أوسلو ومعارضون من داخلها

أوسلو ليست سياقا لحركة تحرر ثورية، وبالتالي فإن سلطتها ليست كذلك. هي بحكم صيغتها يراد لها من الجانب الفلسطيني، أن تحبو في اتجاه الشرعية الدستورية. أما إسرائيل، من جانبها، فقد كان هدفها إدخال حركة التحرر الفلسطينية إلى القفص هي وقاعدتها الاجتماعية.
الاثنين 2019/09/16
هدفهم السلطة

خلال الأيام القليلة الماضية، كتب الفلسطينيون وقالوا كلاما كثيرا عبر وسائل التواصل، عن اتفاق إعلان المبادئ، المسمّى اصطلاحا “أوسلو”.

على قدر ما يحرص الكاتب على تحاشي الإشارة إلى نفسه، إلا أنني مضطر للقول، بأن من عارضوا ذلك الاتفاق الذي فشل تماما، قد فعلوا ذلك أولاً من مواقع بعيدة عن دائرة الضالعين فيها، وربما لم يكن بعض هؤلاء سيعارضها، لو كان في داخل الدائرة. وثانيا إن الغالبية العظمى من المعارضين، عارضوها شفاهة، لكن كاتب هذه السطور، كان واحدا ممن عارضوا قبل توقيع الاتفاق وبعده، بينما هو في داخل دائرة الضالعين فيها. لم يعارض شفاهة وإنما بالكتابة الدائمة في جريدة عربية دولية، وسخّر قلمه لهجاء أوسلو ومن تسبّبوا فيها وأولهم محمود عباس بالاسم والعنوان. فقد تدخّل أيامها، عدد من الأصدقاء، بطلب منه، لكي يخفى الكاتب عنه، وكان جوابه إن المسألة ليست شخصية.

وفي الحقيقة، دفع العبد لله ثمن موقفه، بمنعه من العودة لخمس سنوات إلى مسقط رأسه في غزة، بعد تأسيس السلطة. ولولا علاقة خاصة ومميزة بالزعيم الراحل ياسر عرفات، لكانت منظومة أوسلو التي تأسست في داخل منظمة التحرير قد حكمت عليه -وهو آنذاك بدرجة سفير- بعدم الجدارة في تمثيل السياسة الفلسطينية الرسمية، دبلوماسيا. وللأمانة لم يكن ياسر عرفات مسرورا ومتفائلا بأوسلو، وإن تظاهر بغير ذلك لكي لا يحبط الناس. والفلسطينيون يعرفون الظروف العربية والدولية التي دفعته إليها، فقد كان الرجل، بينه وبين نفسه، يخوض معركة حياة أو موت!

اليوم بعض الذين تهللوا بأوسلو، أو استفادوا منها، أو تحكّموا بالرقاب عن طريقها، أصبحوا يعارضونها أو يتعففون عنها ويعتبرونها أصل الخراب. وهؤلاء هم المعنيون في هذه السطور، والحديث حصرا عن غزة، وعن الذين يحكمونها!

فلم ينتبه هؤلاء، إلى أنّ سيطرتهم على السلطة، لن تصل بهم إلى نتيجة سوى الإساءة لأنفسهم وللناس ولمنهجية العمل الإسلامي برمّته. وليس هذا الحكم من عندنا، وإنما تعبّر عنه الأجوبة الموضوعية عن بعض الأسئلة الفارقة: لماذا ارتضوا السعي إلى الاستيلاء على سلطة أوسلو طالما يعرفون أنها خراب؟

وإن افترضنا أنهم فعلوا ذلك لكي يقاوموا، ولكي يُفشلوا تسوية هزيلة؛ فما هو وجه الشبه، بين المقاومة والسلطة التي استحوذوا عليها وهم يعرفون معادلاتها وضروراتها ويدركون أن من اشتغلوا على صياغتها تعمّدوا توثيق الربط بين الاحتلال، وكل غرزة في هذه السلطة: الماء والخبز والكهرباء والمصارف وبطاقات الهوية وجوازات السفر وتسجيل المواليد والطبابة والدواء وخطوط الهاتف وخدمة الإنترنت، وسائر احتياجات البشر.

ويعرفون أيضا، أن صورة هرتزل، وليس الشيخ المودودي، هي المرسومة على الورقة النقدية، وأن هذه الورقة ستصبح براهين رزق تتبسم لها الشفاه، لأنها هي الدراهم المتداولة، ويعرفون أن “الفكة” في الأعياد، لن تتوافر دون مدد القطع المعدنية العبرية؟ وهل ظنّوا أنهم قادرون على توفير البدائل للناس، بينما هم يعرفون ظروف الإقليم؟ وما هو شأن المقاوم، بمسؤوليات سلطة يتركز جوهر وظيفتها، في ألاّ تنقطع عن الناس مقومات الحياة؟ ألم يسألوا أنفسهم، قبل أن يصبحوا سلطة في غزة، كيف ستتوالى الأجيال وتحمل الفكرة الفلسطينية، جيلا بعد جيل، عندما يصبح الناس أحياء كالموتى؟ بل ما هو شأنهم بأماني الحياة، إن كان شعارهم التعبوي، هو “الموت في سبيل الله أسمى أمانينا”؟

صحيح إن كل طيف حر في صياغة أمانيه وشعاراته، لكن الكيانات، لا تقوم على هكذا شعارات، ثم إن المتطلبات التعبوية للفرق والجيوش والمجموعات الفدائية، تختلف عن المتطلبات المادية للمجتمعات والشعوب؟

نحن هنا، لا نتطرّق إلى منهجية حكم حماس في غزة، وما ظهر من ممارسات حوّلت حياة الناس إلى جحيم، لكي يظل “الإخوان” المستريحون في الخارج البعيد، يباهون بغزة التي تنام وتقوم على الموت والفقر وهواجس الرحيل!

ليس مطلوبا من حماس وغيرها ألاّ تقاوم، ولا حتى أن تتنبه لضرورة تعيين الفارق بين متطلبات الهجوم وحساباته، ومتطلبات الدفاع وضروراته. المطلوب هو أن تشرح لنا كيف تجتمع السلطة مع المقاومة. الأولى تتوخّى مناخات مواتية لأداء وظيفتها، والثانية تتطلّب مناخات من شأنها إحباط مقاصد الأولى.

هذا الكلام كتبنا عنه كثيرا، وتناولناه حتى بلغة الفقه القانوني. الشعوب تختار لنفسها شرعية واحدة تلتزم محدداتها. إمّا شرعية دستورية تضبط إيقاع الحياة والتنمية والعدالة وتحمل ملف القضية سياسيا، وإمّا شرعية ثورية، حسب تسميتها في توصيف حركات التحرر، تتطلّب طرد المستعمر بوسائل وخطط قتالية تستنزفه ولا تستنزف المجتمع، ولا حتى المقاتلين. الأولى ظاهرة قانونية، والثانية ظاهرة تاريخية.

أوسلو ليست سياقا لحركة تحرر ثورية، وبالتالي فإن سلطتها ليست كذلك. هي بحكم صيغتها يُراد لها من الجانب الفلسطيني، أن تحبو في اتجاه الشرعية الدستورية. أما إسرائيل، من جانبها، فقد كان هدفها إدخال حركة التحرر الفلسطينية إلى القفص هي وقاعدتها الاجتماعية. وأوسلو منذ البداية، لا تصلح لأن يمتطيها صاحب مشروع حركة مقاومة مسلّحة. وعندما يقع المقاوم في الغواية يرتسم الكاريكاتير: شباب على الثغور، ورجل من قطر، يتفق مع نتنياهو على المرور حاملا الحقيبة لتوزيع المخصّصات المالية عليهم!

لقد راودتني النفس الأمّارة بالسوء، للإعلان، نكايةً، عن تأييد أوسلو بأثر رجعي. لكن النكاية ليست عاطفة نبيلة. ثم إنني أتحاشى غضب وعتب شاب أشقر طويل، أوقفته بالراية السوداء، على باب سفارة فلسطين في الجزائر، في يوم التوقيع على أوسلو. إنه في وجداني، يمثّل كل الذين أحسوا بالظلم من صيغة أوسلو. لكن العقل الداعي إلى الحكمة، صدّ النفس الأمّارة بالسوء، فاستجابت لندائه. فلم، ولن يكون، في أوسلو ما يشجع على تأييدها، لأنها فتحت بطن الفلسطينيين، وبعثرت أمعاءهم، وسخرت ممن عارضوها ثم أوقعتهم في غواية سلطتها، ليتولوا هم بأنفسهم تصنيع المثال الذي يجعل الناس تترحم على أيام احتلال إسرائيل المباشر. فقد رأتهم تل أبيب يفعلون ذلك من داخل أوسلو، ويثيرون الشفقة على حالهم، كلما تحدثوا عن خروقات “العدو لمّا تمّ الاتفاق عليه” بخصوص المعابر المفتوحة ومساحات الصيد وحصص الكهرباء والشاحنات!

إن لوظيفة السلطة ناسها. فقد كان الفلسطينيون يأملون من حماس، أن تكون سندا لهم في معادلات السياسة الداخلية، ولهذا رجّحوا كفّتها في انتخابات يناير 2006 لكي لا يجرؤ أحد على إطاحة العدالة، ولكي يظفروا بسلطة رشيدة وموحدة، تلتزم الوثيقة الدستورية والقانون، دون أن يتحمّلوا أوزار أيّ شكل من التسوية!

9