"أوركسترا دمشق".. تجمع شرق الموسيقى بغربها

"أوركسترا دمشق" تزاوج بين الموسيقى الشرقية وتقنيات التوزيع الأوركسترالي، علاوة على الفكر الموسيقي الجديد.
الثلاثاء 2018/09/11
معزوفات حالمة تجمع بين مدرستين موسيقيتين

كان للأحداث السورية الراهنة، كبير الأثر على حال الإبداع الموسيقي فيها، فالبعض من الموسيقيين غادروا بحثا عن استقرار أكبر بعد أن ضاقت دروب الحياة بهم في وطنهم، والبعض الآخر بقي داخل حدود الوطن يصارع أعباء الحياة الصعبة، متشبثا بأحلام جمعته مع العديد من زملائه، ومن بين هؤلاء الذين آثروا البقاء نجد الموسيقي السوري محمد زغلول الذي أنشأ مع زمرة من خيرة العازفين السوريين “أوركسترا دمشق”.

دمشق – “أوركسترا دمشق”، هي فرقة موسيقية كان الهدف من تأسيسها جمع النخبة السورية المثقفة موسيقيا، لتقديم أعمال هامة لموسيقيين سوريين بالدرجة الأولى في الحفلات المتنوعة التي تقدّمها.

وقد قدّمت أوركسترا دمشق منذ تاريخ تأسيسها في العام 2016 على يدي الموسيقي السوري محمد زغلول، العديد من الفعاليات، كان من أهمها حفل في مدينة حلب قُدّم عام 2017 بعنوان “من رماد الحرب حلب تنبض بالموسيقى” بمشاركة جوقة ناريغانسي والمايسترو الحلبي إلياس جانجي.

وفي الحفل الأخير الذي أقيم في دار أوبرا دمشق، وحمل عنوان “ضوء” قدّم عاصم مكارم، وهو أحد الفاعلين في الفرقة إلى جانب مؤسسها الموسيقي محمد زغلول، عددا من المؤلفات الموسيقية التي سبق وأن ألفها، وقدّمها مع الفرقة السيمفونية الوطنية السورية التي يترأسها.

والبداية كانت مع “الدوامة” وفيها قدّم أجواء موسيقية تترجم حال الإنسان في ما يعيشه من فوضى وتشتت عندما يواجه الأزمات والصعاب.

 وفي المقطوعة حضرت تداعيات المرحلة القاسية التي يعيشها المواطن السوري في ظل هذه الآلة الهائلة من العنف والتشتت والهذيان التي تحيط به، وعبر نغماتها القصيرة المتواثبة بين طيف واسع من الآلات الموسيقية الوترية والإيقاعية، أوصلت فكرتها للمتلقي من حيث كونها تردادا لما يسكن في جوانح الناس في حياتهم اليومية.

المؤلف الثاني فكان بعنوان “جيروسليم” وفيه ينقلنا مكارم نحو مرتبة موسيقية تالية، حيث الجمل الموسيقية الهادئة والرشيقة والتي تحمل في طياتها فكرة تقبل الواقع وعدم الوقوف عنده، بل العمل على البحث عن حلول، وفي هذا المؤلف ظهر النمط الشرقي الكلاسيكي من خلال جمل موسيقية أدتها آلة الكمان بعدة تنويعات فردية وجماعية، بجو شرقي مفعم بالجمال، وقدّم فيه عازف آلة الكمان عزفا مقتدرا.

طيف واسع من الآلات الموسيقية الوترية والإيقاعية،
طيف واسع من الآلات الموسيقية الوترية والإيقاعية

أما المؤلف الثالث فكان بمشاركة السوبرانو منار خويص، وهي موسيقية من سوريا، درست على يد أساتذة كبار ثم تخرجت من المعهد العالي للموسيقى بدمشق عام 2015، اختصاص غناء أوبرالي، وقدّمت في سوريا مشاركات صولو هامة مع فرقة الباروك، وكذلك في أوبرا دمشق. وكان اسم المؤلف سالفينغتون فوكاليز، وقدّم المؤلف والمغنية فيه أجواء أوبيرالية تنم عن ثقافة موسيقية عالية.

أما المؤلف الرابع والأهم الذي قدّم في الحفل فكان “كونشرتو القانون”، وهو المؤلف الأول الذي يقدّم في سوريا على هذه الآلة، وفيه محاولة جريئة وهامة في وضع آلة موسيقية شرقية أصيلة في قالب موسيقي غربي صرف، فالكونشرتو هو قالب موسيقي غربي يوضع لإظهار أهمية آلة موسيقية محددة وبراعة المؤلف في التأليف من خلالها بمصاحبة فرقة موسيقية.

وقدّم الكونشرتو عزفا الفنان الشاب عمران عدرة، وهو عازف على آلة القانون تخرج عام 2015 من كلية الهندسة الميكانيكية والمعهد العالي للموسيقى بدمشق، وشارك في العديد من الفعاليات الهامة مع فرق سورية وعالمية، فاشترك في فرقة براغ للموسيقى وظهر بحفلات لزياد الرحباني في لبنان. كما سجل مع عدد من المؤلفين السوريين عددا من الأعمال التلفزيونية والسينمائية.

وتضمن الكونشرتو ثلاث حركات، تميزت بتداخل جميل بين الأسلوب الغربي في الطرح الموسيقي والأسلوب الشرقي، ففي الحركة الأولى ظهر الأسلوب الغربي بشكل واضح، وهو الأمر الذي ظهر معكوسا في الحركة الثانية، حيث ظهرت الروح الشرقية أكثر، ثم الحركة الثالثة التي كانت فيها مساحات لإظهار براعة العازف في تقديم مهاراته في العزف. وحفل “ضوء” الذي قدّمته أوركسترا دمشق، للمؤلف الموسيقي عاصم مكارم وقيادته، كان صادحا بالأجواء الراقية المليئة بالموسيقى الأصيلة، ما كان منها شرقيا أو غربيا، ويعد خطوة جريئة وواثقة نحو المزيد من المحاولات الناضجة في هذا الاتجاه، لتكريس الموسيقى الحقيقية المثقفة للجمهور وكنوع من رد الروح إلى الموسيقى في كل تجلياتها البعيدة عن السائد.

16