أورسولا فون دير لاين قوة ناعمة قادمة إلى أوروبا والعالم

السبت 2014/04/19
طبيبة الأطفال وصقر الرايخ الجديد

منذ أن سقط الرايخ الثالث، والعالم ينظر بريبة إلى التحولات في ألمانيا، بينما يؤكد الشعب الألماني، باسترخاء نادر، عدم رغبته بالعودة إلى القوة الساحقة التي طالما عرفت القارات ألمانيا بها، وواصلت ألمانيا بناء ذاتها، لتحتل موقعها الاقتصادي والسياسي الكبير في أوروبا، بينما صعدت قوى وهبطت أخرى في الحروب التي تلت الحرب العالمية الثانية، التي كان مسرحها الأكبر الأرض الألمانية المحروقة.


كل ما ينقص ميركل


وحين تسأل الشعب الألماني عن ذلك الصقر الذي يعلو الأعمدة القديمة في ساحات ألمانيا، يقولون لك “هذا من العهد القديم من أيام الرايخ” ولكن يبدو أن ألمانيا اليوم قد بدأت تستعيد صقورها، مع صعود الحاجة إلى القوة في العالم الجديد، وممّن يؤمنون بعودة القوة، طبيبة الأطفال التي يتنبأ لها المحللون بالجلوس على كرسي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قريباً، إنها أورسولا فون دير لاين ، التي يقال عنها إنها ” تتمتع بكل ما ينقص ميركل”.

ولئن كانت الطبقة السياسية الألمانية السائدة حتى اليوم، تعتمد بشكل كبير على الكوادر المهنية، ووارثي العهود السابقة، فإن أورسولا تتقدم على حوامل أرستقراطية تحنّ إليها الثقافة الألمانية المشبعة بالإعجاب للفلسفة والفكر النابع أساساً من أصول رفيعة، وليس من الطبقات الشعبية، وأورسولا فون دير لاين سليلة بارونات وابنة بيئة النبلاء، ولم تعش في ألمانيا الشرقية الفقيرة والشيوعية السابقة مثل أنجيلا ميركل، بل عاشت فون دير لاين حياتها ونشأت في بلجيكا في كنف والدها المسؤول البارز في السوق الأوروبية المشتركة، ودرست في “لندن سكول أوف إيكونوميكس”، وتابعت الطب في جامعة هانوفر، لترحل مع أسرتها إلى كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأميركية.


الطبيبة المحافظة


لم تتردد أورسولا فون دير لاين، في طرح مشروع لتشكيل قوات مسلحة أوروبية مشتركة، باعتبارها نتيجة طبيعية لعلاقات التعاون العسكري الآخذة في الازدياد بين دول الاتحاد الأوروبي، تقول: «أعتقد أن قوة عسكرية مشتركة ستكون نتيجة منطقية للعمل المشترك في مجال الدفاع الذي أصبح أعمق من أي وقت مضى في أوروبا»

توجد نارٌ تحت الرماد بين فون دير لاين وميركل، ولكن ميركل أكثر ذكاء من إعلان الحرب على وزيرة دفاعها، فتمضي الأمور على حالها طالما أن المستشارة ما تزال في موقعها القوي حالياً، وطالما بقيت اهتمامات فون دير لاين بالمسائل الأقل خطراً، مثل دعوتها لإغلاق المواقع الإباحية على الإنترنت، وكذلك توطيد مكانة المرأة في الحزب والحكومة، وقضايا الأمومة والطفولة، ولكن قد يقول البعض إن تلك الاهتمامات هي السلّم الصحيح للصعود إلى قلوب الناس وامتلاك الشعبية الكافية للزعامة، سيما بعد أن وصفتها مجلة “دير شبيغل”، بأنها “في تناولها للأشياء بروح مقدامة وشجاعة تهيئ لها التصدي للمشاكل وجهًا لوجه، فهي تشكل بديلًا حقيقيًا من أنجيلا ميركل المترددة أبدًا”، وربما كان المنصب الذي تولته أولاً كوزيرة للشؤون الاجتماعية والأسرة والشباب في العام 2003 وحتى العام 2009، مفتاحاً قوياً لاطلاعها على حياة المجتمع الألماني واحتياجاته المختلفة، إضافة إلى توليها حقيبة العمل والشؤون الاجتماعية، وكادت تحقق لقب “أمّ الأمة”، بعد استطلاع أجراه معهد “أمنيد” في العام 2010، ونالت خلاله تأييد 43 بالمئة، ولم تتفوق عليها في اللقب سوى لاعبة التنس الشهيرة شتيفي جراف بنسبة 45 بالمئة، بينما جاءت المستشارة ميركل في المرتبة السابعة محققة 34 بالمئة، والغريب أن أكثر ما يركّز عليه الإعلام الألماني اليوم هو أن أورسولا فون دير لاين تمكنت من إنجاب سبعة أبناء من زوج واحد، وأن هذا يناقض ما هو معروف عن شحّ الإنجاب في ألمانيا، وهو دليل على القدرة على تحمل المسؤولية.


الطبيبة والعسكر


نافست أورسولا فون دير لاين في استطلاعات الرأي على موقع «والدة الأمة» الذي حظيت به شتيفي جراف لاعبة التنس الشهيرة، وجاءت هي في المرتبة الثانية بينما لم تحقق أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا سوى المرتبة السابعة

مع أن أورسولا فون دير لاين، اعترفت بأنها لم تخدم في الجيش الألماني ولا تعرف شيئاً عن الحياة العسكرية، إلا أنها حين تولت حقيبة الدفاع، ازدادت الأمور إثارة من حولها، فهي المرة الأولى التي تتولى فيها امرأة في ألمانياً هذا الشأن الحساس والذكوري في أذهان العامّة، فبعد أسابيع قليلة على تعيينها وزيرة للدفاع، بادرت إلى خلط الاجتماعي بالعسكري، حين تقدمت بمقترح لتوفير امتيازات إضافية للأسر في الجيش الألماني، وأكّدت على إلغاء التجنيد الإجباري، وعلى طوعية الانخراط في القوات المسلحة الألمانية، ولذلك فإنه من الطبيعي أن يتم تعويض الأسر التي يتطوع أبناؤها وأولياؤها للخدمة في جيش ألمانيا، فقالت المعارضة إنه لا توجد حالياً حروب تخوضها جيوش ألمانيا حتى نفكّر في تعويض الجيش وأسره، وأن هذا سيفتح باباً واسعاً لتغييرات كثيرة في بنية المجتمع، ولكن الوزيرة الطبيبة أصرّت على موقفها.


المستقبل وأورسولا


عُرض على أورسولا فون دير لاين تولي منصب رئاسة الدولة خلفاً للرئيس كريستيان فولف، ولكنها بعثت برسالة واضحة حين قالت إن المستقبل ما يزال أمامها، ورفضت الترشّح لهذا المنصب، فقالت صحيفة “فرانكفورتر” إن وزيرة الدفاع الجديدة ” ربما تكون خليفة أنجيلا ميركل في منصب المستشارة الألمانية، فيما ذكر برنامج القناة الأولى في التلفزيون الألماني أنها الحلقة الثانية في سلسلة النساء اللواتي قد يقدن ألمانيا، بينما أطلقت جريدة “تاتس”، المقربة من حزب الخضر، لقب “المستشارة الاحتياط” على وزيرة الدفاع، فأصبحت أورسولا حديث الشارع الألماني اليوم، وبدأت المقارنات بينها وبين شخصيات نسائية عالمية مثل أنديرا غاندي وبنازير بوتو اللتين تولتا حقيبة الدفاع قبل وصولهما إلى القمة.


الجدية الألمانية


عرض على أورسولا فون دير لاين منصب رئيس الدولة الألمانية ولكنها رفضت معتبرة أن هناك مستقبلا ينتظرها

تحرص أورسولا فون دير لاين على التقاليد الجدية الألمانية في العمل والحياة، والتخطيط الصارم لكل شيء، والالتزام بالأنظمة الحياتية والصحية، فقدمت كل ما تستطيع خدمة لوزارتها الأولى وحولتها كما قالت الصحافة من تلك التي كان المستشار السابق جيرهارد شرودر يسميها بـ“الوزارة الزائدة”، إلى وزارة حيوية ومهمة شغلت البرلمان الألماني طويلاً بقراراتها الخاصة بالشؤون الاجتماعية، وتقود “مستشارة الدفاع” الألمانية اليوم، جيشا يصل تعداد أفراده إلى 185 ألف عسكري بالإضافة إلى 70 ألف مدني، وتبلغ ميزانية هذا الجيش 33 مليار يورو، ويقول عنها خصمها المعارض جريجور جيزي، زعيم حزب اليسار: “إن امرأة لها سبعة أطفال لن ترسل أطفال الآخرين إلى الحروب”، وقال هيلميت كونت شاوس رئيس لجنة الجيش في البرلمان الألماني، إن تسمية أورسولا وزيرة للدفاع دليل على أن تولي امرأة مسؤولية وزارة الدفاع وضع طبيعي، متباهياً بأن “المرأة في ألمانيا منذ العام 2001 بإمكانها الالتحاق بالجيش كوظيفة”.


جيش أوروبا الموحّد


دعت أورسولا فون دير لاين إثر ضم روسيا للقرم الأوكرانية، حلف شمال الأطلسي إلى الوقوف إلى جانب أعضاء الحلف في شرق أوروبا، في حين أن ميركل، ووزير الخارجية شتاينماير، يسعيان إلى حل دبلوماسي للخروج من أزمة القرم المهددة بالانفجار

ولم تتردد أورسولا فون دير لاين، في طرح مشروع لتشكيل قوات مسلحة أوروبية مشتركة، باعتبارها نتيجة طبيعية لعلاقات التعاون العسكري الآخذة في الازدياد بين دول الاتحاد الأوروبي، تقول: “أعتقد أن قوة عسكرية مشتركة ستكون نتيجة منطقية للعمل المشترك في مجال الدفاع الذي أصبح أعمق من أي وقت مضى في أوروبا”، معللة ذلك بصعوبة تحمل كل دولة منفردة تكاليف الأمن المتزايدة من موازنتها المحلية، شارحة أنه ” مع موازنات للدفاع تتقلص تدريجيا، لا توجد أية دولة أوروبية ستتمكن من الحفاظ على قدراتها العسكرية بكل تنوعها وحجمها”.

ودعت أورسولا فون دير لاين إثر ضم روسيا للقرم الأوكرانية، حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى الوقوف إلى جانب أعضاء الحلف في شرق أوروبا، في حين أن ميركل، ووزير الخارجية شتاينماير، يسعيان جاهدين إلى حل دبلوماسي للخروج من أزمة القرم المهددة بالانفجار، وأكدت وزيرة الدفاع القوية على ضرورة قيام منظمة شمال حلف الأطلسي بدور قوي في سياق هذه الأزمة، ولكنها لا تنسى البعد السياسي لشخصيتها فتصرّح بعد أيام بأن مسألة انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي غير مطروحة للنقاش حالياً، لأن أوكرانيا لا تلبي متطلبات الانضمام إلى الناتو، مضيفة أن أوكرانيا تواجه مشكلات خطيرة.

12