أوروبا "أرض الميعاد" لعناصر الدولة الإسلامية التي تتلاشى

الأربعاء 2016/09/07
تأملات في ما أحدثه داعش وما سيحدثه في المستقبل

باريس- مع توالي النكسات العسكرية لتنظيم الدولة الإسلامية في مناطق سيطرته على الأراضي العراقية والسورية، يحث مسؤولون وخبراء الدول التي غادر منها متطوعون للانضمام إلى التنظيم الإرهابي على الاستعداد لإدارة مشكلة عودتهم الشائكة، وقد بدأت فعلا بعض الأجهزة الأمنية في أوروبا برصد عدد من المقاتلين وهم بصدد العودة من تركيا وبعض دول أوروبا الشرقية إما عن طريق البر أو الرحلات الجوية العادية القادمة من تلك الدول.

ففي مقابلة مع صحيفة “لوموند” الفرنسية قبل أيام، أوضح مدعي عام باريس فرنسوا مولانس أن “هذا ما يمكن أن نسميه خطر العودة”، مضيفا “في وقت ما سيترتب علينا أن نواجه عودة عدد كبير من المقاتلين الفرنسيين وعائلاتهم”.

وأضاف مولانس أن المعادلة الأمنية بالنسبة إلى فرنسا وأوروبا تعد معادلة جد صعبة، فمن ناحية يجب القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية واسترجاع الأراضي التي يسيطر عليها ومن ناحية أخرى علينا انتظار أن يأتي “سكان” تلك الأراضي المحررة إلينا، ويضيف “الأجهزة الأمنية مطالبة بوضع هذا في الحسبان”. وفي ما يتعلق بالذين يتم رصدهم أثناء سفرهم إلى مناطق القتال في سوريا والعراق أو المحطات التي يمرون بها ذهابا إلى سوريا، والتي غالبا ما تكون تركيا، شددت فرنسا وأغلبية الدول قوانينها لتشمل سجنهم بشكل منهجي وعقوبات أكثر شدة ومراقبة معززة لحالات الإفراج المشروط.

فرونسوا مولانس: سيترتب علينا أن نواجه عودة عدد كبير من المقاتلين الفرنسيين وعائلاتهم

وأضاف مولانس أن فرنسا تعد حاليا حوالي ألف شخص “خاضعين أو خضعوا لتحقيقات قضائية في قضايا إرهاب إسلامي”، بينهم 280 وجهت اليهم اتهامات و167 محتجزون. لكن مقتل كاهن في كنيسته في أواخر يوليو على يد جهادي سبق أن وجه إليه الاتهام ووضع قيد المراقبة القضائية ويضع سوارا إلكترونيا، أظهر محدودية المراقبة أمام أفراد متمرسين في التقية، أي إخفاء العقيدة تحسبا من العواقب، التي تروج لها الحركات الجهادية وتعلمها.

وفي هذا الإطار، أوضح المحلل السابق في مكافحة الإرهاب في المديرية العامة للأمن الخارجي (مخابرات) الخبير إيف تروتينيون أن “وضع الذين نقبض عليهم واضح، فهم يوضعون قيد المراجعة القضائية”. وتابع “لكن عندئذ تطرح مسألة اعتقالهم وسلوكهم في السجن والتطرف في الحبس وتطبيق العقوبات، فهؤلاء الأفراد خطيرون، وإن حوكموا استنادا إلى الوقائع الموثقة لدى القضاء فسينالون عقوبات بالسجن لثلاث أو أربع سنوات، فماذا سيحل بهم لاحقا؟”.

وأضاف المحلل تروتينيون أن الأكثر إثارة للمخاوف هو حالة الجهاديين المخادعين والمدفوعين والمدربين على البقاء دوما بعيدا عن رصد أجهزة الشرطة والاستخبارات. وقال “المشكلة الحقيقية هم الأفراد الذين يعودون خلسة، أو الذين أصلا غادروا سرا”، “لن يكونوا كثرا، لكن العائدين مع الاحتفاظ بقناعاتهم بصواب القضية الذين سيعدون اعتداءات ويشكلون شبكات هم الخطر الحقيقي، ونحن نعلم منذ أشهر أن تنظيم الدولة الإسلامية يستعد لهزيمته العسكرية، وسيعود إلى العمل الحركي السري بين المدنيين”.

وقد أثبتت الوقائع أن داعش قد بدأ في استعمال مقاربة الحرب النفسية من خلال القيام بعمليات فردية في مناطق مختلفة من أوروبا وبشكل مكثف بين الوقت والآخر، وهو ما جعل الهاجس الأمني يعد الهاجس الأول في السياسات الجديدة والمعدلة، وهو ما أعاد صياغة نظرة الدول للأمن والتدخلات العسكرية في مجملها سواء في الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا وجنوب الصحراء.

وبحسب توتينيون يتضاعف خطر هؤلاء “مع أخذهم كامل وقتهم، فلن يأخذوا طائرة مباشرة إلى أوروبا الغربية بل سيقومون بتحويلات في مسارهم وبمحطات قد تستغرق أشهرا في بلدان يعمدون فيها إلى تغيير هوياتهم، وهذا سبق أن حصل، وفي هذا الحالات سيتوارون ثم يعاودون الظهور”. ووسط مشكلة العودة هذه، تلعب تركيا دورا حيويا نظرا إلى أنها بلد عبور منذ سنوات للأكثرية الكبرى من المتطوعين الأجانب الساعين للالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية، كما أن جيشها سيطر مؤخرا على الكيلومترات القليلة على الحدود مع سوريا التي مازال التنظيم الجهادي قادرا على تهريب العناصر والعتاد عبرها.

وأكد مصدر دبلوماسي تركي رفض الكشف عن اسمه للصحافة أن “الحدود باتت محكمة الإغلاق”، مضيفا أن “الأتراك قاموا بأعمال ضخمة وحفروا الخنادق وبنوا الجدران، بعد اليوم إن حاولتم الدخول إلى تركيا أو مغادرتها بشكل غير قانوني فستتعرضون لإطلاق نار”. وأضاف المصدر أن لائحة الأسماء التي يحظر دخولها إلى الأراضي التركية فاقت الـ50 ألف اسم، فيما أوقف حوالي 150 مواطنا فرنسيا على أراضي هذا البلد وسلموا مكبلين إلى فرنسا.

وفي الأول من سبتمبر أعلن رئيس الوزراء مانويل فالس أن “حوالي 700 جهادي فرنسي أو مقيم في فرنسا موجودون حاليا في مناطق القتال في العراق وسوريا”، موضحا أن “عودتهم تشكل تهديدا إضافيا لأمننا الوطني وعلينا أن نستعد لنقاوم، ستكون معركة طويلة”. أما بلجيكا فيقدر عدد مواطنيها الذين غادروا للقتال في صفوف التنظيم الجهادي بحوالي 500.

6