"أوراق شمعون المصري".. كيف خرج اليهود من مصر القديمة

أسامة الشاذلي: الرواية التاريخية تجتذب أجيالا متعطشة للحقائق.
الثلاثاء 2021/04/20
سرد الماضي ممتع لكنه صعب (لوحة للفنان ساسان نصرانية)

تغفل الرواية العربية تناول شخصيات اليهود، وكأنهم لم يكونوا جزءا من النسيج الاجتماعي العربي، وإن تناولتهم فغالبا ما يكون ذلك خارج الأطر الاجتماعية العربية، وتقتصر على تناول العدو الصهيوني. لكنّ قلائل من عادوا إلى التاريخ اليهودي في المنطقة العربية ونبشوا فيه، كما فعل الروائي المصري أسامة الشاذلي، الذي كان لـ”العرب” معه هذا الحوار.

 ليس جديدا أن ينهل الروائيون من التاريخ، فهو نهر حكايات لا تنقطع، مُثيرة، غامضة، وكاشفة لأعماق المشاعر الإنسانية في مُختلف حالاتها. لكنّ ثمة توجها نحو التاريخ المهجور والمنسي لفتح مسارات جديدة لحكايات تبدو مُدهشة. وبات تاريخ اليهود لدى البعض محل ريبة تأثرا بالخلط بين اليهود وممارسات إسرائيل.

من هُنا تبدو رواية “أوراق شمعون المصري” للكاتب المصري أسامة الشاذلي، والصادرة قبل أيام عن دار الرواق للنشر بالقاهرة، محاولة جديدة لاقتحام الماضي المستغرب لليهود بعد خروجهم من مصر، واعتباره جزءا من التاريخ المصري القديم. فشمعون بطل الرواية شاب من أب عبراني وأم مصرية، ولد بوادي النيل، وعاش طفولته مصريا قبل أن يصاحب عائلته في رحلة التيه من أرض إلى أخرى طلبا لاستقرار لا يتحقق، وحلم لا يُطال.

الشغف بالتاريخ

يقول الروائي المصري في حواره مع “العرب” إن “التاريخ اليهودي جزء من تاريخ البشر، والعودة إليه تمثل إغراء وتصالحا مع تاريخ الإنسان بعيدا عن الانتماءات العقائدية والأيدولوجية”.

أسامة الشاذلي: التاريخ اليهودي مزدحم بحكايات وعجائب مُغرية للروائيين لرسم عوالم محيطة بعيدا عن الإدانة أو الدفاع

ويضيف أنه إذا كان هناك إقبال شديد من الجمهور على قراءة أعمال أدبية قائمة على أحداث تاريخية حقيقية، فمثل هذا الإقبال يتضاعف عندما تقوم الرواية على تاريخ مهمل ومنسي، وليس أفضل من تاريخ العبرانيين كحقل خصب لهذه الأعمال.

تبدو الرواية التي يظهر غلافها كوريقة صفراء تُعبر عن مخطوطة قديمة مرت عليها الآلاف من السنين، وتعرض ورقها للتلف، وهو اتجاه مقصود فنيا للإيحاء بالمضمون الذي تتضمنه الرواية، والتي تتخذ من سيرة اليهود عقب خروجهم من مصر وتخلصهم من فرعون مسارا لسرد وقائع حياة أهل الشرق في مصر، فلسطين، سوريا، وشبه الجزيرة العربية.

حاولت بعض الروايات الحديثة استدعاء جوانب من حكاية النبي موسى كخلفيات أدبية وفنية، مثلما فعل الروائي المصري أحمد مراد في روايته “أرض الإله”، لكن رواية “أوراق شمعون المصري” يتجاوز فيها السرد قصة الفرعون والخروج لحكايات التيه.

وربما كان ذلك سببا وجيها لأن تثير الرواية فور صدورها شغف الكثير من الجمهور والمثقفين بمصر، وتدخل في قوائم الكتب الأكثر مبيعا، مع أنها الرواية الأولى لمؤلفها.

ويؤكد الشاذلي أن الشغف بالتاريخ القديم لليهود دفعه إلى القراءة الفلسفية المعمقة للأحداث، وتتبع ترحال اليهود من مكان إلى آخر، وما واجهوه عقب خروجهم من مصر، وتنامى هذا الشغف لديه، وتجاوز تاريخ الممالك القديمة والدول المجاورة وامتد لبحث أسئلة الوجود في بيئات صحراوية وزراعية، وارتباط كل طائفة ببيئتها.

يوضح الروائي المصري لـ”العرب”، “أننا جميعا نعرف قصة اليهود كما وردت في الكتب المقدسة، وهناك حكايات متنوعة عن مصر، لكن لا نعرف حال الجزيرة العربية مثلا في ذلك الوقت، وما هي تصورات الناس فيها عن الخلق والإله، وكيف عاشوا، وما هي عاداتهم، وما هي رؤاهم عن الحياة والموت، لذا فالرواية قدمت إجابات سلسة في هذا الشأن، وكشف تحرك شخوصها طبيعة تيه اليهود المصاحبين للنبي موسى في رحلة الخروج إلى شبه الجزيرة العربية”.

ويشير إلى أن الرواية لا تتعرض للعقيدة اليهودية من قريب أو بعيد، وإنما تحاول تفسير تحولات الشخصية، وأزمات الأجيال المتتالية تأثرا بأحداث درامية جرت في البيئات المحيطة.

ويوضح الشاذلي أن التحدي الأكبر الذي واجهه هو كيفية الإفلات من القصص الديني الشائع، للوصول إلى الواقع الإنساني العميق بعيدا عن فكرة العظة والعبرة، فالغرض من الرواية هو الفهم والإحاطة بالمشاعر الإنسانية الحقيقية من رغبات وأطماع وندم، ليطرح السؤال الأزلي: إذا كنا في الموقع ذاته، هل ستتغير ردود أفعالنا؟

ويذكر أن الكل يعلم من خلال القصص الديني أن شعب بني إسرائيل كان متمردا واستحق العقاب بالتيه على تمرده، لكن لم تُعرف من خلال القصص الديني أسباب هذا التمرد، ودوافعه، خصوصا وأن مقاومة التغيير سلوك بشري متكرر في كل المجتمعات قديما وحديثا، ودراسة هذا السلوك تعطي فكرة جيدة عن تلك المجتمعات في العصر الحالي.

ويكشف الروائي المصري أن مصادره في كتابة روايته تنوعت بين المراجع الأجنبية وكتب التاريخ والآثار، والزيارات نفسها للأماكن التي شهدت الأحداث.

تعديل النص

استغرقت كتابة الرواية من الشاذلي سبع سنوات كاملة، اضطر خلالها إلى تعديل النص أكثر من مرة وصولا إلى النسخة النهائية التي شعر بتماثلها مع الأحداث التاريخية واقترابها من أجواء تلك الحقبة الزمنية.

ومن أكبر العقبات التي واجهت المؤلف كانت ندرة المصادر التي توثق تاريخ شبه الجزيرة العربية في حقبة النبي موسى، فأغلب ما يتم تداوله حكايات أهل الأخبار في تاريخ الطبري، وابن كثير، وهي منعدمة التوثيق، ولم يكن هناك بد من الاعتماد على الدراسات الأركيولوجية العلمية مثل “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام” للكاتب جواد علي، مع مد ظلال التخييل لوضع تصورات تتفق والموثق من تاريخ.

في رأي الشاذلي، التاريخ اليهودي مزدحم بحكايات وعجائب مُغرية للروائيين لرسم عوالم محيطة بعيدا عن الإدانة أو الدفاع، فالروائي غير منشغل سوى بالحكي وصناعة الدهشة واستخلاص المتعة الأدبية.

التاريخ اليهودي مزدحم بحكايات وعجائب مُغرية للروائيين

ويلفت لـ“العرب” إلى أنه مُتيم بالرواية التاريخية ويراها من أفضل فنون الكتابة، بشرط أن تكتب بحرفية وصدق، “لأنها قادرة على تقديم تاريخ مواز من خلال تخليد أحداث تقارب الاندثار”.

ويقول إن كتابة الرواية التاريخية تماما في أجواء كتابتها، لأن الكاتب يحتاج إلى رحلة بحث أولية ومصادر واقتراب أكبر من الحقبة التاريخية التي يقتحمها، وهو أمر بالغ الصعوبة لأن مهمة الروائي مزدوجة، إذ يعمل باحثا عليه الإلمام بظروف الزمن والأحداث الجارية فيه، وساردا في الوقت ذاته.

ويتابع الشاذلي “أعتقد أن السبب في تزايد إقبال القراء على الرواية التاريخية، يرجع إلى وجود اهتمام وشغف بالماضي (النوستالجيا) وحقيقة ما جرى فيه بعيدا عن الحاضر، لذا فإن الأجيال الشابة عموما، ليس في العالم العربي وحده إنما في العالم كله، تفضل الروايات المستندة على أحداث واقعية”.

كما أن قراءة رواية تاريخية قد توفر قراءة العديد من الكتب التاريخية الأكاديمية والمعنية بالتاريخ السياسي أكثر من التاريخ الاجتماعي.

وبدأ الشاذلي الاهتمام بالقراءة والكتابة مبكرا، وكتب أول قصة قصيرة له في المرحلة الثانوية، لكنه توقف لفترة وعقب إتمام دراسة الطب عاد إلى الكتابة مرة أخرى بعد قراءات واسعة ومتفحصة للمشروعات الأدبية لكل من نجيب محفوظ، ويحيى حقي، وخيري شلبي.

ويكشف في حواره مع “العرب” أن كتابات رضوى عاشور ومحمد المنسي قنديل، خاصة التاريخية، كان لها بالغ الأثر في تشكيل وتجديد وعيه وذائقته الأدبية، وهو لا يحصر قراءاته في مجال الرواية، إنما تمتد إلى مجالات الفلسفة والتاريخ.

وأسامة عبدالرؤوف الشاذلي، طبيب وروائي مصري من مواليد عام 1974، متخصص في طب العظام، ويشغل درجة أستاذ بجامعة عين شمس، وله مقالات بحثية متنوعة في التاريخ القديم، وتاريخ الأوبئة والأمراض المتوطنة.

15