"أوشام سرية" نسيج الذاكرة من خيوط الماضي

تبرر القاصة التونسية هيام الفرشيشي منطلق كتابة قصص مجموعتها “أوشام سرية” المرتكنة إلى الذاكرة بانتعاش الفكر الخرافي الغيبي والشعوذات في فترة ما بعد الثورة واختلاط الحقائق بالأوهام، وفي محاولتها معالجة هذه الظاهرة عبر نصوصها القصصية ارتأت أنه لا يمكن الحديث عن أوهام الحاضر دون الرجوع إلى رواسبها في الذاكرة واللاشعور.
السبت 2015/08/01
الكاتبة تختار موضوعاتها من عمق الإنسان والمجتمع

“أوشام سرية” هي المجموعة القصصية الثانية للكاتبة التونسية هيام الفرشيشي صدرت عن دارالفكر للنشر والإشهار. مكونة من عشر قصص وهي: أرملة العنكبوت، عرس الذيب، الخنفساء الهرمة، مدارج العودة، الصخرة والموج، طائر الأحياء الخلفية، البحث عن المعنى المفقود، ظلال القرية، عتبات الذاكرة وعتبات المدينة.

وهي مصنفة إلى قصص رمزية وواقعية وغرائبية، ومع ذلك يمتزج الحلم بالواقع في هذه القصص والخيال بالحقيقة، لتدخلنا القاصة إلى عوالمها اللامتوقعة عبر الاستناد إلى الذاكرة والقص الشعبي والخرافات والأساطير التي لم تبارح المخيلة.

قصص الذاكرة في المجموعة تمثلها بامتياز القصص: عتبات المدينة، عتبات الذاكرة، ظلال القرية وعرس الذيب.

“عتبات المدينة” للكاتبة هيام الفرشيشي قصة تنغمس في دهاليز الذاكرة ولكن بطعم المدينة القديمة المحتوية خاصة عند تصوير ديار كبار التجار ومنازل القضاة وأعيان البلاد في فترة معينة من الزمن الماضي. هذه البيوت كانت عامرة بالحياة وقصص الحب العفيف وتجمع من الفنون ما يغذي النفس والعقل. الراوية تحدثت عن بيت الأجداد وفهمنا من أشيائه القديمة أنه بيت فن ونظام ومتعة.

أما قصة “ظلال القرية” فتصور الرجوع إلى القرية هو دون شك الرجوع إلى الأصل إلى الزمن اليدوي غير الملوث بأدران الحضارة. فتتراءى لنا الجدة مثلا كشخصية أسطورية ترمز للقوة ولحب الحياة ولتحدي الطبيعة، مما يجعل الإنسان متناغما مع الأرض والهواء تناغم طيور مهاجرة لا تضل طريقها. حوار الجدة ينطق بكلمة واحدة هي العطاء وكأنها جاءت إلى هذه الدنيا لإسداء هذه الرسالة فحسب. أما قوتها فهي أنها لا تتعب ولا تتألم ولا تتكاسل وكأنها تخاف أن تسكت العصافير عن الغناء أو تقف الأمطار عن النزول.

في قصة “عتبات الذاكرة” ينساب الماء في “مجردة” وتتأمل البنية جريانه دون أي درس ولا عبرة. الصخور تتبلور هي أيضا؛ تارة ركوبا للأطفال وملهى، وتارة أخرى تخيف وتفلج كل من مرّ حذوها، حتى الدمية الصغيرة لا يؤمن جانبها إذ أنها والناس نيام قد تؤذي وتغيّر الحال بالحال هذا ما أعجبني في القصة، ضمور الإنسان، تقزمه وضآلته، بينما تتحرك كائنات من المفروض أنها جامدة في الأصل، وهي الآن فاعلة دائما بدون حراك، ولكن الإنسان العاجز يعطيها حراكا من عنده من صميم عجزه، هذا كله يحملنا، لا أدري إلى ماذا، إلى تذكر قصة “السد” للكاتب الفذ محمود المسعدي، التي كانت عكس قصتنا هذه، حيث كرّس فيها عبر بطله غيلان صورة يقينية ممتازه لضرورة العمل، وبطولة العمل، وسرمدية العمل والفعل، وعلى ترك الأثر، وبالتالي فكرة الانتصار والهيمنة بمعناها البنائي وليس التهديمي. أما في قصتنا هذه “عتبات الذاكرة” فتقريبا هناك الصورة المعكوسة، هناك الإنسان المستكين الذي لفت دماغه خيوط الخرافة واجترارات الرؤوس المخيفة القابعة حجر عثرة في ثنايا القرية، التي حسب وصف الكاتبة هي أقرب إلى المقبرة منها إلى المكان الحي، فالموت حسب رؤية الكاتبة هيام الفرشيشي هو موت الخيال لمّا تكبله حالة طارئة من مثل ما وصفته في قصتها.

وتحضر الذاكرة أيضا في قصة “عرس الذيب” هذه القصة التي لخصت صيرورة الحياة البشرية وتشابك الفعل الإنساني فيها، وهذه المقاربة التي تجعل فعل المرأة فعلا حتميا مناطا بعهدتها كما هو فعل الرجل، مما يجعل حكاية التسلط حكاية مغلوطة من أصلها، فالكاتبة خلقت بقصتها دراما كانت على أتون من الصراع الجميل والممتع يعيد هذا العيش الأبدي إلى كل إنسان مرّ من هذه الأرض، ويبدو أن الصيرورة هي نفسها، تعاد في كل مرة دون أن تتعب الأفئدة ولا الأبدان ولا المهج.

حول الذاكرة في قصص أوشام سرية كتب الناقد الجزائري عبدالله العشي: هيام الفرشيشي كاتبة جادة. الكتابة عندها ليست لعبا بالكلمات بل رسالة إنسانية هادفة، ولذلك فهي تختار موضوعاتها من عمق الإنسان والمجتمع. لا يهم أن تكون تلك الموضوعات قديمة أو حديثة، بل ما يهمها هو أن تكون راهنة وذات حضور وتأثير تسعى إلى الأشكال التي بواسطتها تجسد رؤيتها من خلال موضوع ما، إنها ترتكن إلى الذاكرة بوصفها عنصرا بنائيا.

17