أوروبا تغير قواعد الهجرة: قلق أمني أم كره للأجانب

أزمة اللاجئين تعمّق الاستقطاب السياسي الأوروبي بين معسكري شرق القارة وغربها.
الجمعة 2020/09/25
لا حلول جذرية تلوح في الأفق

تواجه أحدث خطة طرحها الاتحاد الأوروبي لمواجهة جحافل اللاجئين عقبات معقدة في طريق التوصل إلى حلول تساعد في السيطرة على أزمة الهجرة غير القانونية إلى الدول الأعضاء، رغم الاتفاقات القديمة لوقف القادمين من دول الشرق الأوسط وأفريقيا عبر أراضيها وإن كان الكثير منها لا يزال مثار جدل واسع ينذر بانقسامات أكبر بسبب التعاطي مع هذا الملف الحساس، الذي يضع مسألة التهديدات الأمنية وكراهية الأجانب في سلة واحدة.

بروكسل – يرى متابعون لقضية الهجرة أن مقترح المفوضية الأوروبية الجديدة وإن كان يرتكز على إصلاح جوهري يتضمن تشديد عمليات إعادة المهاجرين غير القانونيين وتعزيز المراقبة على الحدود الخارجية وتسريع آليات التنفيذ لمواجهة التهديدات الأمنية، إلا أن الخطة تتعرض لانتقادات شديدة كونها ستساهم في إثارة المشاكل حتى من الناحية “العنصرية”.

ورغم المحاولات المتكررة لعقد اتفاقات مع دول شمال أفريقيا، منها تونس وليبيا، ومنع أو تقليص تدفق المهاجرين من دول الشرق الأوسط، وفي مقدمتها سوريا والعراق، لكن باءت جميعها بالفشل، وقد تجد الخطة الجديدة المصير نفسه بعد أن رفضتها مجموعة من دول أوروبا الشرقية، وهي المجر وبولندا وتشيكيا، كونها تتبنى موقفا صارما من قضية الهجرة.

ومع أن المعسكر الغربي داخل الاتحاد الأوروبي يؤكد أنه خيار مهم في هذا التوقيت لعدة اعتبارات سبق وتم ذكرها، غير أن خطط الاتحاد الأوروبي الجديدة خيبت آمال المهاجرين، فقد ندّد نشطاء حقوق المهاجرين بها باعتبارها تذعن لكراهية الأجانب والشعبوية.

ويرى الخبير الأوروبي في مسائل الهجرة إيف باسكوا أن المفوضية الأوروبية تريد إعادة تركيب مجموعة من دون قائد حقيقي ولا بنية ولا هيكل، وهذه الخطوة معرضة للانهيار لأنها لا تعتمد على أسس واضحة تجعل من عملية “التضامن الأوروبي” ممكنة على الأرض.

جذور المشكلة

ماري دو سومير: الهجرة تكشف عيوب أوروبا الهيكلية وانقساماتها السياسية
ماري دو سومير: الهجرة تكشف عيوب أوروبا الهيكلية وانقساماتها السياسية

مع أن تبريرات الأوروبيين تبدو مقنعة، فإن السجال الدائر، والذي يبدو أنه لا ينتهي قريبا ما دامت هناك اضطرابات في المناطق المحاذية للقارة، يعود إلى طبيعة المساعي التي اتجهت إلى إزاحة المهاجرين من أراضي تلك الدول، إلى بلدان العبور أو الاستقبال خاصة في الشرق الأوسط ودول أفريقيا جنوب الصحراء، خشية تهديدات أمنية وفي الوقت نفسه يطرح مسألة لا تقل أهمية وهي كراهية الأجانب.

وبعد خمس سنوات على تفجر أزمة اللاجئين ينص “الميثاق الأوروبي حول الهجرة واللجوء” في ثوبه الجديد على وجوب مشاركة الدول الأعضاء، التي لا تريد التكفّل بطالبي لجوء في حال حصل تدفّق، في إعادة طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم من الدولة الأوروبية التي وصلوا إليها إلى بلدهم الأصلي.

وتقول ماري دو سومير الخبيرة في مركز دراسات السياسة الأوروبية إن أزمة الهجرة لم تتضمن أمورا خارجة عن السيطرة لكنها كشفت عيوب أوروبا الهيكلية وانقساماتها السياسية.

ولدى بعض المراقبين قناعة بأن المنحى الأوروبي الجديد هو عبارة عن طريقة للالتفاف على الرفض المستمر من دول مثل مجموعة “فيشغراد”، التي تجمع كل من بولندا والمجر وتشيكيا وسلوفاكيا لاستقبال مهاجرين، وهو ما أدى إلى فشل توزيع حصص تقاسم عبء اللاجئين الذي تقرر بعد أزمة العام 2015، في محاولة للخروج من المأزق.

ويرى هؤلاء أن الخطة الجديدة بها عيوب كثيرة حيث يقترح النص حماية منظمات غير حكومية تنقذ مهاجرين من البحر، من الملاحقات القانونية. كما أنه يعيد النظر في نظام دبلن، الذي يحمّل أول بلد يدخله المهاجر في الاتحاد الأوروبي، مسؤولية النظر في طلب اللجوء.

ويثير هذا النظام الذي يعتبر ركيزة سياسة اللجوء الحالية في أوروبا، توترا متواصلا بين الدول الأعضاء، بسبب العبء الذي يحمّله للدول الواقعة جغرافياً في خط المواجهة الأمامية لتدفق اللاجئين مثل اليونان وإيطاليا.

وبحسب اقتراح المفوضية، فإن الدولة المسؤولة عن النظر في طلب اللجوء يمكن أن تكون دولة تأوي شقيق أو شقيقة له أو دولة عمل بها أو درس فيها، أو أعطته تأشيرة في الماضي. وإذا لم تتوفر أي من هذه الحالات فستبقى دول وصول المهاجرين مكلفة بالنظر في طلباتهم.

وتنصّ الخطة أيضا على آلية سريعة لاستبعاد المهاجرين الذين من غير المرجح أن يحصلوا على حماية دولية، وهم بحسب المفوضية، أولئك القادمون من دول تسجّل معدل استجابة لطلبات اللجوء أقلّ من 20 في المئة مثل تونس والمغرب، حيث يتوقع أن ينظر في طلبات الهجرة على الحدود التي وصلوها في غضون ثلاثة أشهر على أقصى تقدير.

خطة غير قابلة للتحقيق

خطط الاتحاد الأوروبي الجديدة خيبت آمال المهاجرين
خطط الاتحاد الأوروبي الجديدة خيبت آمال المهاجرين

في حال حصول أزمة مماثلة لما حصل في 2015، عندما وصل أكثر من مليون مهاجر فجأة إلى أوروبا، يقتصر الخيار أمام الدول على التكفل بإعادة توزيع اللاجئين أو إعادة المهاجرين المرفوضين إلى بلدانهم الأصلية ولكن في حال فشلت دولة في الاتحاد الأوروبي في إعادة المهاجرين إلى بلدانهم في غضون ثمانية أشهر، سيترتب عليها استقبالهم.

ويقول مسؤولون أوروبيون، من بينهم المفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية إيلفا جوهانسون، إن البدائل المطروحة غير قابلة للتحقيق بالنسبة للدول الصغيرة التي لا تملك الوسائل، رغم أن لدى الاتحاد الأوروبي حاليا 24 اتفاقية إعادة مع دول خارج الاتحاد، وجميها “لا تصلح”.

وإحدى وسائل الضغط ستكون نشر تقارير سنوية تقيّم قدرة دولة ما على إعادة استقبال مواطنيها وستكون لها عواقب على إصدار التأشيرات لهؤلاء المواطنين. وهذا في حد ذاته يعتبر ضغطا على الدول التي تريد استقبال المهاجرين، وبالتالي فإن الخطة مفتوحة على احتمال الفشل بقدر ما هي مفتوحة على احتمال النجاح.

وتعليقا على الخطة، التي تتعرض لمحاولات من أجل وأدها قبل أن تولد أصلا، كتب الباحث البلجيكي فرانسوا جيمين في تغريدة على حسابه في تويتر بقول إنها “تسوية بين الجبن وكراهية الأجانب”، منددا بـ”الوصفات نفسها التي تفشل منذ عشرين عاماً وبمنطق أوروبا المحصنة”.

ويدعم الاتحاد الأوروبي اتفاقا مثيرا للجدل توصلت إليه كل من إيطاليا وليبيا لمساعدة خفر السواحل الليبي في وقف انطلاق المهاجرين في وقت تغرق البلاد في فوضى منذ العام 2011.

وقد اعتبرت منظمة العفو الدولية (أمنستي) في تقرير الخميس أنّ عشرات آلاف اللاجئين والمهاجرين في ليبيا “محاصرون في حلقة مفرغة مروّعة من الانتهاكات”، وطالبت الاتحاد الأوروبي بإعادة النظر بشكل كامل في تعاونه مع السلطات الليبية في هذا الملفّ.

وقالت المنظمة الحقوقية في تقرير بعنوان “بين الحياة والموت: اللاجئون والمهاجرون في ليبيا” “إنّ ليبيا، الدولة التي مزّقتها سنوات من الحرب، باتت بيئة تتسم بعداء أشدّ للاجئين والمهاجرين، الذين يبحثون عن حياة أفضل، وأنه بدلا من توفير الحماية لهم، فإنهم يُقابلون بمجموعة من الانتهاكات المروّعة لحقوق الإنسان”.

وتظهر هذه التصرفات تحديدا في غرب ليبيا حيث تسيطر ميليشيات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا، حيث يلقي هؤلاء على المهاجرين اللوم بشكل جائر الآن في انتشار وباء كوفيد – 19 بناء على آراء عنصرية للغاية وكارهة للأجانب.

وقالت ديانا الطحاوي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة إن “الاتحاد الأوروبي وبلدانه الأعضاء ينفذان سياسات تحاصر عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال في حلقة مفرغة من الانتهاكات، الأمر الذي يُظهِر استخفافاً صارخاً بحياة الناس وكرامتهم”.

7