصادرة عن زعماء أوروبيين تشكك في الشريك الأميركي ودوره اللذين باتا يهددان بشكل غير مباشر تماسك الاتحاد وقوته، لنية أميركا الدخول في شراكة تجارية حرة هي الطرف الأقوى فيه، الأمر الذي دعا الأوروبيين إلى التردد في الانفتاح على أميركا مع بوادر مراجعات في ماهية دور حلف شمال الأطلسي.
الثلاثاء 2016/10/11
الناس يطالبون بوقف الكوميديا السوداء

باساو (ألمانيا) - التقى الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ينس ستولتنبرج ورئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتس ورئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك الاثنين في ندوة بمدينة باساو الألمانية لمناقشة قضايا أوروبية راهنة مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وسياسة اللجوء ومستقبل أوروبا.

وتدور الندوة حول سؤال “هل يمكن أن تصمد الفكرة الكبيرة لأوروبا؟”، بالإضافة إلى المهام الرئيسية المستقبلية للاتحاد. وتأتي الندوة في إطار سلسلة ندوات بعنوان “الناس في أوروبا”، والتي تعقد في المركز الإعلامي لدار نشر “باساو” بالتعاون مع مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن.

قد يبدو هذا اللقاء روتينيا في سياق النشاطات العادية التي يقوم بها الاتحاد الأوروبي مع المنظمة الحليفة له، وهي حلف شمال الأطلسي، لكن السياق الذي يأتي فيه هذا اللقاء يعدّ إطارا لتصدير مخاوف أوروبا من التغيرات العميقة التي تحيط بها سواء كانت داخليا أو خارجيا.

والأهم من ذلك حسب مراقبين هي العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، التي تشهد تغيرات ما بعد الهيمنة (منذ نهاية الحرب العالمية الثانية) ليحس الوجدان الأوروبي العام اليوم نوعا من المسّ بشخصية تاريخية وثقافية وسياسية كانت النواة الأولى لتأسيس العالم الغربي الذي نراه اليوم.

امتعاض ألماني

تتواتر بين الحين والآخر تصريحات من قبل قادة دول محورية في الاتحاد الأوروبي توجه اللوم والاتهام إلى الولايات المتحدة بأنها تقوم “بتدجين” أوروبا وابتزازها وأمركتها، وقد تكون تلك التصريحات غير كافية لصد الهيمنة الأميركية على القارة العجوز، لكنها بالتأكيد إشارات إلى قناعات سياسية أصبحت راسخة بأن أميركا ليست هي ذاتها التي أشرفت على مخطط مارشال سنة 1947 لإعادة إنعاش الاقتصاد الأوروبي، وليست هي أميركا ذاتها التي أقنعت 22 دولة أوروبية بالانضمام إلى تأسيس حلف شمال الأطلسي، بل إنها أميركا الأكثر براغماتية ونزوعا للسيطرة أكثر من ذي قبل. “لو جرى الحديث عن عقد اتفاقية مماثلة مع روسيا، لما سمعنا حتى نصف تلك الانتقادات التي نسمعها اليوم، وعلينا أن نفكر في هذا الأمر”.

بهذه الكلمات انتقدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تردد رجال الأعمال الألمان بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة حول إقامة منطقة تجارة حرة أميركية أوروبية، واعتبرت أنهم يثقون بروسيا أكثر.

فرانك أولريش مونتجومري: الاتفاقية سوف تعود بالوبال على قطاع الصحة الألماني المعروف عالميا بجودته

الأمر لا يتعلق بالشريك الروسي في ذاته بقدر ما تمثله روسيا لدى مخيال الأوروبيين من قوة مواجهة متماسكة ضد الولايات المتحدة الأميركية، وقد يعكس تصريح أنجيلا ميركل الفكرة التي لا تزال قائمة حول الصراع الشرقي الغربي الذي كان يسود العالم في فترة ما بعد الحرب العالمية وصولا إلى نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي. ويتعلق الأمر بالأساس بمسألة اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية المعروفة باسم “الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي”.

هذه الاتفاقية سوف يكون لها أثر سلبي حسب كبار المفاوضين وقطاع كبير من الرأي العام الأوروبي، وتكمن السلبية هنا في تناقص جودة العديد من الخدمات والسلع ومسالك التوزيع والتجارة وغيرها، بما سوف يعود بنتائج غير مرضية على الأوروبيين والعكس بالنسبة إلى الأميركيين.

ويحذر رئيس الغرفة الاتحادية للأطباء بألمانيا فرانك أولريش مونتجومري من تدهور جودة الرعاية الصحية في المستشفيات الألمانية بسبب اتفاقية التجارة الحرة المخطط لها، وأضاف مونتجومري أن هذه الاتفاقية “سوف تعود بالوبال على قطاع الصحة الألماني المعروف عالميا بجودته”.

فرنسا المنزعجة

شكل موقف الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، مفاجأة سياسية لا تختلف عن مفاجأة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق طوني بلير منذ أشهر. حيث اعترف في تصريحات له بالإليزيه في سبتمبر الماضي بأن “أغلب الأوروبيين هم أميركيون في السياسة”. معتبرا أنه آن الأوان للنظر إلى المصالح الأوروبية الخاصة، مما يثبت حجم التبعية العمياء للسياسة الأميركية من قبل الدول الأوروبية.

ويؤكد إعلاميون فرنسيون أن تصريحات هولاند بهذه الطريقة ليست سوى بداية في سياق حصد أميركا لأضرار الحرب على العراق، ومسارعتها إلى القيام بحرب “مجانية” على العراق بتعلات أثبتت كل التقارير الأميركية والبريطانية بعد ذلك أنها حرب غير مشروعة ومبنية على أوهام.

فقد كانت الحرب على العراق القاسم المشترك الذي أقنع الدول الأوروبية بأنها كانت ضحية السياسة الأميركية.

إلا أن ذلك وبحسب الوقائع السياسية، لم يدفعها أو يجعلها قادرة على تشكيل رؤية خاصة بالمصالح الأوروبية.

الحدث التاريخي المتمثل في الحرب على العراق كشف الهيمنة الأميركية الواضحة على أوروبا من ناحية رسم حساباتها الدولية والعسكرية وكيفية مشاركتها في الحروب وتوقيتها أمام الرأي العام، وكان لذلك وقع كبير على الساحة السياسية الأوروبية التي بدأت في إعادة إنتاج تيار يميني قوي وشعبوي يتمعش من الواقع السلبي الذي تعيشه السياسة الخارجية الأوروبية، ويبدو الأمر متعلقا بالغيرة على شخصية تاريخية وحضارية وثقافية تسمى أوروبا أرض الثورات الحداثية منذ القرن السابع عشر.

وأضاف هولاند في تلك التصريحات أنه بالرغم من أن فرنسا رفضت المشاركة في هذا التدخل لكنها كانت ضحية تداعيات الفوضى التي نجمت عن ذلك. معتبرا أن الرد الأميركي آنذاك ساهم في زيادة التهديد الإرهابي. واصفا أنه في ذلك الحين “كنا جميعا أميركيين” بحسب تعبيره، قاصدا الأطراف الأوروبية. ثم تساءل عن سبب عدم إدراك فرنسا والغرب منذ البداية، أنهم كانوا معنيين بشكل مباشر بمواجهة الإرهاب بحسب مصالحهم. معتبرا أن “السياسة الأميركية في الرد على الإرهاب حينها، أدت إلى توسيع التهديد بدل القضاء عليه”.

فكرة أوروبا

لا ينكر أحد اليوم أن الاتحاد الأوروبي اليوم مهدد بالتفكك وذلك لأسباب عديدة، منها الظاهر كانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتصاعد اليمين القومي المتطرف ومعضلة اللاجئين التي لم تجد لها أوروبا حلا إلى اليوم. ومنها الخفية أيضا، والكامنة في أن الاتجاه العام داخل دوائر القرار يسعى إلى إنشاء قوة عسكرية أوروبية مستقلة عن حلف شمال الأطلسي الذي يعتبر الغطاء الأميركي العسكري والذي ورط أوروبا في العديد من التدخلات العسكرية التي لم تعد سوى بالضرر على مصالح القارة العجوز.

الحرب على العراق كشفت الهيمنة الأميركية الواضحة على أوروبا من ناحية رسم حساباتها الدولية والعسكرية

الشعور بالقلق من التحالفات التي كانت لها مبررات تاريخية في الماضي (مخطط مارشال سنة 1947، الحرب الباردة، حلف الناتو الذي يواجه حلف فرصوفيا…) أصبح واضحا اليوم على القادة الأوروبيين بالنظر إلى ما يمكن أن تمثله أميركا من قوة تهدد سيادة الإقليم الكبير الذي يسمى الاتحاد الأوروبي.

فالاقتصاد الأميركي يعدّ أضخم بكثير من الاقتصاد الأوروبي وبالتالي فإن موازين القوى منذ البداية تعدّ مختلة لصالح الولايات المتحدة الأميركية التي تعيش اليوم أزمة في البحث عن أسواق، فأضحت تحاول افتكاك التكتلات الكبرى لترويج سلعها والهيمنة حتى على القرارات السياسية العامة للدول الغربية.

الدليل حسب مراقبين على أن الأوروبيين يشعرون بالقلق من أن يكون اتحادهم مجرّد سوق كبيرة للاقتصاد الأميركي وأيضا قوة سياسية دولية لاتخاذ القرارات الخاصة بالحروب والعقوبات وغيرها، هي أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يفكر إلى اليوم في إنشاء قوة عسكرية مستقلة عن حلف شمال الأطلسي، تقوم بحماية الحدود الجغرافية والثقافية والحضارية لأوروبا من التمدد الشرقي (الروسي) الذي لم يعد له تهديد أيديولوجي بقدر ما يمثل قوة توسعية براغماتية جيوسياسية.

وقد صرح رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر أن “الاتحاد الأوروبي في حاجة إلى قوة عسكرية مشتركة” مفسرا ذلك على أن الناتو يمكن ألا يفهم على وجه الدقة ماذا تطلبه أوروبا.

6