أوروبا تنظر بعين القلق لانتخابات بريطانيا

مخاوف أوروبية من تهديدات جونسون بتحويل بريطانيا لبلد يمارس استثناء في التشريعات الاجتماعية مما يمهد لاستيطان الظاهرة الترامبية في قلب القارة.
الأربعاء 2019/12/11
مخاوف انتقال العدوى تزداد

بروكسل - يراقب الأوروبيون باهتمام ما ستسفر عنه الانتخابات التشريعية التي ستجرى الخميس في بريطانيا كونها ستشكل تحوّلا مفصليا في مسألة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.

ولم تعد مسألة البريكست هاجسا داخليا بريطانيا فحسب، بل أضحت سلامة واستقرار وفاعلية الاتحاد الأوروبي مرتبطة بمآلات أمر الخروج البريطاني والطريقة التي سيتم بها.

وفيما كان زعماء الاتحاد الأوروبي يتمنون أن يسفر الجدل البريطاني المحتدم حول الأمر عن عودة البريطانيين عن قرارهم بالانفصال عن الاتحاد بما يعيد له سياقه التاريخي ووحدته، بات هؤلاء يستعجلون بريطانيا الخروج من النادي الأوروبي لما في ذلك من حماية للاتحاد من عدوى التفتت الذي أظهره بريكست.

ويتأمل الأوروبيون بقلق عجز الطبقة السياسية في بريطانيا عن إيجاد السبل لتنفيذ رغبة البريطانيين في استفتاء يونيو 2016 بشأن خروج بلدهم من الاتحاد الأوروبي، ويستغربون عدم قدرة البريطانيين في بداية عام 2020 عن إعطاء رواية واحدة حول كيفية تنفيذ طلاقهم عن بقية دول الاتحاد.

ولا يتفاءل الأوروبيون كثيرا بما ستخرج به صناديق الاقتراع الخميس، معتبرين أن هذه الانتخابات، الثالثة في أربع سنوات، قد لا تحمل مضمونا حاسما، ولن تختلف عن الانتخابات السابقة في إنتاجها برلمانات معلقة لا تتسم بأغلبيات حاسمة.

ويتخوف مسؤولون في المفوضية الأوروبية في بروكسل من مغبة أن تصاب بريطانيا بشلل داخل مجلس العموم الجديد سيتداعى بشلل آخر على خارطة طريق تنظم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ويرون أن ذلك من شأنه إرباك الأسواق وتهديد خطط النمو والاستقرار السياسي والاجتماعي لدى بقية بلدان التجمع الأوروبي الكبير.

الأوروبيون لا يتفاءلون كثيرا بما ستخرج به صناديق الاقتراع في انتخابات بريطانية ثالثة في أربع سنوات، قد لا تنتج أغلبيات حاسمة

وترى مصادر فرنسية أن “الظاهرة” البريطانية تمثل تمددا للترامبية التي بشّر بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتجاه القارة العجوز، وأن تعاظم شأن أحزاب اليمين المتطرف والتيارات الشعبوية في أوروبا مرتبط بقوة الخطاب الشعبوي الأممي داخل البيت الأبيض من جهة، والقدرة على تصديره بقوة من خلال حدث تاريخي كبير كخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وبات الأوروبيون مجمعين على تجنب أن تخرج بريطانيا دون اتفاق مع الاتحاد الأوروبي تفاديا لاختلالات كبرى قد تهدد مصير ووحدة الاتحاد نفسه.

ويرى المدافعون عن أوروبا أن هناك تقاطع مصالح يظهر يوما بعد يوم، يجمع الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا، يعمل على إضعاف العامل الأوروبي والاشتغال على تفتيته، وأنه من الحكمة عدم الاصطدام مع بريطانيا وإبقائها داخل الحيز الأوروبي حتى بعد خروجها من الاتحاد.

ويستنتج الأوروبيون أن الانتخابات في بريطانيا لا تتم بين تيار معاد للبقاء في الاتحاد الأوروبي وتيار مؤيد لذلك، بل أن الضبابية التي يتناول بها جيريمي كوربين زعيم حزب العمال مسألة العلاقة مع أوروبا يدفع المراقب إلى تأمل جدل ليس حول كيفية البقاء في أوروبا، بل حول الكيفية التي يجب وفقها الخروج من الاتحاد.

وينظر كوربين إلى الاتحاد وفق رؤية يسارية أيديولوجية تعتبر أنه مجرد ناد رأسمالي يتحكم به الأغنياء بمصير الأوروبيين والبريطانيين. وهو يسعى في مقاربته إلى إيجاد نقطة توازن صعبة توفق بين عدائه السياسي لحزب المحافظين وخياراته بشأن البريكست، وبين نزوع الأغلبية داخل حزب العمال باتجاه البقاء داخل أوروبا آخذا بعين الاعتبار أن 37 بالمئة من مجموع الكتلة الناخبة للحزب قد صوتت عام 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وبناء على ذلك، لم يدع كوربين يوما إلى بقاء بلاده في الاتحاد، وحتى في الحملة التي سبقت استفتاء 2016 بدت الحملة التي قادها لصالح البقاء ضد خيارات اليمين المتطرف داخل وخارج حزب المحافظين، خجولة باردة لا تقارن بحمى الحملات التي خاضها أنصار الخروج.

وحتى هذه الأيام، وعلى الرغم من مرور سنوات بعد الاستفتاء اتضحت فيها أمور كثيرة حول مخاطر البريكست، بقي كوربين مناوراً في وعده بالسعي لعقد اتفاق جديد مع الاتحاد الأوروبي وإخضاعه بعد ذلك للاستفتاء.

وأشارت صحيفة لوموند الفرنسية إلى أن كوربين لم يبد أي شجاعة ليصارح عمال مصانع السيارات الذين يشعرون بالقلق من منافسة القوى العاملة في أوروبا الشرقية، أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يهدد الصناعة التي توظفهم، والتي تعتمد كلياً على السوق الأوروبية الكبيرة.

ويرى محللون أوروبيون أن زعيم حزب العمال يحاول إلهاء الناخب البريطاني ببرنامج يعتبره واعدا في الاقتصاد، عماده وقف التقشف وتضييق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية عن طريق الاستثمار في الخدمات العامة. ويقول هؤلاء إن كوربين في موقفه الملتبس من أوروبا يغفل البوح بأن خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي ينطوي على خطر الإخلال بوعوده الجميلة.

علاقة ضبابية مع أوروبا
علاقة ضبابية مع أوروبا

ولا يفضل الأوروبيون مواقف زعيم حزب المحافظين بوريس جونسون، إلا أنهم يعتبرونه واضحا في ما يريده ويسعى إليه. فشعار جونسون هو ببساطه “لننجز بريكست”، وهو يمثل دعوة مباشرة لناخبي بريطانيا، من كافة التيارات السياسية، إلى التصويت له ولحزبه لتنفيذ نتيجة استفتاء 2016. ويراقب الأوروبيون جملة من الوعود الشعبوية التي يطلقها زعيم المحافظين لإقناع الناخبين بمنحه الأغلبية التي يريد، بحيث أنه يروج بأن “التحرر” من أوروبا سيعيد للبلد أمجاده الغابرة ويعيد إنعاش النظام الصحي وقطاعات العمل والاقتصاد والأمان.

والحقيقة أنه في حال فوز جونسون بالأغلبية التي يريدها فذلك لن “يحرر” بريطانيا من “أوروبا”، وأن الأمر لا يعدو كونه خداعا انتخابيا للناخب في بريطانيا.

إن الاتفاق الذي أتى به جونسون من الاتحاد يضع أيرلندا الشمالية رهينة في يد أوروبا حتى التوصل إلى اتفاق نهائي ينظم كل أشكال العلاقة المقبلة بين بريطانيا والاتحاد، وأنه حتى التوصل إلى هذا الاتفاق ستبقى بريطانيا مكبلة بقوانين أوروبا وقواعدها، لاسيما تلك المتعلقة بقضايا الخدمات المالية وصيد الأسماك.. إلخ. وتتوقع مصادر أوروبية أن يستغرق أمر الاتفاق النهائي سنوات، إلا إذا قرر جونسون الاستسلام للمتطرفين في حزبه والذهاب إلى طلاق مع أوروبا دون أي اتفاق.

وفيما لا ترتاح المنابر الأوروبية إلى التعامل مع اليساري كوربين، فإنها بالمقابل غير مرتاحة للتعامل مع زعيم يميني بدأ يظهر تطرفا في زعامته لحزب المحافظين. ويكتشف الأوروبيون الوجه الحقيقي لجونسون من حيث تعطشه للسلطة وتجنبه التواصل مع الجمهور والإجابة على الأسئلة المحرجة وسعيه لتجاهل البرلمان ونزوعه نحو قومية شوفينية تستفز الأسكتلنديين والأيرلنديين وتهدد وحدة المملكة المتحدة.

وينظر الأوروبيون وخصوصا الفرنسيين بعين القلق إلى تهديدات جونسون بتحويل بريطانيا إلى ملاذ ضريبي وإلى بلد يمارس استثناء في التشريعات الاجتماعية والبيئية على نحو يجعل من الترامبية تستوطن أوروبا من خلال بريطانيا في قلب القارة العجوز.

7