أوراق دي مستورا المبعثرة

الخميس 2016/04/21

من المؤكد أن المبعوث الأممي إلى سوريا ستافان دي مستورا لم يكن يتوقع أن تكون مهمة صناعة السلام وإنهاء الصراع الدامي والمستمر منذ أكثر من خمس سنوات في سوريا أمرا هينا وسهلا، نظرا لتعقيدات الوضع السوري ولعدم وجود رغبة حقيقية من راعي عملية السلام في الضغط باتجاه الوصول إلى حل يضمن توقف نزيف الدماء، ويفتح الطريق أمام السوريين لبدء الحياة من جديد، وعلى الرغم من أن السيد دي مستورا كان واثقا بقدرته على تقريب وجهات النظر بين المتحاورين، واستطرادا المتحاربين، إلا أنه وبلا أدنى شك أخفى في ثنايا تصريحاته المتفائلة نوعا ما الحقيقة الواضحة وضوح الشمس وهي ألا وجود لنقاط يمكن البناء عليها من أجل البدء بشكل جدي بعملية تفاوض، ولتستغرق تلك العملية ما تستغرقه من الوقت، وهو يدرك، كما يدرك المجتمع الدولي بأسره والذي لم يبخل بالقرارات الأممية التي تمهد الطريق أمامه لإنجاز مهمته، أن العقبة الرئيسية في وجه الشروع في عملية صناعة السلام تتمثل في بقاء بشار الأسد على رأس السلطة في سوريا، وأن جميع التفاصيل التي يتم التفاوض حولها تظل ناقصة ولا قيمة لها، طالما أنه لم يتم الاتفاق، دوليا، على إزالة تلك العقبة، ليست للأمر علاقة بالموقف الروسي الداعم لنظام الأسد فحسب، ولكن لعدم وجود رغبة أميركية حقيقية في إنهاء هذا الملف.

وعلى الرغم من الفشل الذي منيت به جميع المباحثات السابقة، والتي تعتبر المباحثات الأخيرة أكثرها نجاحا، كونها جمعت الأطراف جميعا في مكان واحد، وإن لم يتم لقاء مباشر بينهم، فقد عمل المبعوث الأممي على حمل أوراق الطرفين ودراستها وإطلاع كل طرف على ما في جعبة الطرف الآخر، دون أي تقدم بطبيعة الحال، ولا حتى انفراج مهما كان بسيطا، الأمر الذي لم يخفه دي مستورا وهو يعلن في كل مرة أن الأمور ما زالت بحاجة إلى الوقت، وقد ذكره مؤخرا رئيس الهيئة العليا للمفاوضات رياض حجاب وهو يعلن الانسحاب من مفاوضات جنيف بأن وقت السوريين من دم، وأنهم لم يأتوا إلى جنيف لإضاعة الوقت بالاستماع إلى محاضرات يتلوها رئيس وفد النظام، بشار الجعفري، الذي لا يضيع فرصة دون أن يتهم وفد الهيئة العليا للمفاوضات بالتبعية والإرهاب، متناسيا في الوقت نفسه أن النظام الذي يمثله يخضع، وبشكل كامل، للوصاية الروسية، وهو يتحالف مع إيران التي تمثل رأس الإرهاب في المنطقة.

التلاعب بالألفاظ الذي يتقنه بشار الجعفري جعله يترجم هيئة الحكم التي نص عليها القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي إلى حكومة وحدة وطنية، ومع أن التباين واضح في المفهومين، إلا أن السيد دي مستورا لم يقف ليعلن أن المطلوب هو تشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات، ربما لحرصه على عدم إفشال المسار الهادئ الذي كانت تسير به المفاوضات، حسب تعبيره، إلا أنه على ما يبدو لم يحسب حساب الطرف الآخر.

وهكذا قدر لمفاوضات جنيف أن تتوقف، وعلى المبعوث الأممي السيد دي مستورا أن يعيد ترتيب أوراقه للمرة العاشرة ربما وأن يؤمل نفسه بألا يكون مصير مهمته الفشل كما حدث مع سابقيه كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي وهذا الأخير تحديدا وصف عملية إحلال السلام في سوريا بالمهمة المستحيلة.

ولعل السيد دي مستورا سيكون مضطرا للعودة إلى مجلس الأمن مرة أخرى، ليعينه على إكمال عمله، إذ أن الهدنة، كما هو واضح، باتت في خبر كان، والنظام المدعوم روسيا وإيرانيا يزداد شراسة وتزداد وتيرة القصف يوما بعد يوم، فيما الكتائب المقاتلة على الأرض قد حسمت أمرها على مواصلة تصديها لمختلف أنواع الميليشيات الطائفية والتكفيرية وهي تأمل أن يأتي الدعم العسكري، عربيا هذه المرة لمواجهة التغول الإيراني، والذي تقول مؤشرات كثيرة إنه لن يتأخر عن الوصول.

كاتب سوري

9