أوروبا تحقق في شبهة تلاعب أنقرة بتجارة الصلب

المفوضية الأوروبية تفتح تحقيقا لمعرفة ما إذا كانت صادرات الصلب التركي المسحوب على الساخن إلى أسواق الاتحاد الأوروبي تنطوي على ممارسات إغراق.
الجمعة 2020/05/15
تحت لهيب التحقيقات الأوروبية

رجح محللون أن تتفاقم متاعب شركات الصلب التركية بعد أن فتحت المفوضية الأوروبية تحقيقا حول تعاملات التجارية “المشبوهة” على إثر شكاوى تقدمت بها شركات تمثل عصب صناعة الحديد في التكتل بأنها تعاني كثيرا من انعكاسات الواردات القادمة من تركيا على أعمالها.

بروكسل - صعدت المفوضية الأوروبية من تهديداتها ضد تركيا بسبب سياساتها التجارية المثيرة للشكوك في التعامل مع دول الاتحاد، الأمر الذي سيزيد من التوتر بين الجانبين على خلفية العديد من الملفات الحساسة التي لا تزال عالقة.

ولوحت المفوضية، وهي الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، بفرض رسوم على واردات الصلب التركي، في أحدث إشارة إلى مخاوف شركات الصلب الأوروبية مثل أرسيلور ميتال وتيسنكروب من تأثيرات واردات الصلب الرخيصة.

وفتحت المفوضية تحقيقا لمعرفة ما إذا كانت صادرات الصلب التركي المسحوب على الساخن إلى أسواق الاتحاد الأوروبي تنطوي على ممارسات إغراق.

وقالت في بيان الخميس إن “التحقيق يستهدف معرفة ما إذا كانت لفائف الصلب التركي المسحوب على الساخن تمثل إغراقا وما إذا كان هذا الإغراق سبب ضررا للصناعة في الاتحاد”.

ويأتي التحقيق في تهمة إغراق الصلب التركي نتيجة شكوى مقدمة في 31 مارس الماضي من اتحاد الصلب الأوروبي نيابة عن الشركات الأوروبية التي تمثل حوالي ربع إنتاج الاتحاد من لفائف الصلب المسحوب على الساخن.

ولطالما اتفقت دول الأعضاء في الاتحاد على أن الممارسات التجارية التركية ضدها تعتبر خرقا لقوانينها الصارمة كما أنها تشير إلى مدى اللامبالاة التي يتبعها الرئيس رجب طيب أردوغان في التعامل مع الشركاء الاقتصاديين.

ويحاول أردوغان جاهدا إقناع دوائر صنع القرار الأوروبي عبر تقديم تنازلات كثيرة، جزء منها اقتصادي، للانضمام للاتحاد، لكن دولا وازنة، مثل ألمانيا، ترفض دخول أنقرة للتكتل خاصة وأنها لم تستجب للعديد من المعايير الأوروبية.

اتحاد الصلب الأوروبي رفع شكوى للمفوضية الأوروبية في 31 مارس الماضي للنظر في الأسعار الرخيصة للواردات التركية

ويقول محللون إن هذا الأمر سيعمق من مشاكل الاقتصاد التركي وسط أزمات متتالية تهدده بشبح الإفلاس على قطاعات كبيرة وعديدة في البلاد ما أدى إلى نزيف حاد في رؤوس الأموال وهجرتها خارج البلاد.

كما أنه سيزيد من مشاكل غلاء المعيشة مع وصول قيمة الليرة التركية إلى مستويات متدنية قياسية مقابل الدولار وارتفاع معدل البطالة، الذي يشير إلى عدم قدرة الحكومة على زيادة عائدات الضرائب لتغطية العجز في الميزانية.

وبحسب وكالة بلومبرغ للأنباء الاقتصادية، فإن قيمة سوق الصلب المسحوب على الساخن في الاتحاد الأوروبي بلغت في العام الماضي نحو 17 مليار يورو تقريبا.

ويستخدم هذا الصلب في عدد كبير من الصناعات بدءا من مشروعات التشييد وحتى صناعة السيارات.

وبلغ إجمالي المعروض في سوق الصلب بالاتحاد الأوروبي خلال العام الماضي 31 مليون طن، قدمت تركيا منها حوالي 2.8 مليون طن.

ويذكر أن صناعة الصلب في الاتحاد الأوروبي عانت من التراجع في العام الماضي، وازداد الأمر سوءا الآن بسبب تداعيات جائحة فايروس كورونا المستجد خلال العام الحالي.

وقبل تفشي الجائحة كانت شركات صناعة الصلب الأوروبية قد حذرت من ضعف السوق الأوروبية نتيجة فوائض الطاقة الإنتاجية للصناعة على مستوى العالم، وتداعيات الرسوم على الواردات الأميركية من الصلب وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق.

ويفرض الاتحاد الأوروبي منذ العام 2017 رسوم إغراق لمدة خمس سنوات على واردات لفائف الصلب المسحوب على الساخن من روسيا والصين وأوكرانيا والبرازيل وإيران.

وتزيد الخطوة الأوروبية من تفاقم صعوبات خروج الشركات التركية من أزماتها المتراكمة، في وقت تواصل فيه أنقرة مكابرتها وإصرارها على أنها تجاوزت محنتها بالفعل.

17 مليار يورو قيمة سوق صناعة الصلب في الاتحاد الأوروبي العام الماضي، وفق بلومبرغ

ويؤكد خبراء اقتصاد أن المخاطر الناجمة عن انخراط الجيش في عمليات عسكرية بسوريا وليبيا وكذلك عمليات التنقيب في شرق المتوسط، قد تتضمن ارتفاعا أكبر لمخاطر الإفلاس للشركات التركية.

وكان بنك الاستثمار الأوروبي، ذراع الاتحاد الأوروبي للإقراض، قد قرر مطلع فبراير الماضي الإبقاء على قيوده المشددة على إقراض تركيا هذا العام مع استمرار خلاف بين الاتحاد وأنقرة حول التنقيب عن النفط والغاز قبالة قبرص.

وجاء ذلك التحرك حينها مع انكشاف أكبر الشركات الحكومية على مخاطر لا حصر لها، خاصة بعد إعلان إحدى المحاكم التركية إفلاس أكبر شركة للإنشاءات بالبلاد.

وكان بنك الاستثمار الأوروبي واحدا من أكبر مصادر التمويل للشركات التركية على مدار العقد الماضي، إذ ضخ هناك ما يصل إلى 19 مليار يورو، لكنه فرض قيودا مشددة العام الماضي مع تفاقم التوترات الدبلوماسية بسبب التنقيب.

وتوقف البنك عن إقراض مشروعات البنية التحتية، التي تنفذها أي شركة على صلة بالحكومة التركية، لكنه أبقى على خيار إقراض أجزاء في القطاع الخاص. وتصاعد الخلاف حول التنقيب مجددا. وقال وزير الطاقة التركي فاتح دونماز في ديسمبر الماضي إن “سفينة حفر جديدة بصدد الإبحار صوب قبرص”، وهو ما دفع خوسيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد إلى التلويح بفرض عقوبات على أنقرة.

ونسبت وكالة رويترز لمتحدث باسم بنك الاستثمار الأوروبي، لم تذكر هويته، قوله في فبراير الماضي، إن البنك سيستمر “بما يتماشى مع النهج الذي تبنته الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية”.

وأضاف “إذا لم يحدث تغير في هذا الاتجاه على مستوى الاتحاد الأوروبي، فسنواصل على الأرجح هذا النهج الانتقائي في ما يتعلق بإقراض تركيا، الذي طبقناه على مدى العامين الماضيين، على الأقل في المستقبل المنظور”.

ويظهر الموقع الإلكتروني لبنك الاستثمار الأوروبي أنه وافق على قرض واحد فقط لتركيا منذ أن أعلن في يوليو الماضي عن مراجعة عملياته هناك.

وتظهر بيانات البنك أنه أنفق ما يزيد على 52 مليار يورو العام الماضي، لكنه أقرض تركيا 117 مليون يورو فقط.

وكان البنك أقرض تركيا أكثر من ملياري يورو في الفترة الفاصلة بين عامي 2009 و2016. وبلغ إجمالي انكشاف البنك على تركيا حوالي 15 مليار دولار.

وبسبب ضعف قيمة الليرة، تتالت طيلة الأشهر الـ17 الأخيرة الأزمات، التي ضربت الشركات والمصانع التركية، إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن مجموع الكيانات التي طلبت تسوية إفلاس من المحاكم التجارية وصل إلى 3 آلاف شركة.

وتتالت النكسات الاقتصادية والسياسية التي تعصف بنظام أردوغان لتعمق من أزماته، حيث فقدت العملة أكثر من 3.5 في المئة من قيمتها هذا العام بعد أن هوت نحو أربعين في المئة خلال العامين الماضيين نتيجة ارتفاع مستويات الديون الخارجية.

10