أوروبا تغوص في صراعات منطقة حوض المتوسط

الأربعاء 2017/08/02
الإنصات لصخب الصراعات المحيطة بالمنطقة الأوروبية

باريس – تغيرت السياسة الأوروبية في السنوات الأخيرة بشكل جذري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وقوبل التصعيد المتزايد في الصراعات والتوترات وأزمة الهجرة واللاجئين بزيادة مطردة في المشاركات الدبلوماسية التي قام بها الاتحاد الأوروبي والمناقشات حول تعزيز القدرات العسكرية وحرس الحدود والسواحل.

وبوجه عام أصبح الاتحاد الأوروبي اليوم أكثر استعدادا مما كان عليه قبل بضع سنوات، حتى أن صحيفة المونيتور الأميركية أشارت إلى أنه يمكن للاتحاد الأوروبي أن يحل بدلا من الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ونقلت الصحيفة الأميركية عن مسؤول في الاتحاد الأوروبي، وصفته بالكبير دون ذكر اسمه مكتفية بالإشارة إلى أنه مقرب من فيديريكا موغيريني، مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، أن بروكسل، نظرا للوضع الداخلي والخارجي، مضطرة إلى تطوير سياسة خارجية أكثر استقلالية، بما في ذلك المتعلقة بقضايا الشرق الأوسط.

لكن الحركة السياسية المتغيرة التي تحدث باستمرار بين العناصر الفاعلة الرئيسية في منطقة حوض المتوسط، ستتطلب، وفق مارك بيريني، الخبير في معهد كارنغي لدراسات السلام، عمل بعض التغييرات السريعة والعميقة في سياسات الاتحاد الأوروبي وأساليبه إذا كان يريد التأثير على مسار التاريخ في هذه المنطقة المجاورة وممارسة تأثيره عليها بشكل قوي.

وتشارك عدة دول أوروبية في الصراعات الدائرة في منطقة حوض المتوسط بشكل مباشر عن طريق إرسال قواتها العسكرية في بعض الحالات: مثل فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وبلجيكا والدنمارك وهولندا في سوريا والعراق؛ وفرنسا والمملكة المتحدة في ليبيا. وعلى الصعيد الدبلوماسي، يبذل الاتحاد الأوروبي، وخاصة من خلال مكتب الممثل السامي ومقرّ دائرة العمل الأوروبي الخارجي، جهودا للتأثير على المباحثات من خلال الجمع بين الدبلوماسية والدعم المالي.

ويضيف بيريني أن المفارقة المزدوجة التي نتجت عن الصراعين الرئيسيين في منطقة حوض البحر المتوسط أصبحت واضحة، حيث لا تملك أي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي مهما كانت قوتها القدرة على تبني أو فرض سياسة معينة على باقي الدول الأعضاء، وبالتالي يتضح هنا دور مؤسسات الاتحاد الأوروبي المركزية.

دور إيجابي جديد في سوريا

يرى بيريني أن الأنشطة الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي لم تحرز حتى الآن أي تقدم يُذكر لوقف بحر الدماء في سوريا. كما أن مؤتمرات جنيف المتعاقبة برعاية الأمم المتحدة، ومحادثات أستانة تحت رعاية روسيا مع إيران وتركيا، وغيرها من الاتصالات الأخرى انتهت غالبا بإصدار عدد من التصريحات والبيانات ولم تحرز أي تقدم فعلي على الجبهة السياسية ونتج عن ذلك وقف إطلاق نار محدود بسبب ضعف السيطرة وزيادة آليات التحفيز.

ولم يكن الحال أفضل مع المؤتمر الذي عُقد في 5 أبريل 2017 في بروكسل، والذي حرصت فيديريكا موغيريني من خلاله على إعادة التأكيد على أهمية دور الدبلوماسية والاتحاد الأوروبي. وخلص المؤتمر إلى ثلاث نتائج: حيث ظهر دور الاتحاد الأوروبي في قدرته على لم شمل جميع الأطراف، وأظهر الرغبة المتبادلة بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة (الأمين العام أنطونيو غوتيريس) للعمل معا، كما وضع خطة المبادئ التي سيتم العمل بها في المستقبل.

ونظرا لاختلاف المسار الذي يسلكه الاتحاد الأوروبي والدول الغربية من جهة وروسيا ونظام الأسد من جهة أخرى، لم يحدث أي تقدم سواء بعد عقد مؤتمر بروكسل أو حتى بعد سرد عدد من المبادئ الواجب تنفيذها لحل الأزمة السورية. ومع ذلك، ساعدت المبادرة التي قام بها الممثل السامي لعقد هذا المؤتمر، بعد سنوات عدة من المبادرات الفردية التي كانت تقوم بها بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، على إعادة إبراز سياسة العمل الدبلوماسي الذي كان مخولا منذ البداية لإصلاح مؤسسات الاتحاد الأوروبي في معاهدة لشبونة في عام 2009.

الإعمار السياسي لدولة مقسمة

تقوم الأمم المتحدة بالدور الرئيسي في إدارة النشاطات الدبلوماسية التي تحدث في ليبيا، بينما يلعب الاتحاد الأوروبي دورا داعما، ولكن يبدو الوضع في ليبيا أكثر تعقيدا نظرا للتنافس بين الحكومتين في طرابلس وبنغازي. وهنا أيضا، يعتمد الاتحاد الأوروبي في سياسته على أسس ومبادئ راسخة تتعلق أساسا بالتأكيد على الحاجة إلى إجراء حوار شامل وتسوية سياسية.

وفي ما يتعلق بقضية الهجرة عبر الحدود الليبية، تظهر هنا حاجة الاتحاد الأوروبي بوضوح إلى إرساء قواعد سياسة فعالة تقوم على وضع عناصر حاسمة تتعلق بالتوسيع من صلاحيات السلطات الليبية واحترام حقوق المهاجرين الموجودين في ليبيا وتقديم الدعم الإنساني لهم، وتنفيذ سياسة العودة الطوعية.

سواء في سوريا أو في ليبيا، يمكن تفسير الدور المحدود الذي يلعبه الاتحاد الأوروبي من خلال النظر إلى مدى توحُّد دول الاتحاد الأوروبي في اتباع منهاج واحد للسياسات الخارجية والدفاع. ويقدم بيريني وصف ملخص الحالة ككل على أن دور السياسة الخارجية لمؤسسات الاتحاد الأوروبي لا يزال يخضع للاختبار بعد اعتماد معاهدة لشبونة قبل نحو تسع سنوات.

6