أوروبا تراهن على النموذج المغربي في مكافحة الهجرة غير الشرعية

مازال ملف الهجرة غير الشرعية على طاولة المناقشات المستعجلة للحكومات الأوروبية، ومحور محادثات اللقاء والزيارات الرسمية، بين زعماء دول جنوب المتوسّط ودول الضفة الشمالية. ومع ارتفاع أعداد الغرقى بشكل يومي، وتعقد وضع المهاجرين في دول الاستقبال، تزداد الحاجة إلى إيجاد حلول جذرية لهذه القضية الحارقة، وسط دعوات من الخبراء إلى التمعّن في المقاربة المغربية في التعامل مع هذه القضية التي نجحت إلى حد في أن تكون نموذجا يمكن الاقتداء به.
السبت 2015/05/09
السياج الأمني لم يحصن أسبانيا من المهاجرين السريين

في فبراير الماضي أعلن المفوض الأوروبي المكلف بالهجرة والشؤون الداخلية والمواطنة، ديميتريس أفراموبولوس، عن دعم المغرب بمبلغ عشرة ملايين يورو في إطار الشراكة القائمة بين المغرب والاتحاد الأوروبي من أجل مكافحة ظاهرة الهجرة غير الشرعية، وذلك بهدف إطلاق مشروع جديد بين الجانبين خلال السنة الجارية.

وحسب أفراموبولوس، فإن هذا الدعم الأوروبي يرمي إلى تمكين المهاجرين المقيمين في المغرب بشكل قانوني من ولوج أفضل للعلاجات الصحية وللتكوين المهني، والسماح بتمدرس أبنائهم وتقديم دعم للنساء المهاجرات الحوامل أو اللواتي يرافقهن أطفال صغار السن.

وبالرغم من أن المغرب تمكن في الأعوام الأخيرة من تحجيم ظاهرة الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا انطلاقا من أراضيه، إلا أنه تحول إلى مكان لاستقرار المهاجرين الأفارقة الذين كانوا يرشحون أنفسهم لعبور المتوسط؛ وهكذا، فبدلا من أن يستمر المغرب كجسر عبور للمهاجرين، تحول بفعل سياسته الجديدة في مجال الهجرة إلى مركز استقبال لهؤلاء المهاجرين.

ويقدّر عدد المهاجرين الأفارقة المقيمين فوق التراب المغربي بحوالي أربعين ألفا، غالبيتهم تتحدر من بلدان جنوب الصحراء، قرروا حط الرحال بالمغرب بعدما لقوا صعوبات في اجتياز الحدود نحو الضفة الشمالية، بسبب الإجراءات الصارمة التي دأبت السلطات المغربية على استخدامها في السنوات القليلة الماضية.

وتراهن أوروبا على النموذج المغربي في مكافحة الهجرة غير الشرعية عبر أراضيه، وهو نموذج تسعى إلى تعميمه في باقي بلدان جنوب المتوسط، التي تشكل معبرا للمهاجرين، مثل ليبيا وتونس؛ بيد أن النموذج المغربي يعتبر الأكثر أهمية بالنسبة إلى الأوروبيين، نظرا إلى حجم المهاجرين غير الشرعيين الذين يتقاطرون على أوروبا من أراضيه، بسبب قربه من أسبانيا عبر مضيق جبل طارق، وسهولة النفاذ منه بواسطة العاملين في مجال تهريب البشر، الذين يعرفون المسالك جيدا.

وعلاوة على ذلك فإن المغرب يتميز بتعدد المعابر البحرية نحو الضفة الشمالية، مقارنة بالبلدان الأخرى، فإلى جانب المضيق هناك معبر سبتة ومليلية المحتلتين في الشمال، والشريط الساحلي في أقصى الجنوب بالصحراء الذي يطل على جزر الخالدات الواقعة تحت النفوذ الأسباني.

المغرب في مواجهة «الحراقة»

يواجه المغرب منذ بداية التسعينات من القرن الماضي موجات متتالية من المهاجرين غير الشرعيين الذين كانوا يجتازون إلى أوروبا عبر سواحله. وكان المهاجرون يستعملون الزوارق الخشبية الصغيرة، التي تطلق عليها ألسنة العامة”الباتيرا” أو”اللانشا”، وهما كلمتان أسبانيتان تعنيان المركب الصغير المخصص للصيد، والذي لا يتوفر على تقنيات تضمن له الحماية من الغرق؛ ولذلك شاع وصف هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين بـ”الحراقة” أو”الحراكة”، وهو اسم مشتق من الحرق، ما يعني أن المهاجر غير الشرعي يجازف بحياته حد الموت، بحيث تكون احتمالات الموت غرقا مساوية لاحتمالات النجاة.

مفوضية شؤون اللاجئين: جهود المغرب في مكافحة الهجرة أعطت النتائج المرجوة منها

وقد سجلت سنة 1991 الدفعة الأولى من الغرقى، حيث لقي 1272 شخصا، جلّهم مغاربة، حتفهم أثناء عبور المياه. وفي الأعوام التالية أصبحت أخبار الموت غرقا في أوساط المهاجرين تتصدر الشاشات وصفحات الصحف في الضفتين، بعدما التحق المهاجرون الأفارقة بقائمة الراغبين في عبور المتوسط نحو الشمال، وهو ما قاد الصحافة الأسبانية والمغربية إلى إطلاق تسمية “مقبرة المهاجرين” على البحر المتوسط.

يشكل المغرب النقطة الأساسية الجاذبة للمهاجرين السريين الأفارقة للولوج إلى البلدان الأوروبية. ويجتاز هؤلاء مئات الآلاف من الكيلومترات، من أقصى القارة على ضفاف الأطلسي إلى أدناها على ضفاف المتوسط، حيث يقدمون من نيجيريا وغانا والطوغو والكاميرون وبوركينا فاسو وغيرها من بلدان غرب القارة، ويقطعون مسافات طويلة متعرجة عبر مالي ثم الجزائر وصولا إلى المغرب عبر مدينة وجدة الحدودية، أو عبر موريتانيا والصحراء المغربية، لكن كلا الطريقين يلتقيان في نقطة واحدة هي شمال المغرب. وقد بذل المغرب وأسبانيا جهودا مشتركة عدة للحيلولة دون تدفق المهاجرين إلى الجانب الآخر من المتوسط. وفي العام 1996 شرعت أسبانيا في تطوير السياج الأمني الذي يفصل المغرب عن سبتة ومليلية المحتلتين، بهدف تحصين نفسها في وجه قوافل المهاجرين غير الشرعيين الذين يجتازون السياج، بيد أن ذلك لم ينفع في الحد من الظاهرة.

مع بروز ظاهرة الإرهاب في بداية القرن الحالي ونشأة الجماعات المتطرفة وحصول تفجيرات في عدد من العواصم الأوروبية، شرعت أوروبا في تغيير منظورها لقضية الهجرة انطلاقا من بلدان الجنوب، حيث جرى الربط بين الهجرة والأمن الإقليمي. وفي هذا الإطار احتضنت الرباط في سبتمبر من العام 2005 أول مؤتمر لمنظمة الأمن والتعاون بأوروبا، الذي بحث قضية الهجرة واللجوء، بيد أن التوصيات ذهبت في اتجاه تحميل بلدان الجنوب المسؤولية عن عمليات الهجرة غير الشرعية، بالرغم من إبداء أوروبا لحسن النوايا في وضع شراكة متوسطية للتصدي للظاهرة.

سياسة جديدة للهجرة

انتهج المغرب خلال السنوات الماضية أسلوبا جديدا في مواجهة ظاهرة الهجرة غير الشرعية. فقد عزز من الحراسة الأمنية على سواحله ومختلف منافذه البحرية التي يسلك منها المهاجرون، كما قام بتفكيك المئات من شبكات التهجير الناشطة في مجال تهريب البشر، ووضع آليات قانونية جديدة تهدف إلى إدماج المهاجرين من بلدان الصحراء والساحل، بشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

وتظهر الأرقام الصادرة عن الحرس المدني الأسباني أن معدل الهجرة غير الشرعية تقلص خلال السنوات القليلة الماضية بشكل ملحوظ، نتيجة تنسيق الجهود بين المغرب وأسبانيا والدور الذي تقوم به السلطات المغربية، من أجل تفنيد الإدعاءات الأوروبية، والأسبانية بوجه خاص، التي تقول بأن المغرب يتساهل مع المهاجرين. فخلال عام 2012 عبر مضيق جبل طارق 1672 مهاجرا غير شرعيا، وفي عام 2013 وصل العدد إلى 1683 مهاجرا، بزيادة طفيفة، لكن سنة 2014 شهدت تراجعا كبيرا في معدل الهجرة، حيث لم يتعد عدد الزوارق التي عبرت المضيق ستة زوارق نقلت حوالي 83 مهاجرا.

أما عبر السياج الأمني في سبتة ومليلية المحتلتين، فقد سجلت سنة 2013 ما يعادل 1013 محاولة اقتحام من طرف المهاجرين، وقد نزل الرقم بشكل ملحوظ في العام الموالي، إذ لم يتعد عدد الاقتحامات 533 محاولة. ويبين لنا الفرق بين الأرقام أن المهاجرين أصبحوا يتحولون إلى سبتة ومليلية كمعبر نحو أسبانيا وأوروبا، بسبب صرامة المراقبة البحرية في مضيق جبل طارق. وعلى الصعيد الداخلي، وفي إطار الحملة ضد المهربين، تمكنت السلطات المغربية في سنة 2014 وحدها من تفكيك 105 عصابة إجرامية تنشط في ميدان التهريب والاتجار بالبشر.

دول شمال المتوسط تدفع بلدان الجنوب إلى تحمل كلفة محاربة الهجرة غير الشرعية دون تقاسم المسؤوليات

وللحيلولة دون تدفق المهاجرين، وقعت أسبانيا عددا من الاتفاقيات مع المغرب بهدف التعاون على التصدي للظاهرة، كما منح الاتحاد الأوروبي مساعدات مالية وتقنية إلى الحكومة المغربية لمساعدتها على محاربة تدفق المهاجرين، بيد أن كل تلك الإجراءات حولت المغرب إلى”دركي” لحراسة حدود أوروبا، التي سعت إلى دفع بلدان جنوب المتوسط إلى تحمل كلفة محاربة الهجرة غير الشرعية دون تقاسم المسؤوليات.

وفي ديسمبر 2013 وجه الملك محمد السادس رسالة إلى المجتمعين في القمة الفرنسية ـ الأفريقية المنعقدة في العاصمة الفرنسية باريس، يطالب فيها بإقامة “ائتلاف أفريقي للهجرة والتنمية”، يشكل إطارا موحدا يبحث مخاطر الهجرة غير الشرعية، وفرص الهجرة القانونية والتنمية المشتركة، على أساس تقاسم المسؤولية بين أفريقيا وأوروبا.

أدى تشدد بلدان الاتحاد الأوروبي حيال موضوع هجرة الأفارقة، بوضع المزيد من القيود والإجراءات، فضلا عن الأزمة الاقتصادية التي ضربت أوروبا، إلى جعل المغرب نقطة استقرار لهؤلاء المهاجرين، بعدما كان في السابق مجرد نقطة عبور. وقد وضعت الحكومة قانونا جديدا للهجرة، دخل حيز التنفيذ في يناير 2014، لم يعد يعتبر المهاجرين المقيمين بطريقة غير قانونية مجرمين، وهو ما يعني أنهم لم يعودوا عرضة للترحيل. وقد شرع المغرب في تسوية أوضاع المهاجرين الأفارقة المقيمين، بإصدار تصاريح إقامة لهم ولذويهم.

ولقيت هذه السياسة الجديدة للمغرب تجاه موضوع الهجرة ترحيبا من البلدان الأوروبية والمنظمات الأوروبية ذات الاهتمام بالهجرة، بالنظر إلى النجاعة التي أظهرتها في ما يتعلق بالحد من تدفق المهاجرين غير الشرعيين على السواحل الأوروبية. ففي شهر فبراير الماضي أعلنت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن جهود المغرب في مكافحة الهجرة قد أعطت النتائج المرجوة منها، وقال جان بول كافلييري، ممثل المفوضية بالرباط، إن “المغرب يعد من البلدان القلائل التي تولي اهتماما خاصا بمسألة الهجرة، ويعتبر نموذجا يحتذى به عربيا ومغاربيا”.

وفي شهر مارس الماضي قال المدير العام للمنظمة الدولية للهجرة، ويليام لايسي سوينغ، إن السياسة الجديدة في مجال الهجرة بالمغرب، التي أطلقها الملك محمد السادس، قد نجحت في وضع استراتيجية وطنية خاصة بالهجرة.

7