أوركسترا القاهرة يهدي "الصلاة الأخيرة" لشهداء مصر

هل يقف المبدعون والفنانون مكتوفي الأيدي إزاء أحداث العنف وتيارات الظلام والأفكار الهدامة التي تحاول فرض وجودها بالقوة على الساحة المصرية؟ سؤال إجابته بالنفي دائما، إذ تعي القوة الناعمة دورها الإيجابي وتأثيرها الملموس على الأرض، من أجل بث الوعي وإشاعة التنوير والجمال والتضامن الحي مع النسيج المجتمعي الوطني.
الأربعاء 2017/12/06
طقس روحاني ابتهالي

القاهرة- ضمن الإطار التفاعلي مع ما حدث مؤخرا في مصر من عمليات إرهابية، جاء حفل الموسيقار المصري راجح داود بدار الأوبرا المصرية بالقاهرة مساء السبت 2 ديسمبر الجاري.

واستقبل المسرح الكبير بالأوبرا محبي الفن وعشاق الحياة، والراغبين في مناهضة العنف بالإبداع، ومحو آثار الدماء التي خلفتها الأحداث الإرهابية في كل ما هو جميل، وأضيئت الأنوار لتقول “لا” للظلام المنبعث من آثار حادث مسجد الروضة بسيناء في 24 نوفمبر الماضي، الذي راح ضحيته 309 من المصلين في بيت الله بالرصاص الغادر.

وعلى الرغم من أن حفل راجح داود شهد تقديم عدد كبير من مؤلفاته وتأملاته الموسيقية بمصاحبة “أوركسترا القاهرة السيمفوني” والصوليست إيناس عبدالدايم عازفة الفلوت الشهيرة، رئيسة دار الأوبرا المصرية، فإن الحفل جاء تحت عنوان “لوحة موسيقية – ترنيمة الصلاة الأخيرة”، لتكون مقطوعة داود الجديدة التي أهداها إلى شهداء مسجد الروضة بمثابة أيقونة للحفل، ومسك ختامه، ورسالته الفنية والتنويرية والمجتمعية الأبرز، التي أراد الفنانون إطلاقها من ساحة الأوبرا بمصر.

المسرح الكبير بالأوبرا استقبل محبي الفن وعشاق الحياة، والراغبين في مناهضة العنف بالإبداع، ومحو آثار الدماء التي خلفتها الأحداث الإرهابية في كل ما هو جميل

بدأ الحفل الموسيقي بالوقوف دقيقة صمت، حدادا على أرواح شهداء مسجد “الروضة” بسيناء، ثم أعلن راجح داود عن برنامج الحفل، مشيرا إلى أن لوحته الموسيقية الجديدة “ترنيمة الصلاة الأخيرة”، المهداة للشهداء، واحدة من أعمال وإبداعات كثيرة ظهرت، وستظهر، في الأفق المصري، للإعلان عن المقاومة والبقاء ومواصلة التحدي.

وقال راجح داود إن الموسيقى هي لغة العالم الموحدة، التي تجمع الإنسانية، وتقرّب الشعوب والقلوب، لأن مصدرها دائما المحبة، مضيفا “من قلب الأوبرا المصرية نهدي المحبة للشهداء، ونقف لهم احتراما وتبجيلا، وتظل مصر رمزا للإبداع والجمال، كعهدها منذ فجر التاريخ، وبالحب ستبقى وتنتصر”.

والموسيقار راجح داود (63 عاما)، يعدّ واحدا من أهم مؤلفي الموسيقى وواضعي الموسيقى التصويرية المصاحبة للأعمال الدرامية بمصر، وتتسم موسيقاه بطابع فلسفي ومسحة صوفية ونزعة تأملية وقدرة على التجسيد التعبيري والدرامي والغوص في الأعماق الإنسانية.

وانطلق الحفل بإلهامات موسيقية لأوركسترا القاهرة السيمفوني، وتوالى تقديم أعمال راجح داود ومؤلفاته الموسيقية، التي امتزج فيها الأداء الجماعي للأوركسترا مع إبداعات الصوليست للعازفين.

وجاء الحفل الأوركسترالي، الذي قاده المايسترو ناير ناجي وأخرجه حازم طايل، متجانسا، إذ انتقيت معزوفاته بعناية لتلائم الظرف المجتمعي، وتتّسق مع اللوحة الموسيقية الجديدة “ترنيمة الصلاة الأخيرة”، ليبدو الطقس الكلي روحانيا ابتهاليا، تتلاقى فيه الأنغام مع الأصوات الغنائية التي ترنّمت بالأدعية والأذكار والإنشاد.

راجح داود: الموسيقى تجمع الإنسانية وتقرب الشعوب والقلوب

وقدمت إيناس عبدالدايم تقاسيم للفلوت والأوركسترا الوتري، وزلزل راجح داود المسرح حماسة باستدعاء أعماله التي تجمع بين الرهافة الشعورية الشديدة والحس الوطني، بمقدرة فائقة على تجسيد الانفعالات الإنسانية المجردة، وتشخيصها دراميا.

ومن هذه الأعمال التي شهدها الحفل في شقه الأول: “المحاربون” للأوركسترا والعود والبيانو، و”رجل في زمن العولمة” للأوركسترا والناي والعود، و”الرجل الثالث” للأوركسترا والبيانو، و”باسكاليا الكيت كات” لأوركسترا الحجرة والعود والأورغن، و”ابتهال ودعاء” لأوركسترا الحجرة من خلال أداء للصوت الغنائي أحمد زكي.

وواصل داود في الجزء الثاني من الحفل تقديم موسيقاه الدرامية التجسيدية، التي تكاد تستدعي الصور والمشاهد أمام أعين المستمعين، لقدرة أنغامه على استنطاق الصوت الغائب في الضمير، وتوليد لوحات تعبيرية تصف حالات ومواقف ومشاهد تعجّ بها مخيّلة الإنسان وذاكرته.

ومن أعمال داود التي تم تقديمها: “جنية البحر” (قصيد سيمفوني للأوركسترا)، و”عصافير النيل” لأوركسترا الحجرة والقانون، و”رسائل البحر” للأوركسترا الوتري ومجموعة صوليست، و”هوانم جاردن سيتي” (غناء نهال نبيل)، و”أسلحة دمار شامل” وهي من مؤلفات داود التي تم تقديمها خارج برنامج الحفل. أما أيقونة الحفل، فهي “ترنيمة الصلاة الأخيرة”، لوحة راجح داود الختامية، وخلاصة تأملاته الموسيقية بعد رحلة سنوات موسيقية، وقد أداها الأوركسترا بمصاحبة مجموعة مى العازفين “الصوليست”: إيناس عبدالدايم (فلوت)، عمرو إمام (كلارينت)، هاني البدري (ناي) وخالد داغر (تشيلو).

وتجلت في “ترنيمة الصلاة الأخيرة” الملامح الموسيقية والخصائص التعبيرية التي يتميز بها راجح داود على امتداد تجربته، وقد لمس الحضور بصماته وخبراته بوضوح في ذلك الفيض الدرامي المكثّف من تمثيل طقوس جنائزية حزينة ترفرف فيها الأرواح المحلّقة مع بكائيات الناي، جنبا إلى جنب مع استدعاء وهج الحياة للإعلان عن انتصار الإنسان على أحزانه، وحلول النور المقيم بعد الظلام المؤّقت الزائل.

وجاءت شاشات العرض الثلاث الكبيرة، في خلفيّة المسرح لتعرض لقطات أرشيفية، يتعانق فيها المسجد والكنيسة والهلال والصليب حيث يرفرف علم مصر، بما خلع المزيد من التشخيص على النغمات المحملة بالفيوض التأثيرية، لتكون “ترنيمة الصلاة الأخيرة” عملا موسيقيا تفاعليا، يفتح المتلقي من خلاله نوافذ لتأمّل ذاته وقراءة المشهد المحيط به في آن.

16