أورهان باموق يبتكر أوديب جديدا ويعطيه مسدسا

الكاتب أورهان باموق باموق يجمع في روايته "ذات الشعر الأحمر" بين أسطورتين قديمتين ليقدم أسطورة جديدة عن قتل الأب، في رمزية دالة على السعي إلى التحرر.
السبت 2019/04/13
المرأة قصص لها  أكثر من وجه (لوحة للفنانة سارة شمة )

تنطلق معظم كتابات أورهان باموق (من مواليد 1952 بمدينة إسطنبول) المتعدّدة، من همّ عام يؤرقه، لا يُعَدُّ هذا الهمُّ بالضرورة همًّا شخصيًّا، وإن كان يتحول إلى همّ شخصي بسبب إلحاحه على ترديده. حيث لا يتوانى أورهان باموق الحائز على نوبل 2006، في التعبير عمّا يؤرقه خاصة في أعماله الروائية، ومن جراء هذا أُطلِق على باموق أنه المعبر عن “روح تركيا الحديثة”. وتبقى السّمَة البارزة في مشروع باموق الرّوائي إلى جانب التكريس لأسطورة المكان (إسطنبول)، هي التحرّر أو التمرّد على كافة القيود.

صدرت مؤخّرًا الطبعة العربيّة من رواية باموق “ذات الشعر الأحمر”، بعد أن حققت نجاحًا في طبعتها التركية، وقد سبق أن فازت بجائزة “جوسيبي توماسي دي لامبيدوسا” الإيطالية في دورتها الرابعة عشرة عام 2017. وتأتي الترجمة هذه المرة بتوقيع جلال فتّاح رفعت، بعد رحيل مترجم باموق الأهم عبدالقادر عبداللّي الذي تعامل مع باموق في معظم أعماله.

في الرواية الجديدة، الصادرة عن دار الشروق المصرية، كدأب باموق ثمّة بحث مُضنٍ عن الأب، حتى لو انتهى إلى قتله كما حدث في نهاية الرواية، وإن كان القتل غير مقصودٍ. يعود فيها باموق من جديد إلى حُقبة مهمّة في تركيا، هي حقبة الثمانينات؛ حيث الانقلابات العسكرية، التي أرّقت المجتمع التركيّ، في إشارة دالة إلى قتل الأب الموازي للسُّلْطة، وما أعقب هذه الفترة من تغيرات على المستوى الاجتماعي والاقتصادي. كما يكشف عن نمط التسليع الذي استشرى في المجتمع، وما تبعه من انتشار لظواهر سلبية.

ذات الشعر الأحمر

تأتي الرواية في ثلاثة أقسام، يتناوب على السرد فيها صوتان؛ الأول صوت جيم، والثاني صوت جول جيهان. والصوتان كأنهما القرار والجواب، حيث يأتي الصوت الثاني بمثابة الجواب للكثير من الفجوات أو سد للثغرات في سرد الصوت الأوّل، الذي يُهيمن على قسميْن من الرواية. في القسم الأوّل يحكي جيم جانبا من طفولته المغدورة بعدما اختفى الأب الصيدليّ، وهو ما اضطره إلى أن يعمل في حِرفٍ مُتعدِّدة، كبائع في مكتبة كتب، ثمّ كحارس لبساتين الكرز والخوخ في الأراضي التي يملكها صهره، وصولاً إلى عاملِ حفر آبار مع الأسطى محمود. وفي نفس الوقت كان منشغلا بالتسجيل للامتحانات التمهيدية للقبول في الجامعة.

تمرّد على كافة القيود
تمرّد على كافة القيود

يستعرض الراوي لمهنة حفر الآبار وطقوسها، وأسباب اللجوء إليها في إسطنبول القديمة، إلى أن يلتقي في جولاته مصادفة بـ”جول جيهان” المرأة ذات الشعر الأحمر، التي تعمل ممثلة في مسرح الجوّالة، فيهيم بها مع أنّها في ضعف عمره، وبعد مراقبته لها، يدخل المسرح، وبعد انتهاء المسرح تتطوّر علاقته بها إلى فراش، ولكن ينتهي القسم نهاية مأساوية، حيث يُصاب الأسطى محمود، فيهرب جيم خشية أن يكون قد مات، في ذات الوقت كانت المرأة وفرقتها غادرتا المكان تماما.

تقطع الأحداث في القسم الثاني من الرواية شوطا بعيدا عن زمن القسم الأول، حيث جيم يغادر إلى إسطنبول بالقطار، وقد لازمه الصمت وكأنّه “وضع مسافة بينه وبين العالم”. ثم يتخرج جيم ويتزوج من زميلته عائشة ويعمل في العديد من الدول، كذلك نتوقف عند زياراته للكثير من المدن، التي كانت سياحيّة ومعرفيّة بحثًّا عن صورة الشاهنامة.

يأتي القسم الثالث بعنوان “امرأة ما ذات شعر أحمر”. ويهيمن فيه السّرد بالأنا على لسان جول جيهان. وتستعرض فيه لماضٍ يمتدُّ إلى منتصف الثمانينات، عندما كانت تعمل في إحدى الفرق المسرحية. فتحكي عن تاريخها منذ أن كانت يسارية ترتبط بعلاقة سرية بثوري وسيم، دامت ثلاث سنوات، وكان متزوجا بامرأة أخرى. جزء من سردها يأتي وكأنّه تبرير أو دفاع مُسبق لما سيفعله الابن في حقّ أبيه لاحقًّا.

ورغم زمن الماضي القريب الذي يهيمن على الرواية، إلا أنّ ثمّة ارتداداتٍ لأزمنة سابقة، حيث التأريخ للمكان، والسُّكان الذين نشأوا فيها (المنطقة) ومِن أين قدموا، وكيف تكوّنت التكوينات السُّكانيّة بهذه المنطقة، وحالة التغيّرات التي حدثت في إسطنبول. كما لا يتوقف السارد عند التغيرات التي حدثت في تركيا، وإنما يوسِّعُ أفق الرؤية ويسرد التطوّرات التي حدثت بمنطقة الشرق الأوسط كصورة إيران بعد الثورة، ثم حالتها بعد فرض الحصار عليها، وصولا إلى الأزمة الاقتصادية في اليونان.

قتل الأب

مع القسم الثاني يضعنا باموق مع ثنائية الأب – الابن، وصراع العلاقة بينهما، فيعمد إلى استحضار أسطورتيْن متناقضيْن، الأولى أسطورة أوديب الذي يقتل أباه بعد مضاجعته لأمه، والثانية أسطورة رستم وسهراب. ولا يأتي حضور الأسطورتيْن كترف حكائي، بل هما كاشفتان لعلاقة جيم بأبيه، الذي تركه في مرحلة مبكرة؛ ليكوِّن حياة خاصّة. ثمّ في مرحلة لاحقة تكون إجابة عن سؤال لماذا حمل الأب سلاحه، الذي قتله به الابن عندما احتدَّ الخلاف بينهما؟

فكرة قتل الأب أخذت مسارات مُتعدّدة داخل الرواية، فبحكم الترابط القوي بين الأسطى محمود والصبي، أحلّ الصبي صورة الأب على الأسطى، لدرجة أن الأسطى محمود كان يرى أن علاقة المعلّم بصبيّه تكمن في كونها “مشابهة لعلاقة الأب بابنه. وعندما يلتقي الصّبي جيم بجول جيهان، ويتطرق الحوار بينهما إلى ظروفه وعائلته، فيحكي لها عن أبيه المختفي الذي تركهم، وهنا تطالبه بأن ينصاع لمعلمه وتحرِّضه هي الأخرى على البحث عن الأب البديل: ‘عليك أن تجد لنفسك أبًا غيره، فكل واحد هنا في هذه البلد له أكثر من أب، مثل الدولة الأب، الأب المقدس، الباشا الأب، أبو المافيا، هنا لا أحد يستطيع الاستمرار في العيش بلا أب”.

حالة قتل الأب التي سعى إليها جيم بالاعتماد على نفسه أولاً، ثم بالاستعاضة عنه بالأب البديل، كانت ترويضا لتلك الحالة التي رأينا عليها جيم بعد لقائه بأبيه مصادفة، فكان لقاء عابرا جافا، لم يظهر بُعْد السنين والفراق، وإن كان في لحظة وفاته أظهر عاطفة ما، كانت من نتاج الماضي ليس إلا.

رغم الزمن الماضي القريب الذي يهيمن على الرواية، إلا أن هناك ارتدادات لأزمنة سابقة، حيث التأريخ للمكان والسكان

كما كانت حالة القتل بمثابة لوم لذاته التي تخلّت عن الأب، دون أن تبحث عنه، ففي الأسطورتين تغرّب أوديب وسهراب عن ديارهما، وابتعدا عن المدينة التي ترعرعا فيها، وخاضا ما خاضا من حروب، لا بدافع قومي وإنما بدافع عائلي، وهو ما لم يقم به جيم، وأيضا أنور في مرحلة لاحقة. فجيم في رحلة اغترابه عن البيت مع أنها من أجل توفير المال، حادت عن مسارها إلى جانب شبقي، حيث شغفه بالمرأة ذات الشعر الأحمر، ومطاردتها إلى أن أوقع بها. والعكس حدث تماما في حكاية أنور، فأنور كان رافضا أصلا اللقاء مع أبيه، وتخفّى في شخصية “سرهاد” الذي أخذ في مهاجمته بضراوة خاصة في اتهامه بأنه لا يؤمن بالله، ويضعه بحداثته ضدّ الدين تماما، وهو
ما كان قتلا معنويّا قبل القتل المادي بالمسدس.

معظم مشاكل أنور كانت بسبب نشأته بلا أب، فصار ناقما، كما انتمى إلى أأأيديولوجيا متشدّدة، وحيال حالة الفقد صاغ مفهومًا للأب هكذا “هو ذلك الرجل القوي، المشفق الذي يحمي ابنه ويرعاه منذ الساعات الأولى التي يوقعه في قرارة رحم الأم وإلى آخر يوم في حياته”. هذا المنظور دفعه إلى محاكمة الأب. هكذا جمع باموق بين الأسطورتين القديمتين، وقدم أسطورة جديدة عن قتل الأب، في رمزية دالة على السعي إلى التحرر.

15