أوروبا تخشى على بياناتها من اختراق أميركي

الأوروبيون يسمحون لشركات التكنولوجيا الأميركية بالسيطرة على جميع البيانات.
الأربعاء 2020/08/05
من يكسب البيانات يكسب الحروب

باريس - تزداد المخاوف في أوروبا من سيطرة شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة على بياناتها التي تبقى تحت إدارة مؤسسات أميركية في ما يتعلق بجميع الأدوات الضرورية لاستغلالها وتوظيفها.

وتمتلك أوروبا ثروة من البيانات يمكن مقارنتها بمنجم معادن ثمينة في حقبة “حمى الذهب” إنما بنسخة عصرية للقرن الـ21، لكن بدلا من الاستفادة منها بأنفسهم، يبدو أن الأوروبيين يسمحون لشركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة بالسيطرة على جميع الأدوات اللازمة لاستغلالها.

ويشير بعض الخبراء في ذلك إلى مجموعة من الشركات الأوروبية التي تعلن عن اتفاقيات مع شركات أميركية رائدة في مجال التكنولوجيا تتعلّق بالخدمات “السحابية”.

واختارت شركات “رينو” و”أورانج” و”دويتشه بنك” و”لوفتهانزا” مؤخرا “غوغل كلاود”، بينما وقعت “فولكسفاغن” اتفاقا مع “أمازون ويب سيرفسز”. أما وزارة الصحة الفرنسية فاختارت “مايكروسوفت” لحفظ بيانات أبحاثها.

ويستخدم مصطلح “السحابة” للإشارة إلى توفير خدمات تخزين البيانات ومعالجتها خارجيا بشكل لا يجبر الزبائن على الاستثمار في معدات مكلفة للقيام بذلك.

وأثار هذا الاتجاه القلق خصوصا في ألمانيا، التي تملك كنزا من البيانات بفضل قطاعها الصناعي القوي.

وفي هذا السياق، حذّر تقرير صدر مؤخرا عن مجموعة من الخبراء والشخصيات الإعلامية الرائدة تحت إشراف الرئيس السابق لشركة “ساب” الألمانية للبرمجيات هينينغ كاغرمان من الأمر.

وأشار إلى أن “غالبية البيانات الأوروبية مخزّنة خارج أوروبا، أو، إن كانت مخزّنة داخل أوروبا، فيتم ذلك على خوادم تابعة لشركات غير أوروبية”.

وقدّم مسؤول فرنسي رفيع مؤخرا تقييما أكثر وضوحا خلال اجتماع مع متخصصين في مجال تكنولوجيا المعلومات.

وأفاد مسؤول خلال الاجتماع الذي حضرته فرانس برس شرط عدم الكشف عن هوية المشاركين “لدينا مسألة ضخمة بشأن الأمن والسيادة في ما يتعلّق بالسحب”.

وقال إنها مسألة “استسهال أو استسلام في الكثير من الحالات” من قبل الشركات والمؤسسات الأوروبية، إذ أن توقيع اتفاقيات مع شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة “أبسط” من البحث عن خيارات أوروبية. وأضاف “لكن لدينا شركات جيّدة جدا تقدّم خدمات السحب والبيانات”.

ولعل أبرز مكامن القلق بالنسبة للأوروبيين تأتي من “قانون كلاود” الذي أُقر في 2018 ويمكّن وكالات الاستخبارات الأميركية من الوصول في حالات معيّنة إلى بيانات مخزّنة لدى شركات أميركية بغض النظر عن الموقع الفعلي للخادم.

وقال مدير تنفيذي أميركي فرنسي إن “شركتي أميركية وأعرف تماما انعكاسات القانون”. وأضاف “بالنظر إلى ما يجري في النقاشات بشأن السياسة الأميركية، فإن الوضع لن يتحسّن”.

كما تثير إمكانيات تحليل واستغلال المعلومات قلق العديد من الخبراء وصانعي القرارات الأوروبيين.

وقال المسؤول الفرنسي إنه إذا كانت لدى أوروبا “القدرة على توليد البيانات فحسب ونحتاج لآخرين ليستغلوها، فسينتهي بنا الأمر مثل الدول التي تملك موارد معدنية لكنها تعتمد على آخرين لمعالجتها وبالتالي تكون فوائدها الاقتصادية ضئيلة”.

وكشف الفرنسيون والألمان في يونيو عن مشروع غايا – إكس (GAIA-X) الهادف لتطوير عرض سحابة أوروبية تنافسية.

وبدلا من التشجيع على تطوير نموذج أوروبي رائد، على غرار “إيرباص” في وجه “بوينغ”، يقدّم مجموعة كاملة من الخدمات، يتّخذ المشروع مسارا مختلفا. ويهدف إلى وضع معايير تسمح لمختلف الشركات بتقديم خدمات تخزين ومعالجة وأمن وذكاء اصطناعي بشكل سلس.

ومن شأن المشروع أن يسمح لكل زبون بالعثور على الخدمات التي يحتاج إليها مع البقاء ضمن الاختصاص القضائي الأوروبي.

وهناك أمل بأن يتمكن نموذج “GAIA-X” اللامركزي من إثبات أنه أنسب للتعامل مع المسائل المرتبطة بمعالجة البيانات من أجهزة موصولة بالشبكة.

وفي يوليو الماضي، أبطل القضاء الأوروبي اتفاقا يسمح بنقل البيانات الشخصية بين دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يسمى “درع الخصوصية” (برايفاسي شيلد)، بسبب خطر برامج التجسس الأميركية على هذه المعطيات.من يسيطر أكثر

ورحب بالقرار رجل القانون النمساوي ماكس شريمز الذي يعد من أهم الشخصيات التي تكافح من أجل حماية البيانات ويقف وراء هذه القضية عبر شكوى تقدم بها للمحكمة ضد فيسبوك.

وكان شريمز قد كتب بعد القرار “بعد قراءة أولى للحكم حول برايفاسي شيلد، يبدو أننا انتصرنا بنسبة 100 في المئة، من أجل حياتنا الخاصة”.

وأضاف رجل القانون الذي تمكن من أن يدفع إلى إلغاء اتفاق مماثل بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في 2015 أن “على الولايات المتحدة القيام بإصلاح جدي في مجال المراقبة لتعود شركاتها إلى وضعها ‘المميز’ الذي يسمح بنقل البيانات لها”.

وقالت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي آنذاك إن هذا الاتفاق “يجعل التدخلات في الحقوق الأساسية للأشخاص الذي تنقل بياناتهم إلى الولايات المتحدة ممكنة” لأن السلطات العامة الأميركية يمكنها الوصول إليها دون أن يكون ذلك محددا “بما هو ضروري حصرا”.

وأبدت الولايات المتحدة “خيبة أمل كبيرة” إثر قرار القضاء الأوروبي في بيان صادر عن وزارة التجارة.

وقال وزير التجارة الأميركي ويلبور روس إن واشنطن ستواصل العمل مع المفوضية الأوروبية وهي تدرس قرار القضاء بشكل مفصل لتبيان كل مفاعيله العملية، مضيفا “نأمل أن نتمكن من الحد من العواقب السلبية على العلاقة الاقتصادية عبر الأطلسي التي تمثل 7100 مليار دولار”.

وأكد المفوض الأوروبي للعدل ديدييه رينديرز قبل صدور القرار أن المفوضية توقعت “سيناريوهات عدة”.

وأوضح أنه “اعتمادا على محتوى القرار، سنرى ما هي الأدوات المناسبة لاستخدامها في تعزيز الحقوق الأساسية والتحقق من أن الحماية التي يمنحها الاتحاد الأوروبي تنتقل مع البيانات في آن واحد”.

7