أوراق الرئيس المرزوقي

الثلاثاء 2014/05/13

إنّ تعاطي الرئيس التونسي المؤقّت المنصف المرزوقي مع مسؤوليته على رأس الدولة التونسية لافت لغرابته. فقد كان تعاطيه مع الحوار الوطني الذي قاده الاتحاد العام التونسي للشغل سلبيا جدا. بل لعله حاول اختطاف مبادرة الحوار من الاتحاد وتحويل وجهتها إلى قرطاج. ولكنه لم ينجح في جمع مختلف مكوّنات الطيف السياسي ولا في التوفيق بينها. فتحمّل الاتحاد مسؤوليته واستعاد مبادرة الحوار التي انتهت بإنقاذ تونس من مجهول لم يتمكّن الرئيس المؤقت المرزوقي من تقديره تقديرا كافيا.

وكان المرزوقي قد فاجأ الحاضرين في جولة استئنافية للحوار الوطني بعد تعطّل طويل، في مايو 2013 حين دعا في خطبته إلى السماح للمنقبات باجتياز الامتحانات الجامعية بنقابهن، معتبرا النقاب يندرج ضمن حرية اللباس. وفي تلك الفترة من كل سنة تكون فيها الجامعات والمدارس على مشارف الامتحانات. يذكر أن المجالس العلمية في الكليات والجامعات التونسية جميعها، كانت قد رفضت دخول قاعات الامتحان بالنقاب لأسباب بيداغوجية وأمنية. ولذلك كله اعتبرت كلمة المرزوقي استفزازية محرّضة على المربين والأساتذة، وبمثابة صبّ الزيت على النّار. وعُدّت مداخلته تلك بمثابة التعطيل للحوار، وكانت خارج السياق أصلا.

وفي يناير 2014 الماضي، وبعد ماراطون طويل، نجح الرباعي الراعي للحوار الوطني في إقناع حركة النهضة بترك السلطة. وتوفق، في الوقت نفسه، في تنفيذ خارطة الطريق التي وضعها. ونجحت مساراتها الثلاثة بدءا بتعيين رئيس حكومة جديد، ثم ختم الدستور، فالتصويت على الهيئة المستقلّة للانتخابات وانتهاء بسنّ القانون الانتخابي. ولكن لم تكن للمرزوقي مساهمة في هذه المنجزات السياسية الكبرى في تونس سوى شرف التوقيع على الدستور. بل إن حزبه “المؤتمر من أجل الجمهورية” والأحزاب المنشقة عنه لم توقع على خارطة الطريق، ولم تكن يوما سندا للحوار. وكثيرا ما جاهر حزب المؤتمر بأنه يناصب الاتحاد العام التونسي للشغل العداء. ويكيل له التهم ويشهّر به وبقياداته.

كما أن تعاطي المرزوقي مع الملف السلفي، كان خاليا من الحكمة في نظر الملاحظين. فقد كان سائرا في ركاب الخط الرمادي الإسلاموي الذي قادته حركة النهضة قبل انتخابات 23 أكتوبر وتضاعف بعد تشكّل الترويكا. فقد دأب المرزوقي على فتح قصره للدعاة السلفيين يحاضرون ويخطبون، واستقبل الكثير منهم بنفسه أو دفع بمدير ديوانه الرئاسي لاستقبالهم رسميا في الوقت الذي كانت فيه القوى الديمقراطية والحداثية والأكاديمية والحقوقية تدقّ نواقيس الخطر من التحولات العنفية الدينية المريبة التي بدأت تسود في المجتمع التونسي. ولم يكن المرزوقي في صفّ هذه القوى التي انحدر منها. ولم يُصغ إليها يوما. بل إنه توعد العلمانيين التونسيين بالمشانق على شاشة فضائية خليجية معروفة بمساندتها للأيديولوجيا الإخوانية.

والمريب أنّ حزبا من الأحزاب الناشئة سليلة حزب المؤتمر الذي أنشأه المرزوقي بنفسه وهو “حزب حركة وفاء”، هذا الحزب يعد حزبا سلفيا لا يخفي مساندته للتيارات الجهادية. بل إنه دعا لتضمين الجهاد في الدستور التونسي الجديد. ورئيس حركة وفاء السيد عبد الرؤوف العيادي هو رفيق درب المرزوقي أنشآ معا حزب المؤتمر. ولم ينشقّ العيّادي عن المؤتمر إلاّ بعد تشكّل الترويكا ووجوده خارج الطاقم الوزاري المشارك في الحكومة.

من المواقف التي لا تُصنّف لفائدة المرزوقي ما اعتبره المتابعون محاولة لإرباك الحكومة الجديدة، وتتمثّل هذه المحاولة في تعمّده دعوة حكام أجانب إلى تونس في غياب رئيس الحكومة كدعوة أمير قطر يوم 4 أفريل الماضي، لمّا كان رئيس الحكومة مهدي جمعة وأغلب وزرائه في زيارة إلى الولايات المتحدة الأميركية. وفي العرف السياسي فإنّ الحكومات هي التي تمضي الاتفاقيّات والمعاهدات وتقيم الشراكات والتبادلات. فما الذي يمكن أن يجنيه المرزوقي من دعوة نظرائه وهو لا يملك هذه الصلاحيات؟

يوم 7 مايو الجاري، زار المرزوقي منطقة الشعانبي، أين يقوم الجيش التونسي بعملية عسكرية واسعة للقضاء على جيوب الإرهاب الذي كانت حكومتا الترويكا الأولى والثانية قد أنكرتا وجوده. وخلال كلمته التي ألقاها في تلك الزيارة دعا المرزوقي الإرهابيين لتسليم أسلحتهم ووعد من لم تتلطخ أيديهم بالدماء بالعفو عنهم. وقال إن هذا القرار اتخذه مجلس الأمن الوطني. الفكرة جيّدة، ولكن المرزوقي لم يتحدث عن محاسبة الشبكات والمافيات والجمعيات والأطراف السياسية التي ساهمت في زرع الإرهاب في تونس.

كما أنه لم يشر لمؤسسات الدولة التي لها صلاحية النظر في هذا الشأن. فالقوانين لا يتخذها مجلس الأمن القومي ولا رئيس الجمهورية وإنما يسنّها المجلس التشريعي أو البرلمان المنتخب وهو المجلس التأسيسي في الحالة التونسية اليوم. أما الإدانة أو البراءة، فهي من مشمولات مؤسسة القضاء. وهي مؤسسة مستقلة ولا تخضع لسلطة رئيس الجمهورية ولا لسلطة غيره. وأما العفو فورقة أثيرة عند المرزوقي لم يتوقف يوما عن استخدامها. بل إن الكثير من إرهابيي الشعانبي هم من المتمتّعين بالعفو حتى قبل حكم المرزوقي، ومنهم ما يطلق عليها بمجموعة سليمان الإرهابية التي نشطت سنة 2006.

وبمناسبة اليوم الوطني لمناهضة التعذيب، في 8 مايو 2014، ألقى المرزوقي كلمة غريبة في قصره بقرطاج خاطب فيها المواطنين قائلا: “لا تثقوا في الدولة”. أعتقد أنّ منصب الرئيس يفرض على المرزوقي ألا يقول مثل هذا الكلام. فهو مدعو لفرض احترام الدولة وفرض سيادتها. وهو مطالب بتحقيق المصالحة بين المواطنين ودولتهم التي كانت رمزا للاستبداد والظلم والقهر. أما اليوم، والتونسيون يشعرون بالفخر لانتصارهم على المستبد وطرده، كان من الأصوب العمل على ترميم هذه العلاقة المتصدعة بين المواطنين ودولتهم.

يشعر التونسيّون اليوم بالمرارة وهم يرون جلادي النظام السابق وأعوانه يُبرّؤون من كل التهم ويلوّحون بالعودة إلى السلطة منتشين بإسقاط حركة النهضة وحركة نداء تونس لقانون العزل السياسي، ويرون عائلات الشهداء والجرحى تخوض إضرابا وحشيا عن الطعام بحثا عن إنصاف لم يأت من الدولة، فهل من الحكمة أن يطالبهم رأس الدولة بألاّ يحترموا الدولة التي يرأسها؟ فإذا فقد الناس احترامهم للدولة ألا يفقدون، تبعا لذلك، احترامهم لرئيسها؟


كاتب وباحث سياسي تونسي

8