أورهان باموك وأليف شفق.. إسكات المبدعين مهمة لا تبدو سهلة

الحديث عن مسائل مثل الحريات الشخصية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والديمقراطية، أصبح من باب المجازفة في تركيا؛ حيث يقمع صوت كل مناد بالحق ومعارض للحزب الحاكم إلى درجة أنه يتهم بالخائن والإرهابي، غير أن رائدي الأدب التركي المعاصر أورهان باموك وأليف شفق تحديا بكتاباتهما هذه الخطوط الحمراء التي ينسجها السياسيون الأتراك بحبكة لحماية أنفسهم والتستر على الحقائق الخفية وراء سياساتهم.
الأربعاء 2016/02/10
جناحا الحرية

استطاع أورهان باموك الروائي التركي الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 2006، أن يثير عبر كتاباته ولقاءاته الصحافية والإعلامية أكثر القضايا التركية تعقيدا، وأن ينتقد بشدة تردي الأوضاع في بلاده وأن يعبر عن رفضه وعن آرائه عبر التعليق على جميع المستجدات والأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية وحتى عن المشاكل اليومية التي يعيشها المواطن التركي البسيط دون خوف وخشية من السلطة الحاكمة. ورغم تعرضه للمضايقات ولمواجهة القضاء، إلا أنه لم يفارق أسلوبه الروائي النقدي اللاذع لسياسات بلاده مدافعا عن الحريات والحقوق.

تحقق كتابات باموك مبيعات ضخمة وتوزع في تركيا وفي العديد من الدول في العالم وتترجم إلى أكثر من لغة، وهو ما أكسبه شهرة واسعة وقدرة على التأثير إلى درجة أن السلطات التركية التي تجرأت على كتم أصوات عديدة وإسكات صحافيين وفنانين وأكاديميين وكتاب وسياسيين معارضين كثر لم تتمكن من إخماد صوته أو من إيقافه على الكتابة وعلى التمتع بحقه في التعبير عن آرائه بحرية في جميع المنابر وبشتى الوسائل المتاحة له في تركيا وخارجها. كما أنها عجزت عن اعتقاله أو سجنه حتى بعد أن لاحقه القضاء التركي بجرم “إهانة الهويّة التركيّة” والتطاول على مصطفى كمال أتاتورك مؤسّس الجمهوريّة التركيّة، عندما أثار قضية مقتل مليون أرمني وثلاثين ألفا من الكرد على الأراضي التركيّة على يد الجيش التركي. وخلال سنوات المحاكمة تعرض لتهديدات بالقتل من جهات مجهولة لكنه انتصر وأعفي من هذه التهم عام 2006 وواصل إثارة المحرمات إما عن الواقع التركي وإما عن تاريخ الأتراك.

مع مرور الوقت اكتسبت مواقف وآراء أورهان التي تضمنتها رواياته وكتاباته وزنا أكبر من كونها إبداعات أدبية وفكرية لتبلغ درجة المؤثر في القراء الغربيين والأتراك، وليتحول إلى مصدر إخباري عالمي تعتمد تصريحاته أكبر وسائل الإعلام في العالم وخاصة منها الغربية، وهو ما جعل السلطات التركية تخشى جرأته وصيته العالمي وتتجنب الدخول في مواجهة أو صراع مباشر معه. وقد منحت الصين الروائي العالمي باموك جائزة الكاتب الدولي الأكثر تأثيرا، وذلك خلال المنتدى الأدبي الدولي الذي نظمته أرفع وأكبر مجموعة إعلامية في الصين، وهي مجموعة “نانفانغ ديلي” للإعلام، ضمن فعاليات أسبوع الآداب العالمية في جنوب الصين 2012.

طريقة تعامل السلطات التركية القمعية تجاه أورهان باموك هي ذاتها في التعامل مع الروائية التركية الشهيرة عالميا أليف شفيق التي استطاعت أن تحقق مجدا أدبيا وضجة مؤثرة في الأوساط التركية، وقد قيل عنها إنها تمشي على خطى باموك وبذات الحدة والجرأة في المواقف وقد حظيت كتاباتها بالتقدير وترجم العديد منها إلى لغات مختلفة، وحققت مبيعات ضخمة كما أنها تعرضت للملاحقة القضائية بنفس التهمة الموجهة لأورهان من قبل وهي إهانة الهوية التركية. وقد مثلت أمام المحكمة عام 2005 بسبب روايتها الشهيرة “لقيطة إسطنبول” التي أثارت فيها أيضا قضية الأرمن، رغم أنها تقدم رواية أدبية لم تعبر فيها عن موقف سياسي لذلك وجدت المحكمة صعوبة في إثبات التهمة والحكم عليها لنقص الأدلة.

في تركيا كل شاعر أو كاتب أو أكاديمي قد يعدم دون محاكمة بسبب كتاب أو مقال وقد يصل الأمر إلى حد السجن

وإلى جانب إثارة القضية التاريخية للأرمن التي تعد السلطات التركية مجرد إثارتها أو التعبير عن موقف فيها ينصف الأرمن تاريخيا ويوجه أصابع الاتهام لتركيا، جريمة يعاقب عليها القانون. أثار الكاتبان قضايا تتعلق بالحريات الشخصية وبحرية التعبير والصحافة التي باتت مهددة في تركيا. ويقول باموك منتقدا الطبقة الحاكمة “إن رجال السياسة في بلدنا صاروا أكثر عدائية وزادت التهديدات تجاه الصحافيين الذين يتعرضون للضرب ويزج بهم في السجون ويقتلون”.

كما انتقد أورهان في أكثر من مناسبة سياسات الرئيس أردوغان والحزب الحاكم موضحا أن”المشكلة ليست أردوغان فقط بل في فئة الإداريين المحيطة به فحزب العدالة والتنمية يريد السيطرة على تركيا كافة”. وفي تعليقه على اعتقالات الأكاديميين التي وقعت مؤخرا بسبب توقيعهم لوثيقة السلام مع الأكراد، كرر الروائي انتقاداته بشكل مباشر للاستبداد الذي يعيشه المثقفون الأتراك بقوله “نحن نملك في تركيا ديمقراطية الانتخاب فقط، إلا أنه لا توجد لدينا ديمقراطية للتعبير عن الرأي وديمقراطية تحترم الاستقلال المؤسسي للجامعات. ولا يمكن الحديث عن ديمقراطية كاملة في دولة يُجبر فيها الأكاديميون على الموافقة على قرارات الحكومة عنوة”.

وفي ذات السياق واستجابة للمتغيرات على الساحة التركية، أعربت أليف شفق عن قلقها عن مستقبل تركيا وعن مستقبل الحريات والحقوق خاصة، وقد قالت في مقال لها بصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية إن الرئيس رجب طيب أردوغان يلهث وراء نظام أكثر استبداديّة. وبعد لقاء جمعها بمواطنها باموك في حفل عرض روايته بعنوان “متحف البراءة” بالعاصمة البريطانية لندن نهاية شهر يناير الماضي، كتبت في مقال بصحيفة الغارديان البريطانية عن الرقابة المفروضة في تركيا على نطاق واسع والتي تتعقب الجميع كالظل قائلة “في هذه الأيام كل من يوجه انتقادات للمسؤولين يُصنف على أنه خائن أو عدو للوطن، في تركيا كل شاعر أو كاتب أو أكاديمي قد يعدم دون محاكمة بسبب كتاب أو مقال كتبه أو مشاركاته على موقع التواصل الاجتماعي تويتر أو بإعادة نشره مشاركات أشخاص آخرين على الموقع. كما يمكن شيطنة التيار الرئيسي في وسائل الإعلام وقد يصل الأمر إلى حد السجن بناء على حكم قضائي”.

وبالرغم من إدراك الكاتبين لحجم المجازفة بالتعبير عن الرأي بحرية في تركيا، إلا أنهما لا يترددان في ذلك، وينتقدان عبر وسائل الإعلام العالمية الممارسات القمعية للحزب الإسلامي الحاكم، ولممارسات الرئيس الإسلامي الذي يهدف إلى محو علمانية وتعددية المجتمع التركي. وهما يقومان بحملات دائمة من أجل تركيا العلمانية ومن أجل مناصرة حقوق الإنسان والدفاع عن حقوق المرأة والحريات الشخصية، وينتقدان بشدة تردي الأوضاع في البلاد، ويكشفان حقائق ما يجري في الداخل التركي وما يخفى عن وسائل الإعلام الأجنبية والعالمية للرأي العام في العالم.

12