أوروبا ورجعيوها: حذار من أزمة تعيد لنا النازية

الخميس 2015/05/14

منذ سنوات، بدأت موجة الإسلاموفوبيا في عدد من الدول الأوروبية في إثارة إشكال عميق في البنى الفكرية والثقافية والقانونية لتلك الدول التي عرفت تطورا مهما في مجال علمنة الدولة وتجريد المؤسسات من الطابع الطائفي والعنصري والديني لصالح المواطنة، لتضع القيادات السياسية والشخصيات العامة والمفكرين أمام “إحراجات” حقيقية تعكس تأزم مقولات العلمانية أمام عودة المد التعصبي في أوروبا، وهو مد جاء مرافقا لحركة تصاعدية للهجرة.

حركة “بيجيدا” مثلا أو “أوروبيون وطنيون ضد أسلمة الغرب”، يمكن أخذها كنموذج تتركز داخله عينة من الآراء العامة الأوروبية التي ترفض الآخر المختلف عنها، والإشكال الأعمق في هذا الإطار هو أن المجاميع التي شكلت هذه الحركة العنصرية استجابت سريعا لمعطى واقعي تعيشه وهو الأزمة الاقتصادية التي تعصف بأوروبا والعالم، لتتحول العنصرية الدفينة إلى تعبير واضح عن الرفض المطلق للمهاجرين (المسلمين) تحت مسميات “الخوف من أسلمة الغرب”، وهو ما يطرح تساؤلات عديدة حول طبيعة العنصرية داخل هؤلاء: هل هي أصيلة أم مجرد استجابة طارئة لواقع متأزم تمر بمرور الأزمة؟

آخر الأحداث في فرنسا تبوح بدورها أن خللا ما يحدث. رؤوس السياسة في البلاد تناقض منظومتها، ليكشر اليمين الراديكالي الفرنسي عن أنيابه تحت وقع أزمات داخلية تعصف به، فتنعكس ردود الأفعال داخل الجاليات المسلمة في فرنسا، ويهاجم الإسلام مرة أخرى.

فما معنى أن يعلن جون ماري لوبان، الأب المؤسس لحزب الجبهة الوطنية اليميني عزمه اعتناق الإسلام “نكاية في ابنته” التي جمدت نشاطه في الحزب عقابا له على تصريحات معادية للسامية؟ يعني أن الأمر لا يعدو أن يكون “إغاظة” لأحدهم في سياق معركة سياسية تخص حزبا ما، أو أنّ الإسلام كدين أصبح عنوانا “للتخويف”، أو ربما قرر لوبان ـ الفرنسي جدا ـ أن يدخل الإسلام هكذا عن اقتناع.

الأمر لا يستهدف أبدا الدفاع عن دين ما، فكل الأديان تدافع عن نفسها بقوتها الذاتية والروحية وبتعاليمها وخصائصها، لكن الإشارة إلى طبيعة رؤية اليمين في أوروبا بشكل عام للإسلام تمر حتما عبر استغراب سلوكات القيادات اليمينية التي تصور الإسلام على أنه دين كره وتشدد وعنف، والحال أن الأمر عكس ذلك تماما. إذن فما الفرق بين إرهابيي ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية” والمتعصبين اليمينيين في أوروبا؟ ما الفرق بين “الخليفة” البغدادي وجون ماري لوبان مثلا، أو النائب الهولندي المتطرف غيرت فيلدرز، فكل منهم يوظف الدين في معاركه السياسية: الأول يذبح به الأبرياء ليسيطر على مملكة خيالية في الشرق العربي، والثاني يغيظ به ابنته والثالث يستعمله كفزاعة كلما ترشح للانتخابات. ألهذا الحد يمكن لأوروبا أن تحتمل سياسيين من هذا النوع؟ أو أن تسمح فرنسا، بلد الجمهوريات الخمس العلمانية، بازدراء الدين؟

يبدو أن بعض سياسيي فرنسا “قد أضاعوا البوصلة” كما صرحت وزيرة التربية نجاة فالو بلقاسم، وأصبح الارتباك باديا بشكل أوضح على المجتمع الأوروبي الذي يشهد “تآكل علمانيته” تحت وقع ضغوطات الاقتصاد المترهل والإرهاب وتزايد أعداد المهاجرين، ما يؤكد أن الشعوبية في أوروبا لم تنته مع نهاية النازية والفاشية، بل إنها في تنام مطرد كلما حلت أزمة بديار الشمال الباردة. حتى أن “الحس الخاص” أو حس الأقليات الرافضة لوجود الآخر المختلف عنها بدأ في العودة ومزاحمة “الحس المشترك” الذي أرادت الأجهزة والمنظومات الأوروبية تعميمه على المجتمع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ربما تعيد عجلة التاريخ نفسها إلى الوراء، قرنا من الزمن، لتحتاج معه القارة العجوز أنطونيو غرامشي آخر، يدعو لمقاومة التطرف والتعصب والفاشية التي نشأت في ظروف تشبه ظروفنا اليوم، وصعدت إلى السلطة بانتخابات “ديمقراطية”.

13