أوروبا قاصرة عن استيعاب مهاجريها بآليات إدماج قديمة

الاثنين 2015/04/06
تعاطف مسلمي أوروبا مع ضحايا حادثة شارلي إيبدو يؤكد أن التطرف حكر على قلة قليلة معزولة

تكمن معضلة معظم البلدان الأوروبية في ما يتعلّق بملف الهجرة، في كيفية إدماج الوافدين عليها، خاصة العرب والمسلمين، واستيعابهم ثقافيا من أجل الحدّ من إمكانية انزياحهم إلى مراح التطرف والإرهاب. وهو ما يفرض عليها التخلي عن آليات الإدماج القديمة والفرضية التوجيهية التي تقول إنّه يجب إدارة الهجرة والاندماج عن طريق السياسات والمؤسسات الحكومية، لأنّ الاندماج الحقيقي يتشكل أساسا عن طريق إحياء المجتمع المدني ووفق الروابط الفردية التي يشكلها الناس مع بعضهم البعض.

رأى الكثير من الأوروبيين في التعددية الثقافية (أي تبني فكرة مجتمع متنوع يشمل الجميع)، قبل ثلاثين سنة، إجابة عن المشاكل الاجتماعية التي تعاني منها أوروبا. واليوم يعتبر عدد متزايد منهم أن التعددية هي السبب الكامن وراء تلك المشاكل. وهذه الرؤية دفعت بعض السياسيين البارزين بما في ذلك رئيس الوزراء البريطاني، دافيد كاميرون، والمستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، إلى شجب التعددية الثقافية والتحذير من مخاطرها.

وبوصفها أداة سياسية، لم تستخدم التعددية الثقافية فقط ردا على التنوع بل وكذلك كوسيلة لتقييده. وتلك الرؤية تكشف عن مفارقة صارخة، فالسياسات المبنية على أساس التعددية الثقافية تقبل بشكل مسلّم كون المجتمعات متنوعة، لكنها تفترض ضمنيا أن مثل ذلك التنوع ينتهي عند حدود الجاليات والأقليات. وتلك السياسات تسعى إلى مأسسة التنوع عن طريق وضع الناس في صناديق إثنية وثقافية وتحديد حاجاتهم وحقوقهم على ذلك الأساس. لكن يبدو أنّ تلك السياسات ساعدت على خلق الانقسامات ذاتها التي كانت تهدف إلى معالجتها.

الأوروبيون أصبحوا يحددون التضامن الاجتماعي على أساس الإثنية والثقافة والمعتقد وليس على أساس سياسي

تغير في النظرة الأوروبية

ينظر الأوروبيون إلى مجتمعاتهم على أنها أكثر تنوعا مما كانت عليه في السابق، وذلك يعود في جزء كبير منه إلى التغييرات في كيفية تعريف الناس للفروق الاجتماعية؛ فقبل قرن ونصف كانت الطبقة الاجتماعية إطارا لفهم التفاعلات الاجتماعية، وعلى الرغم من صعوبة تصور الأمر الآن، كان الكثير من الناس يرون الفروق العرقية في أمور تتعلق بالاختلافات في الطبقة والمكانة الاجتماعية.

وقد كان هذا التغيير في النظرة انعكاسا لتوجهات أوسع، حيث انحسرت الاختلافات الأيديولوجية التي ميزت السياسة على مدى الـ200 سنة الماضية، وأصبحت الفروق القديمة بين اليسار واليمين أقل أهمية. وبفقدان الطبقات العاملة النفوذ الاقتصادي والسياسي تراجعت المنظمات العمالية والأيديولوجيات المبنية على التجمعات. وتوسعت السوق لتشمل كل زاوية من زوايا الحياة الاجتماعية. واختفت من الحياة العامة المؤسسات التي كانت تلمّ شمل الأفراد المتباينين من النقابات العمالية إلى الكنيسة.

ونتيجة لذلك بدأ الأوروبيون يرون أنفسهم وانتماءاتهم الاجتماعية بطريقة مختلفة. وأصبحوا يحددون التضامن الاجتماعي أكثر فأكثر على أساس الإثنية والثقافة والمعتقد وليس على أساس سياسي. وهم الآن أقل انشغالا بتحديد نوع المجتمع الذي يريدون بناءه من تحديد المجموعة السكانية التي ينتمون إليها. وهذان الأمران متصلان بالطبع بشكل وثيق، ويجب على أي معنى للهوية الاجتماعية أن يأخذهما في الاعتبار. لكن مع زيادة تقلص الطيف الأيديولوجي وتآكل آليات التغيير، أفسحت سياسة الأيديولوجيا الطريق لسياسة الهوية. وعلى ضوء هذه الخلفية أصبح الأوروبيون ينظرون إلى أوطانهم على أنها متنوعة بشكل خاص وصاغوا طرقا مُستحدثة للتعامل مع هذه النظرة الجديدة.

وتنامت وتيرة الحديث اليوم في البلدان الأوروبية عمّا يُسمى بـ”الجالية الإسلامية”، بآرائها وحاجاتها وطموحاتها. ويُعتبر هذا المفهوم مستحدثا بالكامل، فإلى أواخر فترة الثمانينات من القرن الماضي، كانت هناك قلة قليلة من المهاجرين المسلمين إلى أوروبا تنظر إلى نفسها على أنّها تنتمي إلى مثل هذا الإطار، ولم يكن ذلك راجعا إلى قلّة عددهم، ففي فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، مثلا كان هناك جاليات مهاجرة كبيرة. وفي أواخر فترة الثمانينات أصبحت مسألة الاختلافات الثقافية مهمّة لدى هؤلاء المهاجرين، ممّا أنتج مفارقة عجيبة مفادها أنّ الجيل الثاني الذي يعدّ أكثر اندماجا وتغريبا من الجيل الأول، أظهر إصرارا أكبر على المحافظة على خصوصيته “الثقافية”. والأسباب وراء هذا التحول معقدّة، إذ تكمن في جزء منها في شبكة مُترابطة من التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأشمل مثل انهيار اليسار وبروز سياسة الهويات.

حادثة شارلي إيبدو تعيد الاهتمام بشكل مركز بالمسائل المتعلقة بالسياسة الاجتماعية الفرنسية

قصور في الاستيعاب الثقافي

وإذا ما تمّ التطرّق على سبيل المثال إلى سياسة الإدماج الفرنسية، التي يُنظر إليها عموما على أنّها الطرف النقيض للتعددية الثقافية التي رفضها عدد من السياسيين الفرنسيين بـ”كل فخر”، لفهم التعامل الأوروبي ككل، نجد أنّ فرنسا مقسمة اجتماعيا تماما مثلها مثل ألمانيا والمملكة المتحدة.

وبعد الحادثة الإرهابية التي طالت صحيفة شارلي إيبدو في يناير الماضي، عاد الاهتمام بشكل مركز إلى المسائل المتعلقة بالسياسة الاجتماعية الفرنسية والانقسامات الاجتماعية في البلاد. وقد كان السياسيون الفرنسيون يحمّلون لفترة طويلة سياسات التعددية الثقافية المسؤولية في تغذية الجهاديين المحليين في بريطانيا، لكن بعد هذه الأحداث كان عليهم الإجابة عن سبب تغذية الإرهاب في فرنسا التي تتّبع سياسة الإدماج.

وكثيرا ما يُقال أنّ هناك قرابة 5 ملايين مسلم في فرنسا، وعوضا عن قبولهم على أنّهم “مواطنون” بشكل كامل، مالت السياسة الفرنسية إلى تجاهل استيعابهم ثقافيا وتغاضت عن العنصرية والتمييز اللذين تعرضوا له. ممّا أنتج جيلا ثانيا منهم يتّسم بالاغتراب عن ثقافة وعادات أهله –وعن الإسلام السائد- مثلما يتّسم بالاغتراب عن المجتمع الفرنسي بشكل أوسع. وتتمثل مشكلة أفراد هذا الجيل في أنّهم ليسوا محصورين بين ثقافتين، بل هم من دون ثقافة أصلا. ونتيجة لذلك لجأ البعض منهم إلى “الإسلاموية”، وعدد قليل آخر عبّر عن غضبه عن طريق العنف الجهادي.

ولمجابهة مثل هذه الانزياحات إلى التطرّف، يجب على الأوروبيين أن يتخلوا عن آليات الإدماج القديمة والفرضية التوجيهية التي تقول بأنّه يجب إدارة الهجرة والاندماج عن طريق السياسات والمؤسسات الحكومية، لأنّ الاندماج الحقيقي قلّما يتحقق بواسطة إجراءات حكومية، وهو يتشكل أساسا عن طريق الاستيعاب الثقافي والمجتمع المدني وعن طريق الروابط الفردية التي يشكلها الناس مع بعضهم البعض وعن طريق المنظّمات الّتي يؤسّسونها لخدمة مصالحهم السياسية والاجتماعية المشتركة، ناهيك أن تآكل مثل هذه الروابط والمؤسسات هو ما يُمثّل إشكالية كبرى. ولإصلاح الضرر الذي تسبب فيه فكّ الارتباط بالمجتمع ولإحياء الشمولية التقدمية تحتاج أوروبا ليس إلى سياسات حكومية جديدة بقدر ما تحتاج إلى إحياء للمجتمع المدني.

7