أورهان باموق في معرض الشارقة: أكتب بروح الشاعر بحثا عن السعادة

صاحب نوبل للآداب يؤكد أن هروب الأتراك من التلفزيون الرسمي واللجوء إلى الرواية هو بحث عن الحرية المفقودة.
الثلاثاء 2019/11/05
مهندس الرواية التركية: الرواية تحرضنا على التساؤل

ذهب الروائي التركي أورهان باموق إلى أن الكتابة وعد بالسعادة، وأنه يكتب لكي يكون سعيدا في حياته. وتطرق صاحب نوبل للآداب، الذي كان يتحدث إلى جمهور معرض الشارقة للكتاب، مؤخرا، إلى سيرته مع الحياة والكتابة، وموقفه من حكومة أردوغان، مثلما تحدث عن القراءة في الزمن الرقمي المعاصر، وأثر وسائط التواصل الجديدة على القراءة والكتابة والخيال الإنساني.

أكد الكاتب التركي أورهان باموق، صاحب نوبل للآداب عام 2006، أن الكتابة هي مصدر السعادة لديه، لكن تحقيق هذه السعادة لا يتم بسهولة، وإنما يحتاج إلى الجهد الكبير والبحث والتقصي، هنالك حيث تكمن متعة الكتابة ولذتها بتعبير رولان بارت.

وهنا، استحضر الروائي التركي تجربته مع كتابة روايته الشهيرة “اسمي أحمر”، والتي ظن أنه سيكملها في ظرف سنتين، فإذا بها تطول لسنوات أكثر، استدعت منه العودة إلى المخطوطات النادرة، لمعرفة صيغ اللغة القديمة، مثلما خاض بحثا واستقصاء مستغرقا في كتب التاريخ. يقول باموق، “جالست وآنست عددا من الأشخاص الذين عاشوا في فترات متقدمة، حتى أستطيع كتابة رواية تتكئ إلى التاريخ وأسراره ومساراته”.

وخلال المحاضرة الكبرى التي ألقاها الكاتب التركي، ضمن فعاليات الدورة الحالية من معرض الشارقة الدولي للكتاب، التي قدمه فيها عمر سيف غباش مساعد وزير الخارجية الاماراتي، شبّه أورهان باموق عملية الكتابة بـ“شجرة وارفة فروعها وأغصانها في السماء، وجذورها وظلالها ممتدة في الأرض، وفيها الكثير من الأزهار التي تتحول إلى ثمار، وهكذا…”، في عملية خلق وإبداع لا متناهية.

طفل إسطنبول

تحدث الروائي التركي عن طفولته في إسطنبول، وكيف عاش في كنف أسرة تركية مثقفة، كان أغلب أفرادها مهندسين، لكنه كان يحلم بأن يكون رساما. وبالفعل، شرع في الرسم، منذ كان عمره سبع سنوات، وكان الجميع يتنبأ له بمستقبل فنان تنشكيلي، من خلال محاولاته الواعدة في الرسم منذ الطفولة.

ولأجل ذلك، يقول الكاتب “من الناحية الاجتماعية والأسرية، بدا أن مصيري هو أن أكون مهندسا، لكنني ولدت في الحقيقة لأكون كاتبا، رغم أنني درست الهندسة في الجامعة في بداية الأمر، ودرست الصحافة أيضا، قبل أن أتوجه إلى دراسة الآداب والفنون”، وهو ما يفصل فيه القول في روايته السير ذاتية “إسطنبول”.

الرواية ليست مجرد حكاية تتضمن أحداثا وأزمنة وأمكنة، إنها صور شعرية تحتاج إلى روح الشاعر التي نفتقدها اليوم

ولا ينفي باموق أنه استفاد من دراسة العمارة والصحافة في كتابة الرواية وهندستها، وهو الذي وصفه مؤرخو الرواية في تركيا بأنه “مهندس الرواية التركية”. كما تحدث أورهان باموق عن الصعوبات التي واجهها في نشر روايته الأولى، حين لم تكن الرواية جنسا أدبيا شائعا ولا مغريا في بلاده إبان تلك الفترة من نهاية السبعينات.

وبعد دراسة الهندسة مدة ثلاث سنوات، ثم دراسة الصحافة في الجامعة والتخرج من كلية الإعلام، اشتغل باموق بالصحافة، قبل أن يغادر الكاتب مهنة المتاعب، ولجأ إلى عزلة خاصة حاول فيها أن يحقق حلمه بأن يكون رساما، “وخلال هذه الفترة، وكنت في العشرينات من عمري، قادتني هذه العزلة إلى الكتابة، فشرعت في كتابة الرواية، ولم أتوقف إلى اليوم عن هذه الكتابة التي أجد فيها سعادتي، حين الكتابة وبعد الانتهاء منها والشروع في كتابة رواية أخرى”.

كما أكد الكاتب أن هذه السعادة تغمره، أيضا، بمجرد النظر إلى مخطوطات رواياته التي يظل يحتفظ بها. وفي هذا السياق، أشار إلى أنه قد أودع مخطوط  رواية “متحف البراءة” في متحف إسطنبول، وهي الرواية التي حظيت باهتمام كبير في العالم العربي، وذلك حتى يتقاسم مع الناس متعة مشاهدة هذه الرواية مجسدة أمامهم في أروقة المتحف.

وإذا كان أورهان باموق قد أفاد من نظرة المهندس المعماري وأخبار الصحافي وتحقيقاته في كتابة الرواية وصناعتها، إلا أنه يعود ليشدد، مرة أخرى، على أنه يكتب بروح الشاعر أولا وأخيرا، وهي “روح الشاعر التي بتنا نفتقدها في عالم اليوم، في هذا الزمن الرقمي، مع انتشار وسائط التواصل الجديدة، وظهور ما يعرف بالكتب الرقمية، والتي لم تحل دون تراجع القراءة في عالم اليوم”.

الرواية ليست مجرد حكاية تتضمن أحداثا وأزمنة وأمكنة، إنها صور شعرية تحتاج إلى روح الشاعر التي نفتقدها اليوم
رواية استدعت العودة للمخطوطات النادرة

روح الشاعر

حذّر صاحب نوبل من التراجع عن ممارسة الشعر والاهتمام به اليوم، مشيرا إلى أن جل الشباب كانوا يكتبون الشعر ويحفظونه، خلال العقود الماضية، بينما أصبح عالمنا يفتقد لروح الشعر.

وهذه الروح الشعرية لا توجد في القصائد فقط، بل توجد في الروايات العظيمة، على حد توصيفه. إذ يرى صاحب رواية “الحياة الجديدة”، الممتلئة بالشعر، أن الرواية ليست مجرد حكاية تتضمن أحداثا وحوارات وأزمنة وأمكنة، ولكنها صور شعرية نسعد بها حين نقوم بتحويل أحداث الرواية ووقائعها وشخوصها وفضاءاتها إلى صور في مخيلتنا، لكي ندرك ما لم تقله الكلمات، أو ما يريد الروائي قوله لنا.

هذا على أساس أن القارئ هو الذي يكمل الرواية ويرسم صورتها الكلية. وهكذا، فإن السعادة التي يجدها المؤلف في كتابة الرواية يجدها قارئ الرواية أيضا، على أساس أن “قراءة الرواية تحرضنا على طرح الأسئلة، ومحاولة البحث عن الحدود الفاصلة بين الواقع والمتخيل، كما تدعونا إلى البحث واللجوء إلى التخييل نفسه، فضلا عما توفره لنا الرواية من دهشة وغيرها من عناصر المفاجأة”.

تلفزيون أردوغان

رغم تأثير وسائط التواصل الجديدة على القراءة والقراء، إلا أن الرواية لا تزال تقاوم وتغري عشاقها. يقول باموق، منتهيا إلى أن “الرواية لن تموت”، رغم كيد الأزمنة الرقمية المعاصرة، وسيل القنوات والفضائيات الكثيرة.

وهنا، تحدث الكاتب بسخرية عن الإعلام التركي، مؤكدا أنه “لم يعد الشباب عندنا يشاهدون التلفزيون التركي، بسبب الدعاية الفجة والمضحكة، التي يقوم بها لصالح الحكومة”.

ولذلك، يؤكد باموق أن “علينا أن نشكر حكومة أردوغان، لأنها جعلت الشباب يعودون إلى القراءة ويترك التلفزيون لحال سبيله”.

الكاتب شكر حكومة أردوغان، لأنها دفعت الشباب إلى القراءة وترك التلفزيون الذي أصبح وسيلة دعاية حكومية

ويؤكد الكاتب، الذي يعتبر في طليعة المعارضين للنظام التركي، والمتهم أكثر من مرة بإهانة الهوية التركية، أن على الكاتب أن يظل محايدا، دون أن يتخلى عن حسه النقدي تجاه السياسات القائمة. واعتبر المتحدث أن هروب الأتراك من التلفزيون الرسمي واللجوء إلى الرواية هو بحث عن الحرية التي يفتقدونها.

وعن الرواية دائما، نوه الكاتب التركي أورهان باموق بإقبال عدد من النساء على كتابة الرواية في تركيا، إضافة إلى اهتمامهن بقراءتها، مشيرا إلى أن أزيد من 60 بالمئة من التركيات يقرأن الروايات، بحثا عن تلك السعادة التي توفرها قراءة الرواية، كما يقول أورهان باموق، وبحثا عن الحرية أيضا، يختم الكاتب.

15