أوروبا تتوجس من تغلغل المارد الصيني في أفريقيا

الغزو الصيني لإفريقيا يتجلى في بناء آلاف الكيلومترات من الطرقات وأكثر من مئة محطة لتوليد الكهرباء في قرابة 40 بلدا أفريقيا.
الأربعاء 2019/10/02
سياسة ناعمة

بفضل السياسة الناعمة، تعطي التحركات الصينية الحثيثة باتجاه السيطرة على مفاصل الاقتصاد الأفريقي، لمحة أكثر وضوحا بأن “المارد الصيني” اقترب كثيرا من تقويض نفوذ أوروبا، التي باتت شريكا “منبوذا” من قبل معظم حكومات دول القارة.

الصين تمكنت من إبعاد الانتباه عن حربها التجارية المستعرة مع الولايات المتحدة، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بتركيز جهودها على استقطاب شركائها الأفريقيين من حضن شريكهم الأوروبي، الذي بدا في حالة ترقب.

لم يتردد وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال لقائه برئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمد موسى فقي في نيويورك في التأكيد على أن الصين وقارة أفريقيا أصبحا اليوم يمثلان قوتين مهمتين في مواجهة الأحادية والحمائية.

هذا الأمر يشير إلى إصرار صيني على ترسيخ أسس التعاون القائم على تكافؤ الفرص، لتحقيق شراكات أكثر انفتاحا تعزز دور أفريقيا في مبادرة الحزام والطريق، والتي تهدف إلى تحويل بكين لقلب الاقتصاد العالمي مستقبلا.

بالأرقام، تبلغ قيمة المبادلات بين أوروبا وأفريقيا 312.7 مليار دولار سنويا، ولكن العجز التجاري للقارة السمراء يصل إلى 24 مليار دولار.

وحتى يحافظ الاتحاد الأوروبي على ثبات ذلك المنحى، يقوم بمنح مساعدات سنوية لبلدان أفريقيا بنحو 22.9 مليار دولار، ما يعني أن الأوربيين لا يزالون يتعاملون بعقلية استعمارية.

لكن بيانات الجمارك الصينية تكشف أن المنافسة تزداد حدّة، حيث يبدو أن بكين باتت أكبر شريك تجاري مع أفريقيا متقدمة بفارق كبير عن كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، أكبر القوى الاقتصادية في أوروبا، بعد أن وصلت قيمة المبادلات الصينية الأفريقية إلى مستوى يقترب من 200 مليار دولار سنويا.

60 مليار دولار رصدتها الصين لأفريقيا، تؤهلها لتعزيز هيمنتها على اقتصاد القارة

هذه الأرقام التي يتوقع أن تنمو خلال السنوات المقبلة تزيد عن الضعف من حجم المبادلات التجارية للقارة مع الولايات المتحدة التي بدأت في الاهتمام بأفريقيا منذ العام 2001، وتليها بعد ذلك اليابان والهند وأوروبا.

ثمة عوامل تدفع أفريقيا إلى فتح أبواب دبلوماسيتها الاقتصادية أمام الصين. ولعل من أهمها إحساس حكومات القارة المرتبطة بالاقتصاد الأوروبي منذ زمن بعيد، بتراجع وتيرة النمو في بلدانها، إذ لم يعد بإمكان أسواقها استيعاب الواردات القادمة من جنوب المتوسط.

ويبدو أن السبب الأكثر إثارة لاهتمام معظم دول أفريقيا في تحويل مسارها نحو الشرق هو أن الأجندة الاقتصادية الصينية تخلو من فكرة توسيع النفوذ السياسي أو العسكري، رغم تباين الآراء حولها.

هذه النقطة بالتحديد تروق للدول العربية الباحثة عن شريك تجاري منقذ وأكثر انفتاحا ويعاملها بالمثل بعيدا عن الانتهازية الأوروبية، التي استنزفت قدرات شركائها في الضفة الجنوبية لعقود طويلة.

عدة مؤشرات تدل على أن العلاقات التجارية والاستثمارية بين الصين وأفريقيا قطعت أشواطا لتجسيم خطط الشراكة على أرض الواقع. فبكين باتت اليوم أكبر شريك اقتصادي منذ 2009، ويتمثل ذلك في غزو الشركات الصينية الناشطة في جميع القطاعات تقريبا. وتشكل البنية التحتية أهم المشاريع الاستثمارية لها في أفريقيا.

وعلى عكس ما يروّج له، فإن بكين لا تحاول استدراج دول أفريقيا وخاصة الفقيرة إلى فخ الديون، وإنما تريد أن تكون شريكا متكافئا رغم تفاوت القوى. كما أنها تريد أن تقدم استثمارات مهمة لتمكين تلك الدول من سدّ فجوة تمويل مشاريع البنية التحتية الحيوية لاقتصاد القارة.

الدبلوماسية الاقتصادية لبعض دول أفريقيا مع الصين والساعية إلى الاستفادة من كافة الفرص الواعدة في القارة، والتي باتت قبلة كبرى اقتصاديات العالم، أثمرت إبرام شراكات استراتيجية يُنظر إليها على أنها محور انقلاب اقتصادي وشيك بعيد عن الشركاء التقليديين.

قوتان مهمتان
قوتان مهمتان

عند تسليط الأضواء على ذلك التقارب، نجد أن دول شمال أفريقيا، التي تضررت اقتصاداتها بفعل الإضرابات السياسية والأمنية منذ 2011، تحاول الاستفادة من هذا التقارب بعد أن وجهت بوصلتها نحو الصين منذ 2016. وقد انتقلت إلى مربع التنفيذ الفعلي مع تفاوت الاستثمارات وحسب حجم الاقتصاد في كل دولة.

خلال السنوات الأربع الأخيرة، عقدت حكومات مصر وتونس والجزائر والمغرب، حزمة من الاتفاقيات مع الصين ضمن مبادرة الحزام والطريق، ما عدا ليبيا النفطية الغارقة في نزاع منذ تسع سنوات لا يبدو أنه سينتهي قريبا، وكذلك موريتانيا، التي لا تزال بعيدة عن فلك الصين رغم موقعها الاستراتيجي على المحيط الأطلسي.

الصين ومن خلال ذراعها؛ بنك الاستيراد والتصدير الذي يقوم بإقراض الحكومات الأفريقية، تستثمر في كافة المجالات في القارة، بدءا من الطاقة والزراعة والتعدين والتشييد، مرورا بقطاعي التجارة ومعالجة منتجات الموارد، وصولا إلى التصنيع والخدمات اللوجستية.

هذا الغزو الرهيب يتجلى في بناء آلاف الكيلومترات من الطرقات وأكثر من مئة محطة لتوليد الكهرباء والعشرات من المستشفيات والمدارس في المناطق النائية، في قرابة 40 بلدا أفريقيا، فضلا عن إنشاء مناطق صناعية في مصر والمغرب وجيبوتي، وأخرى بصدد البناء في الجنوب التونسي على ساحل المتوسط.

وحتى يستميل الصينيون بلدان أفريقيا أكثر إليهم، قامت بكين بإعفاء أكثر من 30 دولة من ديون قديمة بمليارات الدولارات، كما منحتها هبات وقروضا بفوائد ميسرة، وأخرى تفضيلية للمساعدة في تحقيق أهداف الأمم المتحدة بحلول 2030، وهي التنمية الذاتية والمستدامة، للنهوض بأكبر سوق واعدة على مستوى العالم نظرا لما تزخر به من إمكانيات وثروات طبيعية منسية.

10