أوروبا والتخلص من ابتزاز ترامب

القادة الأوروبيون أدركوا أن الرضوخ في كل مرة لابتزاز الرئيس الأميركي لن يقود إلا إلى المزيد من الابتزاز. المطلوب هو إجراء تغيير بنيوي على العلاقات الأميركية-الأوروبية وذلك بإنشاء قوة عسكرية حقيقية تنهي علاقة التبعية
السبت 2018/11/17
الرئيس الأميركي يفضل الاعتماد على القوة المادية والابتزاز بما يخص التعامل مع الحلفاء

إنها المرة الأولى التي يردُّ فيها قادة الدول الأوروبية على سياسة الابتزاز التي يتبعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاههم بطريقة إستراتيجية. إذ دعا كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال لقاءات إحياء مئوية انتهاء الحرب العالمية الأولى في باريس إلى بناء جيش أوروبي قوي ومتكامل ومستقل.

قبل وصوله إلى فرنسا، غرد الرئيس الأميركي منتقدا مستضيفه الفرنسي، ومستتبعا بذلك ضغوطه المعتادة على قادة الدول الأوروبية لزيادة مساهمتهم المالية في حلف الناتو. ليس ذلك بجديد على الرئيس الأميركي الذي بنى سياسته الخارجية على مواجهة الحلفاء قبل الأعداء. وقد بدت تلك السياسة فعالة في انتزاع بعض التنازلات خلال العامين الماضيين، ولكن القمة العالمية الأخيرة أظهرت أن سياسة الضغط والابتزاز تلك قد تعود بنتائج سلبية لا يمكن التعافي منها بما يخص هيمنة الولايات المتحدة وقيادتها للعالم.

منذ انتخابه قبل عامين، واصل الرئيس الأميركي التشكيك بأهمية حلف شمال الأطلسي “الناتو” الذي يشكل الإستراتيجية الدفاعية الرئيسية للاتحاد الأوروبي. اعتمد الرئيس الأميركي في ابتزازه على حقيقة الاعتماد التام للقارة الأوروبية على الولايات المتحدة بما يخص الحماية العسكرية. إذ ينتشر نحو ثمانين ألف جندي أميركي في القارة الأوروبية ويستخدمون أسلحة ومعدات أميركية، هذا فضلا عن التمويل الأميركي لحلف الناتو. هكذا واصل ترامب المطالبة بزيادة المساهمة المالية للحلفاء لتبلغ اثنين بالمئة من حجم اقتصاد كل بلد. ونجح بالفعل في رفع مساهمة الدول الأعضاء ولكن من دون أن تصل للحد المطلوب.

وينطلق ترامب من إستراتيجية “قومية” كما يقول، تضع الولايات المتحدة في المقدمة ويطلق عليها شعار “أميركا أولا”. ويعد هذا الخطاب بمثابة انقلاب على لغة التعاون والأمن المشترك للعصر الليبرالي والتي سادت بعد الحرب العالمية الثانية والتزم بها جميع رؤساء الولايات المتحدة، حتى أشد المحافظين.

بالنسبة لترامب، تعتبر تلك السياسة “حماقة”، إذ تضطلع بلاده بحصة غير متوازنة من تكاليف الدفاع، فضلا عن تكاليف عمل المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة. بالطبع لم يكن ذلك بسبب حماقة الولايات المتحدة كما يدعي ترامب ولا بسبب كرمها وحسن قيمها.

كانت تلك طريقة الولايات المتحدة لقيادة العالم وإملاء كل ما تريده بما يخص النزاعات والاتفاقيات الدولية. ذلك أن نفوذ وتأثير الدول العظمى لا يقتصران على قوتها العسكرية والاقتصادية، بل يتضمنان صورتها على الساحة الدولية والقدرة على حمل الدول الأخرى، الحلفاء قبل الأعـداء، على التصرف بطريقة معينة تعزز من هيمنتها. كما أن أحد عناصر القوة هو القدرة على المشاركة الفعالة في إنشاء المؤسسات الدولية وتوجيه عملها بطريقة تحافظ على الهيمنة.

قاد ذلك خلال القرون الماضية إلى تهميش قادة الدول الأوروبية الذين راحوا يشاركون في حروب الولايات المتحدة عندما تريد الأخيرة ويقفون مكتوفي الأيدي عندما يختلفون معها كما حدث في حرب العراق للعام 2003. صحيح أن الولايات المتحدة تكبدت الحصة الأكبر من تكاليف عمل حلف شمال الأطلسي والمؤسسات الدولية، ولكنها تمكنت أيضا من السيطرة على تلك المؤسسات وتوظيفها بما يخدم مصالحها وهيمنتها على العالم.

لكن الرئيس الأميركي يفضل الاعتماد على القوة المادية والابتزاز بما يخص التعامل مع الحلفاء على الساحة الدولية، إذ شمل ذلك إعادة التفاوض على اتفاقيات المناخ والتجارة والاتفاقيات العسكرية، وهو ما أثار الجدل داخل المؤسسة السياسية والعسكرية الأميركية التي تدرك قصر النظر الذي يحيط بتلك السياسة. لا يمكن مقارنة المكاسب التي حققتها الولايات المتحدة من إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة مع كندا ومن الانسحاب من اتفاق المناخ ومن زيادة مساهمة الأعضاء في حلف الناتو مع الخسارة الكبيرة المرتبطة بهيمنتها وقيادتها للعالم. الخسارة الأكبر قد تأتي في المستقبل القريب إذا فتحت السياسة الأميركية الجديدة الباب لحلفائها من أجل تعزيز استقلالهم وهو ما سوف يقلص من نفوذ الولايات المتحدة.

أدرك القادة الأوروبيون أن الرضوخ في كل مرة لابتزاز الرئيس الأميركي لن يقود إلا إلى المزيد من الابتزاز. المطلوب هو إجراء تغيير بنيوي على العلاقات الأميركية-الأوروبية وذلك بإنشاء قوة عسكرية حقيقية تنهي علاقة التبعية. إذا كان على الدول الأوروبية أن تساهم باثنين في المئة من الناتج الإجمالي لاقتصادياتها، فالأحرى بها أن تسخرها لا لزيادة التبعية للولايات المتحدة، وإنما لقطع تلك التبعية ولانتزاع دور سياسي مؤثر ومستقل في العالم.

جاءت ردود الفعل الأميركية على مستويين. مستوى تحكمه الشخصية المضطربة للرئيس الأميركي الذي واصل إطلاق التهديدات والإهانات للقادة الأوروبيين. ومستوى استراتيجي أدرك خطورة سياسة ترامب على مستقبل الهيمنة الأميركية، إذ أعاد وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس التأكيد على أن حلف شمال الأطلسي هو “حجر الزاوية” في حماية أوروبا في مجال الأمن. تدرك بعض مراكز القوى في الولايات المتحدة أن قرار أوروبا بعدم كفاية قوتها الاقتصادية، وما يسمى بالقوة الناعمة، والاتجاه نحو تطوير قوة عسكرية مستقلة سوف يضعف من موقع الولايات المتحدة على مستوى العالم بصورة لا يمكن التعافي منها.

8