أوروبا لا تحب المهاجرين لكنها تحتاج إليهم

مع كل انتخابات تجرى في أوروبا وتكون نتيجتها مفاجئة، على غرار أحداث فوز اتحاد الفلاحين والخضر (وسط) المفاجئ في الدورة الثانية من الانتخابات التشريعية الليتوانية أمام المحافظين والحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم، تكون هناك إشارات عن علاقة الأمر بملف الهجرة الذي فتح ولم تتمكن الدول الأوروبية من غلقه وإيجاد حل لمعضلته، بل إنه كلما تطور وطال تفتح صفحات أزمة جديدة وتعقيدات أكثر، مصدرها ليسـت أزمة الهجرة بل حقيقة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في بلدان أوروبا.
الثلاثاء 2016/10/25
الأزمة الحقيقية في "السيستم"

لندن – كثيرا ما يتاجر السياسيون في الأحزاب اليمينية المتشددة في أوروبا بقضايا المهاجرين، ويتبارون عادة في الحديث عن مخاطر الهجرة ومشكلاتها، ويتسابقون في تحميل المهاجرين واللاجئين مسؤولية المصاعب المختلفة التي قد يعاني منها مواطنوهم، فإذا كانت هناك مشكلة بطالة في قطاع ما فذلك لأن المهاجرين استولوا على الوظائف، وإذا كان هناك ضعف في الخدمات العامة كالصحة فذلك بسبب ضغط المهاجرين.

ويجد مثل هذا الطرح قبولا من البعض من فئات المجتمعات الأوروبية، خاصة الطبقات العاملة، التي يريحها كثيرا أن تلقي بكل ما لديها من مصاعب وأزمات على أكتاف الوافدين من بلاد أخرى. وفي الواقع كل ما تقدمه الأحزاب اليمينية في أوروبا لجمهورها هو صورة مشوهة لقضية الهجرة تتجاهل حقائق الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا في الوقت الحالي.

وتتمثل أولى هذه الحقائق في أن الهجرة لعبت دورا أساسيا في نجاح السوق الأوروبية الموحدة. وحسب ما أوضحت دراسة قام بها صندوق النقد الدولي ونشرتها مجلة “الإيكونوميست” البريطانية، فإن نحو 20 مليون مهاجر انتقلوا من دول شرق ووسط أوروبا إلى الدول الأكثر ثراء في غرب أوروبا بحثا عن فرص عمل.

الهروب من الحقيقة

زادت حركة الهجرة من شرق أوروبا إلى غربها بعد انضمام مجموعة من دول أوروبا الشرقية إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004، مثل بولندا والتشيك والمجر. وساهم هؤلاء المهاجرين في توفير احتياجات الاقتصادات الكبرى في غرب أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، من العمالة في قطاعات كثيرة، بما في ذلك العمالة الماهرة المتعلمة والعمالة غير الماهرة.

ما تقدمه الأحزاب اليمينية في أوروبا لجمهورها هو صورة مشوهة لقضية الهجرة تتجاهل حقائق الأوضاع في أوروبا

وتوضح الدراسة أن دول شرق أوروبا المصدرة للعمالة تضررت نسبيا من سفر العمالة صغيرة السن والمدربة إلى غرب أوروبا، وإن كانت حققت مكاسب أخرى واسعة من انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. وتتمثل الحقيقة الثانية التي يتجاهلها قادة أحزاب اليمين الشعبوي في أن أوروبا تعاني من شيخوخة السكان، وتراجع نسبة السكان في سن العمل والإنتاج، ما أفرز ببساطة تصاعد الطلب على العمالة الوافدة لتغطية النقص في الدول التي يشيخ سكانها.

ويلاحظ أن هناك دولا ينخفض عدد السكان فيها مثل إيطاليا، وهي في حاجة متزايدة لمن يستطيعون المساهمة في تدوير عجلة الإنتاج، وكذلك في ألمانيا صاحبة أكبر اقتصاد في أوروبا.

ويتوقع مكتب الإحصاءات الحكومي أن ينخفض عدد السكان البالغ حاليا نحو 80 مليون نسمة بنسبة 10 بالمئة مع حلول عام 2060. ومع وجود طاقة إنتاج هائلة في ألمانيا، فإنه من الطبيعي أن تحتاج إلى مهاجرين جدد في السنوات المقبلة.

وفي الواقع، فإن نمط حياة الكثير من الأسر الأوروبية اختلف في الوقت الحالي عما كان عليه في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية والتي شهدت نموا كبيرا في عدد المواليد، حيث أن الكثير من الأسر الأوروبية تؤخر إنجاب الأطفال، وإن أنجبت، تكتفي بطفل واحد. كما أن الفرص الواسعة المتاحة للمرأة الأوروبية في الدراسة والعمل والسفر جعلت من إنجاب الأطفال وتربيتهم عبئا لا تقبله الأوروبيات إلا في حدود ضيقة.

وتوضح الحقيقة الثالثة أن ما يتردد من أن العمالة الوافدة تؤدي إلى انخفاض الأجور في الدول المستوردة لها، هو طرح يفتقر كثيرا إلى الدقة.

وحسب ما أوضحت دراسة قام بها باحثون في كلية لندن للاقتصاد، فإن العمالة المهاجرة لبريطانيا لا تمثل بديلا في الأغلب للعمالة المحلية، وبالتالي فإن تأثير المهاجرين على فرص العمل ومستوى أجور العمال البريطانيين محدود، بل تفيد الدراسة بأن المهاجرين الجدد يتنافسون مع المهاجرين القدامى على نفس النوعية من الوظائف في الكثير من الأحيان.

ما يتردد من أن العمالة الوافدة تؤدي إلى انخفاض الأجور في الدول المستوردة لها، هو طرح يفتقر كثيرا إلى الدقة

ويمكن القول إن الهجرة ربما منعت العمال في بعض القطاعات من المغالاة في أجورهم، مثل العمال في قطاع البناء والسباكة والنجارة، لكن بالمقابل استفاد المستهلكون من توفر هذه الخدمات بأسعار معقولة، واستفاد أصحاب الشركات من المنافسة في سوق العمل، وهي منافسة تحكمها قوانين الحد الأدنى للأجور التي تضمن أجرا معقولا للعامل في كل الأحوال.

وتؤكد الحقيقة الرابعة أن المهاجرين المسلمين في الكثير من الدول الأوروبية هم جزء من تاريخ هذه الدول وثقافتها، ارتبطوا بها عبر حقب وعصور طويلة، وعلى سبيل المثال عندما كانت فرنسا إمبراطورية واسعة كانت تحكم الكثير من الدول ذات الأغلبية المسلمة، من بينها دول عربية في شمال أفريقيا، مثل الجزائر وتونس والمغرب، ودول في غرب أفريقيا، مثل ساحل العاج والسنغال. وارتبطت هذه الشعوب بتاريخ فرنسا وثقافتها، وساهمت في بنائها وقت أن كانت فرنسا في حاجة إلى عمالة لإعادة بناء ما دمرته الحرب العالمية الثانية، فاستقدمت العمال من مستعمراتها السابقة. وارتبط المهاجرون أيضا بتاريخ بريطانيا وثقافتها التي حكمت وقت أن كانت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.

وفي ألمانيا شارك العمال الأتراك بشكل فعال في بناء الاقتصاد الالماني وأصبحوا بدورهم مكونا من نسيج الحياة في ألمانيا، وبالتالي فإن التخويف من ثقافة المهاجرين المسلمين يتجاهل حقيقة بسيطة، وهي أن هذه الثقافة تعايش معها الأوروبيون عبر قرون طويلة، وتعرفوا عليها عن قرب عبر حقب متعددة.

تصويب الأخطاء

ينتقد الكثير من المواطنين الأوروبيين الطريقة التي تتم بها إدارة أنظمة الضمان الاجتماعي، والتي تسمح للبعض من المهاجرين بالاستفادة من أنظمة اجتماعية لم يساهموا في تمويلها، وهي انتقادات صحيحة في الكثير من الأحيان وتنبغي الاستجابة لها.

وهناك مقترحات في هذا الشأن من بينها ألا يسمح لأحد بالاستفادة من أنظمة الضمان الاجتماعي، إلا بعد العمل والمساهمة في دفع الضرائب والتأمينات لفترة طويلة قد تصل إلى عشر سنوات، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأميركية.

ويتجاهل هذه الحقائق باستمرار اليمين الشعبوي الذي يعتبر التصدي للهجرة مهمته المقدسة، فالسوق الأوروبية استفادت ونمت وتطورت في ظل هجرة الملايين من شرق أوروبا إلى غربها، والقارة الأوروبية في حاجة ماسة للملايين من الشباب ممن هم في سن العمل والإنتاج لتوفير قوة العمل التي تحتاجها الطاقة الإنتاجية الهائلة من السلع والخدمات في أوروبا.

لذلك فإن أوروبا في حاجة إلى المهاجرين حتى لو كانت لا تحبهم ولا تريدهم، فهي لا تستطيع أن تغلق أبوابها أمامهم، وكما يقول المثل العربي مكره أخاك لا بطل.

كاتب مصري مقيم في لندن

6