أوروبا تلعب ورقتي الصين واليابان لكبح جماح ترامب

عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض الثلاثاء ليجد نفسه معزولا حتى داخل معسكره الجمهوري، إثر جولة أوروبية كارثية حسب خصومه أدار خلالها ظهره لحلفاء الولايات المتحدة التاريخيين، وتقرب بشكل مذهل من زعيم الكرملين فلاديمير بوتين.
الأربعاء 2018/07/18
اتفاقيات مع قوى الشرق

 طوكيو - عجّلت مخرجات قمة هلسنكي التي جمعت رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب بنظيره فلاديمير بوتين والتي أوحت للأوروبيين بأنّ إدارة واشنطن ماضية في تركيز نظام دولي جديد، بتفكير دول الاتحاد الأوروبي في بدائل سياسية وتجارية للحفاظ على وزنها الدولي وتماسك كيانها.

ولم يكتف ترامب باستفزاز شركاء الولايات المتحدة التقليديين عبر قمته مع بوتين، بل زاد في سلسلة حروبه الكلامية ضدّ أوروبا بتأكيده عقب القمة أن واشنطن تتحمل 91 بالمئة من تكلفة أمن أوروبا.

وفي أول خطوة يتّخذها الاتحاد الأوروبي للردّ على تمادي الرئيس الأميركي في توجيه انتقادات لكل مكونات الاتحاد، وقّع المجلس الأوروبي اتفاقا للتبادل الحر مع اليابان. وقال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، إن هذا الاتفاق التبادل “رسالة واضحة” ضد الحمائية، في إشارة إلى نهج ترامب الذي فرض مؤخرا رسوما جمركية مشددة على واردات الصلب والألومنيوم ومنتجات مختلفة.

وأضاف “إننا نوجه رسالة واضحة ونقف صفا موحدا بوجه الحمائية”، فيما قال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر “إننا نظهر أقوى وأفضل حين نعمل معا”. ورفّع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي من أهمية الحدث بقوله إنّ “توقيع الاتفاق سيغطى ثلث الاقتصاد العالمي”.

ويفسرّ العديد من المراقبين لتطورات السياسة الدولية الاتفاق بأنه ضربة قوية لسياسات الحمائية التجارية التي يتبناها دونالد ترامب.

ويحاول الاتحاد الأوروبي المُثقل بعدة انقسامات داخلية تخصّ ملفات حارقة كأزمة اللاجئين أو الخلافات حول احتمال انضمام دول البلقان إلى دول الاتحاد، الظهور في شكل تكتل قوي لا يذعن لضغوط ترامب السياسية والاقتصادية والتجارية أو حتى محاولته لعب ورقة تغيير النظام العالمي برفقة “صديقه” بوتين.

أوروبا مثقلة بخلافات داخلية

ولم يكتف الأوروبيون بالتوجه إلى طوكيو، حيث اجتمع قادة الاتحاد الأوروبي بالتزامن مع انعقاد قمة هلسنكي بقادة الصين بمشاركة رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك ورئيس المفوضية الأوروبية جان-كلود يونكر في بكين، التي قالت إنها ستعمل على شراء المزيد من النفط الإيراني بعد العقوبات الأميركية، في خطوة تعزز نيران الحرب التجارية والدبلوماسية المندلعة.

فيديريكا موغيريني: أوروبا تعرف جيدا من هم أصدقاؤها، لدينا آخرون كثر حول العالم مثل اليابان
فيديريكا موغيريني: أوروبا تعرف جيدا من هم أصدقاؤها، لدينا آخرون كثر حول العالم مثل اليابان

واتفق الصينيون والأوروبيون، وهما شريكان في الاتفاق النووي الموقع مع إيران، على تعزيز التعليمات الإرشادية والعلاقات بين الصين وأوروبا عبر تبادل وجهات النظر بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك. ويبحث قادة الاتحاد الأوروبي عن التوجه نحو الأسواق الآسيوية وخاصة إلى الصين عن ضرب عصفورين بحجر واحد، أولهما تحقيق نمو مطرد في العلاقات الثنائية عبر تدعيم التجارة وتسهيل الاستثمار والتعامل مع التحديات العالمية والحفاظ على السلام والاستقرار والتنمية على المستوى العالمي.

ويتمثل السبب الثاني في إحراج الرئيس الأميركي الذي يواصل سلسلة انقلابات على أوروبا باصطفافه إلى جانب روسيا الخصم الأكبر لأوروبا.

وسدّد قادة أوروبا ضربة أخرى لترامب بتأكيد القمة الأوروبية-الصينية على الالتزام المشترك لفائدة تحديث منظمة التجارة العالمية، وهو أمر يُعارضه بشدة الرئيس الأميركي.  ويبقى على أوروبا أن تُذلل كل الخلافات التجارية مع الصين وخاصة منها ما يتعلق بمعضلة إغراق السوق الأوروبية بالواردات الصينية الرخيصة. وكان الاتحاد الأوروبي قد قدم شكوى لدى منظمة التجارة العالمية ضد القرار الأميركي الذي فرض رسوما جمركية على صادرات الصلب والألومنيوم، فيما رفع شكوى أخرى ضد الصين بسبب “النقل غير العادل” لتكنولوجيا المؤسسات الأوروبية الناشطة في الصين.

ويعتبر ترامب أن الصين هي أحد أهم الخصوم للولايات المتحدة، لا من الناحية التجارية فحسب بل على المستوى السياسي أيضا عقب تحوّل بكين من الاكتفاء بتلك الدبلوماسية الناعمة لفضّ كل المسائل العالقة إلى محاولة لعب أدوار سياسية كبرى في العديد من الملفات وخاصة في منطقة الشرق الأوسط.

التأهب إلى مزاجية ترامب

ورفض الاتحاد الأوروبي أيضا مطالبة الولايات المتحدة بعزل إيران اقتصاديا، عبر إقرار آلية قضائية لحماية الشركات الأوروبية الموجودة في طهران من العقوبات الأميركية المحتملة. وقالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني في ختام اجتماع لوزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل “لقد أقرينا تحديث نظام العرقلة، وسنتخذ كل الإجراءات لجعل إيران قادرة على الاستفادة اقتصاديا من رفع العقوبات”. وتدل كل هذه التحرّكات على بداية تأهب أوروبا إلى ما ستؤول إليه رغبة ترامب في إعادة ترتيب موازين القوى في العالم بالعودة إلى منطق معسكري الشرق والغرب اللذين سقطا منذ عام 1989 بسقوط الاتحاد السوفييتي. وفي هذا الصدد، عكست تصريحات قادة أوروبا اهتزاز ثقتهم بالصداقة مع واشنطن، وفيما قال دونالد توسك إن ترامب “يشيع أخبارا كاذبة” عندما نعت أوروبا بأنها “خصم”، اعتبرت ألمانيا أنه لم يعد بوسع أوروبا الاعتماد على ترامب، وسط دعوات لقمة هلسنكي بحماية النظام العالمي. وقال وزير الخارجية الألماني هايكو “لم يعد بوسعنا الاعتماد بالكامل على البيت الأبيض”، مضيفا “للحفاظ على شراكتنا مع الولايات المتحدة، يجب علينا تعديلها. وشدد على أن نتائج تحركات ترامب الواضحة لا يمكن أن تجابه إلا بالتقارب أكثر بين دول أوروبا وعدم إتاحة الفرصة لانقسام مكوناتها”.

كما حذّر توسك، خلال لقاء مع رئيس الوزراء الصيني لي كيكيانغ، خلال القمة السنوية بين الاتحاد الأوروبي والصين، من أن التوترات التجارية قد تتحوّل إلى “صراع ساخن”، داعيا كلا من الصين والولايات المتحدة وروسيا إلى “تجنب الفوضى” التي ستتأتى عن حرب تجارية.

ويوجه الأوروبيون رسائل بالجملة إلى الرئيس الأميركي مفادها أن النظام العالمي يتبدّل لكن وجب تعديله وتقويمه وليس هدمه وبناء نظام جديد على اعتبار أن ما تم بناؤه على مدى عقود أتى بالسلام لأوروبا، والنمو لأميركا للصين، وبنهاية الحرب الباردة.

وفي سياق متّصل أكدت موغيريني أن تغيير الإدارة الأميركية لا يعني تغيير الصداقة، مضيفة أن أوروبا ستكون دائما “صديقة مقربة وشريكة” لواشنطن. لكن لدى وصولها إلى إجراء محادثات مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، صرّحت بأن لدى أوروبا أصدقاء آخرين كثيرين حول العالم، مثل اليابان، التي وقعت معها اتفاقا تجاريا ضخما.

ورغم أهمية المساعي الجاهدة لأوروبا بالتحول نحو دول الشرق وخاصة نحو القوى الآسيوية لكبح جماح رغبات ترامب الرامية إلى وضع تصوّر جديد لموازين القوى العالمية ولمعاقبة واشنطن على خذلانها للشريك التقليدي، فإن القارة العجوز قد تجد نفسها، وهي المحفوفة منذ أعوام بانقسامات داخلية، في منعطف خطير لا يلبي في النهاية رغبتها في المحافظة على النظام الدولي الكلاسيكي بمحاولة إصلاحه، لأنها قد تجد نفسها منغمسة بتحركاتها غربا وشرقا  في هندسة ما يصبو إليه ترامب من  نظام عالمي جديد يُعيد تسيّد أميركا على العالم بأشكال ونظم مختلفة.

6